ملخص
أحداث وحوادث تظهر على السطح في مصر، وتجيش الجيشين المتضادين، وتستنفر أصحاب الرأي والتوجه في مقابل أصحاب الرأي الآخر والتوجه المخالف أصبح سمة من سمات الحياة على الأثير، وتشهد تصاعداً ملاحظاً في الفترة الأخيرة.
الأسابيع القليلة الماضية كانت ساخنة حامية شديدة الالتهاب في مصر، وكأن طقس الصيف المتحول من حار جاف إلى شديد الحرارة شديد الرطوبة لم يكن يكفي للإحماء والتسخين، فإذ بأحداث وحوادث وأخبار وقضايا ومناقشات وحتى أفكار، تتحول في لحظات معدودة إلى معارك حامية الوطيس من الشارع إلى الأثير والعكس.
شهدت مصر أربع حوادث كاشفة لتحول اختلاف، في وجهات النظر والآراء والتوجهات والأولويات، إلى معارك طاحنة وخلافات ساخنة ومنافسات للنيل من الفريق المضاد عبر السب وتوجيه الاتهامات سابقة التعليب والاغتيال المعنوي والتراشق اللفظي، وبعضها لا لشيء إلا لتفريغ شحنة غضب، أو للنيل من الفريق الآخر تصفية لما فات من أحداث وحوادث، أو تهيئة لما هو قادم.
حادثة الإسماعيلية
الأولى هي حادثة السير البشعة التي وقعت على طريق "الدواويس" في الإسماعيلية قبل أيام، وراح ضحيتها 18 شخصاً، بعضهم أطفال تتراوح أعمارهم بين تسع و14 سنة، إضافة إلى نحو 30 مصاباً، جميعهم من "عمال اليومية" العاملين في جني المانغو. احتوت الحادثة على التوليفة المثالية للتجييش والتهييج وانقسام الصفوف إلى فريقين متضادين، الفقر وعمالة الأطفال وكثرة الإنجاب والتعليم ودور الأسرة، ودائماً وأبداً مفهوم الدين وتفسيراته البشرية.
الفريق الأول اعتبر الأسر كثيرة الإنجاب، لدرجة أن إحداها فقدت ستة من أبنائها، ضحايا الفقر وفشل السياسات الحكومية في إطعام الناس وإغنائهم، وضياع الثروة البشرية المتمثلة في الأطفال، التي دعا الدين إلى كثرتها وتناميها، وأن الله هو الرزاق، والدولة هي المتكفلة، إضافة إلى اعتبار التعليم عبئاً لا ضرورة، وعمل الأطفال ليس عيباً أو حراماً، بل ضرورة ملحة. والثاني وضع الأسر كثيرة الإنجاب، المتجاهلة لمبدأ توريث الفقر، والمعتبرة العيال رؤوس أموال تستثمر ما أن يشتد عودها في سن السابعة أو الثامنة، والمحملة الدولة وغيرها من الطبقات القابعة أعلى خط الفقر المسؤولية الكاملة عنها، في موضع المسؤولية الكاملة عن الكارثة المتكررة من حوادث في الماضي والحاضر والمستقبل، ناهيك بإساءة التعامل مع حياة الأبناء ومصائرهم.
نتيجة لهذه الاختلافات والخلافات، تأججت نيران التراشق بالاتهامات بين الفريقين، وهو التراشق الذي بلغ أوجه مع إعلان الحكومة تخصيص 100 رحلة عمرة لأسر الضحايا، وهو ما اعتبره الفريق الأول نعم الترضية وأفضل التعويض، وسماه الفريق الثاني استمراراً للعبة الأفيون، أي استخدام الدين أفيوناً لتسكين الآلام وتهدئة الجراح.
فتاة "الهيليوم"
والثانية حادثة انفجار أنبوبة "هيليوم" في محل لبيع الهدايا في مركز تجاري في "القاهرة الجديدة"، وهو ما أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 17 آخرين. ترك الفريقان الزوايا الرئيسة المتعلقة بما حدث من الرقابة على المنشآت، واشتراطات السلامة والصحة المهنية، والإدارات المحلية، والحماية المدنية، وقواعد ومعايير تأمين أماكن العمل والأماكن العامة، وأمسكا بتلابيب شابة ظهرت في فيديوهات الانفجار، وهي ترفع شعرها وتهرع في محاولات لإسعاف مصابين.
ولأن الشابة، التي اتضح أنها طالبة في كلية الطب، لا ترتدي الحجاب، فقد استنفر فريق الإسلاميين ووزع الأعضاء أنفسهم على أقسام فرعية، قسم للنيل من الشابة وملابسها، وآخر للتقليل مما قامت به من جهد، والثالث لتأكيد أن الشاب الذي خلع قميصه لتغطية متوف أفضل منها، ورابع يسخر منها، وخامس يطالب والدها بتقويمها وإجبارها على ارتداء ملابس أكثر احتشاماً، وسادس للقول إنه بعد البحث والتقصي، تبين إنها لم تسعف أحداً، وهلم جرا.
أما الفريق الثاني فقد انتفض عن بكرة أبيه بين معظم وممجد للشابة التي أثبتت أنها بـ"مليون رجل"، وأكثر فائدة من أشاوس الشباب والرجال الذين وقفوا يصورون المشهد المأسوي بهواتفهم المحمولة، ومدافع عنها وعن كيانها وحريتها الشخصية. وكما هو متوقع ينخرط الفريقان حتى اللحظة في تراشقات بسبب مظهر الشابة، لا بسبب الحادثة، أو انعدام معايير الأمن، أو غياب بدهيات السلامة، أو غيرها.
الواقعة الثالثة هي لسيدة اشتبهت في اصطحاب مسن يعيش وحده لطفل إلى شقته، فما كان منها إلا أن طرقت الباب بعنف وهاتفها المحمول في يدها والكاميرا مفتوحة، وما أن فتح الرجل حتى سألته مباشرة وبصوت عال عن الطفل الذي معه، وسببه وجوده معه، وقول الصغير إن الرجل وعده بحلوى وهاتف محمول جديد، وشكل الأهالي في تصرفات الرجل السابقة، وقولهم إنه دأب على اصطحاب أطفال صغار معه إلى الشقة.
انتفض المتابعون مجدداً إلى فريقين، الأول يدافع عن الرجل "ذي الملامح الطيبة"، ومطالبة الجميع التروي قبل توجيه الاتهامات، لا سيما أن علامات الورع والتقوى على وجهه، وربما أنه اعتاد أن يحنو على الصغار، خصوصاً أنه يعيش وحيداً وليس لديه أبناء، بل وذهب بعضهم إلى درجة اتهام السيدة بالتعدي على خصوصية الرجل، أما الفريق الثاني فاعتبر السيدة شجاعة ومقدامة وتستحق التكريم، وتدور دوائر التراشق.
تي شيرت "إسلامي"
أما الواقعة الرابعة فتدق على أوتار عدة في الشارع المصري، بين وتر وضع التدين الشعبوي الحالي، وتصاعد النبرات السلفية والمتشددة التي تشعر بالأمان والسلام في ظل سكوت مؤسسات دينية رسمية يفسره خبثاء بـ"المباركة"، وشيوع قدر غير قليل من فوضى التصرفات وعشوائية المشاريع، وتداخل خطوط التدين بالتجارة بنشر التطرف بغياب الرقابة وغيرها كثير من الأوتار.
إنها واقعة انتشار فيديوهات وصور لشاب يتاجر في التي شيرتات التي يطبع عليها عبارات يقول أنصاره إنها "إسلامية جميلة"، ويصفها آخرون بـ"الجهادية" أو "الإرهابية"، أو "الداعية إلى الفتنة الطائفية ومزيد من التطرف". وزاد من "روعة" المشروع التجاري الثقافي الديني في نظر الفريق المؤيد أن صاحبه "معلم تاريخ"، مما يعني أنه يبث "هذا الفكر الجميل، وتلك العودة الحميدة للدين، وهذه المبادئ الرائعة للثقافة الإسلامية" في عقول وقلوب الطلاب والطالبات. وفي قول آخر، وبحسب الفريق المضاد، فإن عمل الشاب بتدريس التاريخ هو ترجمة فعلية لمبدأ "زيادة الطين بلة"، طين التطرف والفتنة وبلة حفرهما في الأجيال الصغيرة.
وضمن العبارات المطبوعة ما قاله خالد بن الوليد "فإما أن تسلموا أو الجزية"، و"أسلموا وإلا فأدوا الجزية وإلا فقد جئتكم بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة"، و"عمرو بن العاص عظيم مصر"، و"نحن لا نستسلم ننتصر أو نموت" وغيرها، وجميعها مزين بسيوف أو رماح أو صواريخ محمولة. وللصغار، تي شيرت مطبوع عليه بالبنط العريض "مسلم".
تقدم أحدهم ببلاغ للسلطات للتحري عما يفعله الرجل، فجرى إلقاء القبض عليه، ثم أفرج عنه بعد ساعات. المثير أن ظهور بيزنس التي شيرتات "الإسلامية" إلى نور الأثير أعاد تنظيم صفوف الفرق المتناحرة، إذ الفريق المؤيد مثمن ومؤيد ومدافع عن العودة للدين والهوية والفتوحات الإسلامية والانتصارات الدينية والحروب، التي من شأنها أن تعيد للأمة قوتها ومكانتها وبأسها.
أما المعارض فقد اعتبر ظهور مثل هذه الملابس هو خطى ثابتة نحو إعادة إحياء "داعش"، ومرحلة ضمن مراحل كثيرة لترسيخ التطرف الديني وخطوته المقبلة الجهاد ضد أعداء الدين، وتطور طبيعي للسكوت على الأصوات والتصرفات والإجراءات الخالطة الدين بالدولة، وتلك التي اعتبرت الكيانات الدينية بديلاً لحل مشكلات المواطنين بدءاً بالطعام والشراب، مروراً بالتعليم والتنشئة، وانتهاء بالمرور والزراعة والصناعة والثقافة والصحة والعمل والزواج والإنجاب وغيرها.
اللافت أن عناصر التوليع ومكونات التهييج تتواتر وتتكاثر في غفلة من الزمن والاهتمام، مواقع وقنوات محسوبة على جماعات دينية تمعن في نشر الخبر باعتباره "القبض على شاب بتهمة طباعة عبارات إسلامية على تي شيرتات" أو "الدولة تخشى على نفسها من شاب ملتزم"، أو "الحكومة تخاف من الصحابة وتخشى عودة المصريين للإسلام"، حتى بدا الأمر وكأن الدولة تحارب الدين.
تفجرت تعليقات غيورة على الدين وخائفة على مصير المتدينين، ومتهمة الدولة والمجتمع بالبعد من الدين وتفضيل الدنيا و"الرقاصات" والعبارات الماجنة على الملابس. وفي هجمة مرتدة، اعتبر الفريق الآخر مثل هذا الشاب، وهذه الأفكار مرآة عاكسة لما يجري في المجتمع منذ سنوات، إذ غرس التطرف عبر تعليم ديني، وحصاد العنف الفكري القابل للتطور إلى أشكال أخرى في ظل سكوت رسمي.
أحد المدافعين عن "التي شيرت الإسلامي" وصاحب الفكرة كتب على "فيسبوك" أن ما حدث كشف أعداء الإسلام، وأن القبض على الشاب الملتزم كاف لإسقاط أقنعة المنافقين الذين يظنون أنهم مسلمون، لكن وقت الجد وصفوا التي شيرتات والعبارات عليها بأنها مثيرة للفتنة وناشرة للتطرف، وأن هذا يعني أنهم لا يعرفون شيئاً عن دينهم، وإنهم مجرد أصوات، لكن سيجري إسكاتها بإذن الله، وأن هذا الشاب ومشروعه سيكون فاتحة خير لنشر الإسلام وباباً من أبواب تمكين دين الله.
وجاءت التعليقات بين مهلل ومكبر ومحوقل، في مقابل منددين ومعارضين ومطالبين بالالتفات لما يجري قبل فوات الأوان.
هذه وغيرها من أحداث وحوادث تظهر على السطح، وتجيش الجيشين المتضادين، وتستنفر أصحاب الرأي والتوجه في مقابل أصحاب الرأي الآخر والتوجه المخالف أصبح سمة من سمات الحياة على الأثير، وتشهد تصاعداً ملاحظاً في الفترة الأخيرة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تكرار هذه المشاهد الساخنة حتى باتت تبدو، وكأنها حلقات في مسلسل تركي لا ينتهي له تفسيرات عدة. الإحباط والأوجاع الاقتصادية التي ترفض أن تتوقف تدفع كثيرين إلى أثير السوشيال ميديا، إما بحثاً عن مصادر إلهاء أو منصات تنفيس.
الإلهاء الأكثر انتشاراً هذه الآونة يتمثل في حوادث وأحداث يتنافس الإعلام التقليدي والجديد عبر مؤثرين وصانعي محتوى في وصفها بـ"جريمة تهز مصر"، و"حادثة تبكي المحافظة"، و"ابن يقتل أمه ونهاية العالم غداً" وغيرها، مما يدفع ملايين إلى خوض مضمار المتابعة، والتأثر بما يقال من أخبار وأشبه أخبار، وكلام خبراء وأدعياء معرفة، ثم حمل راية التعليق والتفسير، وهلم جرا، وذلك من دون بحث أو تدقيق أو تقص أو مراجعة الآراء المعروضة أو التشكيك في الروايات التي قد تكون مغلوطة.
المنصات التي تستحق عن جدارة أن تحمل لقب "التواصل الاجتماعي والتنفيسي" أصبحت ملجأ رئيساً للتنفيس عن الضغوط، دراسات وبحوث من مشارق الأرض ومغاربها تؤكد أن الإنترنت بصورة عامة، والـ"سوشيا ميديا" بصورة مكثفة، أصبحت متنفساً رئيساً للإحباطات المكبوتة. وعلى رغم أن هذه الظاهرة ليست حكراً على مصر، إلا أن كثيراً من التفاعلات المصرية عبر السوشيال ميديا تضخم من حجم التوترات الاجتماعية، وتجعل النقاشات الحادة أكبر وأعمق مما هي عليه في الواقع. لكنها تنقل هذه الصورة المضخمة إلى أرض الواقع، فيتم البناء عليها، قبل إعادتها مجدداً للأثير، وهكذا.
ولأن التنفيس السياسي تكتنفه مخاوف، فليس هناك أفضل من التنفيس الاجتماعي والثقافي، حيث كل إناء بما فيه ينضح.
الأثير ينضح بالكثير
ينضح الأثير بكثير مما يدور في المجتمع المصري من نتائج خلط الدين بالسياسة بالتدين بالعلاقات الاجتماعية بالجهات الدينية بالمدنية بالفتوى بالرأي بالاجتهاد بالعلم بنصفه وأحياناً ربعه، وذلك من دون حد أقصى للتعبير. وربما هذا يفسر الجرأة الشديدة التي يتمتع بها بعضهم في التعبير عن تنشئتهم الدينية التي يصفها بعضهم بـ"المتطرفة" أو "شديدة التطرف"، في حين تعتبرها كتلة معتبرة "ملتزمة وجميلة ومحمودة". إنه التعبير الذي يحمل آراء مضادة للمواطنة، ومواقف رافضة للاستماع لآراء وتوجهات الآخرين، وأحياناً لوجود الآخرين من الأصل، وهي الجرأة التي تتمتع بتأثير كرة الثلج، فكلما تدحرجت على الأثير، كلما اكتسبت طبقات إضافية وقوة مضاعفة عبر صناعة قواعد من المتابعين والمريدين والمدافعين.
الواقع الافتراضي، وأحياناً الكاذب، الذي تفرضه السوشيال ميديا على المصريين أصبح بالغ الخطورة. أستاذ الطب النفسي والكاتب خليل فاضل تساءل قبل أيام في مقالة عنوانها "حين تذوب الحدود بين المعلن والمضمر"، ترى كم شخصاً يقدم نفسه على مواقع التواصل بصورة لا تمت بصلة إلى حياته؟ ويجيب فاضل بالقول إن الإنسان يعشق الأقنعة، لأنها تمنحه ما عجزت الحقيقة عن منحه، وتختصر الطريق إلى القبول، وتوفر عناء البناء البطيء للسمعة، وتقدم حزمة جاهزة من الاحترام والهيبة من دون ثمن التعب الفعلي.
ويضيف "في عصر تتدفق فيه الصور أسرع من معانيها، تصبح الأقنعة سلعة رائجة، يرتديها ملايين من دون أن يشعروا بثقلها، حتى تذوب الحدود بين المعلن والمضمر، وأخطر ما في هذه القصص ليس براعة المحتال، إنما استعداد المجتمع لتصديق المشهد، ويصبح الوهم قادراً على أن يعيش سنوات طويلة".
ويصف فاضل ما يجري على السوشيال ميديا بأنه "فشل جماعي في ممارسة الشك الصحي الذي يحمي العقل من الوقوع في فخ الجاهز، فكلما ترسخت ثقافة القداسة غير المدققة، وكلما هول شأن المظهر الخارجي، صار الاحتيال أقل كلفة، وصار كشفه أشبه بمعجزة أكثر منه إجراء روتينياً"، مستنتجاً أن الحقيقة تكون هي الخاسر الأكبر، ليس لأنها غائبة، بل لأن الناس اختاروا عدم البحث عنها، مشيراً إلى أن "المجتمعات لا تخدع بالذكاء وحده، إنما تخدع أيضاً بالتراجع عن ثقافة التحقق، ويحل الانبهار محل التفكير النقدي".
ويرتبط هذا التفسير كثيراً بما يشهده المجتمع المصري من تحولات تحو التديين المبني بقدر كبير على تأثيراته المسكنة، إضافة إلى غياب العقل النقدي، بل وشيطنته إن وجد، لا سيما إن تجرأ صاحبه وشكك في المطروح على الأثير أو الواقع من قصص وحكايات وتفسيرات وتأويلات يتفوه بها أشخاص يجري رفعهم شعبياً إلى مكانة العلماء، وأحياناً القديسين.
في أعقاب أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011، وقبلها ببضعة أعوام، تحول أثير السوشيال ميديا مصرياً إلى أداة تعبير قوية. في البداية، كان استخدامها حكراً على فئات بعينها من الشباب الراغب في إحداث تغيير سياسي، وبعضهم من "النخبة" المدركة لمفاتيح الأثير وقدرتها على إحداث تغييرات، بعيداً من الحكم على حسن أو سوء نية التغيير. وبعد جهود تحريم، وصل بعضها إلى التكفير، تخلت تيارات إسلامية سياسية عن مواقفها المتشددة تجاه الأثير، ورفعت راية "إللي تغلب به، العب به".
شهد الأثير المصري على مدار ما يقرب من عقدين تحولاً لمشايخ ودعاة وأفراد ينصبون أنفسهم رجال دين، أو خبراء تنمية بشرية إسلامية من منابر المساجد والزوايا، إلى المنابر الافتراضية. وعلى الأثير الافتراضي، تنمو وتترعرع قواعدهم وقواعد المتابعين والمريدين، وبينهم من يتخذ غاية "الدعوة" هدفه، أو مصدر لأكل عيشه، فتتكون اللجان المدافعة أو المهاجمة بحسب التعليمات والمصالح. وتنشأ على الأثير بين الوقت والآخر "حالة" إيمانية في مواجهة مناقشات تتعلق بالكلاب أو الفتيات أو الحرائق أو المصائب أو عمالة الأطفال أو الساحل الطيب، في مقابل الشرير أو الفنانات أو الجنة أو النار والقائمة لا تنتهي.
حالة الاحتقان الشديدة التي تنافس حرارة الصيف لا يمكن تفسيرها من ألفها إلى يائها في ضوء جهود تديين المجتمع، وترهيب المعارضين افتراضياً، لكن بعضها يعود لتكاتف عوامل إخفاء الشخصية والهوية، وإطلاق العنان لحرية التعبير حتى لو كانت قذفاً أو سباً أو هبداً أو غيرها. ويمكن تفسير ما يجري أيضاً في ضوء تضييق مساحات التعبير السياسي والاجتماعي العلني، وكذلك تواتر الحروب والصراعات وطول أمدها والتأثيرات المنعكسة على الجميع، ومن ثم الشعور بالقلق وعدم الاستقرار، وجميعها يجد في الأثير ملعباً رحباً للحرية غير المنضبطة، والصوت العالي من دون رادع، والنيل من الآخرين لتعويض النقص أو للانتقام أو مجرد تقضية وقت الفراغ.