ملخص
جاء إعلان المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافاييل غروسي العثور على أطنان من المواد النووية في سوريا بعد معاينة موقع نووي غير معلن يعود إلى حقبة حكم الأسد، بمثابة الفوز بـ "كنز نووي" لا يُقدّر بثمن، بعد عقدين سعت خلالهما الوكالة لمعرفة أي تطورات حول البرنامج النووي السري للنظام السوري.
"لا كعكة صفراء في سوريا بعد اليوم"، هذا ما تريد دمشق قوله للمجتمع الدولي منذ سقوط نظام الأسد، ولعل الكشف الأخير عن مواد نووية تدخل في صناعة القنبلة القذرة تعود إلى برنامج سري أشرف عليه النظام السابق، وتسليمها للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رفعت من أسهم الحكم الجديد بخاصة مع التعاون بفتح أبواب المواقع الاستراتيجية والسرية للتفتيش والتحري، ومع كل حسن النوايا التي أبدتها الحكومة السورية فهي لم تتخلَّ عن حق البلاد في امتلاك الطاقة النووية لأغراض سلمية.
مواد البرنامج السري
وجاء إعلان المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافاييل غروسي العثور على أطنان من المواد النووية في سوريا بعد معاينة موقع نووي غير معلن يعود إلى حقبة حكم الأسد، بمثابة الفوز بـ "كنز نووي" لا يُقدّر بثمن، بعد عقدين سعت خلالهما الوكالة لمعرفة أي تطورات حول البرنامج النووي السري للنظام السوري.
وجاء الكشف بعد زيارة أعضاء وفد من فريق الوكالة للموقع، وجمعه عينات لمواد موجودة داخله.
لم يكن هذا الكشف ليسفر عن نتائج هامة إلا بعد إبلاغ السلطات في دمشق عن تلك المواد المخزنة سابقاً، في وقت لا تزال أعمال الحفر والاستكشاف مستمرة في موقع بدير الزور، شرق سوريا.
وشدد الباحث الأكاديمي في العلاقات الدولية، محمد حاج عثمان، على "أهمية ما تعمل عليه دمشق في الآونة الأخيرة، وتطابق وجهات النظر بينها وبين الوكالة الدولية، لأنها في المقام الأول تضع نقطة نهاية لإرث الأسد وتفتح صفحة جديدة ونظيفة للاستفادة من المواد النووية لأغراض سلمية".
وكانت البعثة المشتركة بين منظمة حظر الأسلحة الكيماوية، والأمم المتحدة دمرت جميع معدات التصنيع والخلط التي أعلنت عنها سوريا بعد اتفاق بين الولايات المتحدة وروسيا في منتصف سبتمبر (أيلول) من عام 2013، وسرعان ما أعلنت دمشق عن احتفاظها ببرنامج "سيرين" للأسلحة الكيماوية.
ولفت حاج عثمان إلى "قدرة الحكومة السورية على المناورة، واتخاذ خطوات استباقية في وجه أية خطوة من قبل إسرائيل، سواء كانت فردية، وإما بتكثيف ضرباتها الجوية بذريعة وجود مواد نووية، وخوفها المتواصل على أمنها القومي من وصول هكذا مواد إلى جماعات متشددة، أو بالتشويش على سوريا عبر الأقنية السياسية والديبلوماسية".
وأضاف، "يمكن أن تنجح خطوة طي صفحة الماضي حول ملف الطاقة النووية في رسم سياسة جديدة مع الدول الأوروبية والولايات المتحدة، وهذا ما يمكنه أن يضغط على تل أبيب لإجراء اتفاق أمني مع البلدين المتحاربين لعقود طويلة، أو لوقف الهجمات المتكررة، ولعل آخرها ضربات على مطار أبو ظهور بريف إدلب، شمال سوريا".
ولا يفصل حاج عثمان التطورات الأخيرة المتعلقة بالمواقع النووية والعثور على كميات من المواد لصناعة "الكعكة الصفراء" عن قصف تل أبيب مطار أبو ظهور في الشمال السوري، في 18 أغسطس (آب) الجاري، بعد إعادة تأهيله بحضور بعثة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والكشف عن "كنز نووي". وهذا وإن كان يمنح إسرائيل ارتياحاً ضمنياً إلا أنها في الوقت ذاته تراقب هذا التقارب السوري مع الوكالة الدولية بقلق، لا سيما مع الموافقة على إبقاء هذه المواد بعهدة السيادة السورية.
مخزونات قيد الفحص
وشرّعت دمشق أبواب المواقع الاستراتيجية للوكالة الدولية للطاقة الذرية منذ سقوط نظام الأسد في أواخر عام 2024 للتعامل مع ما تبقى من أنشطة نووية من تلك الفترة (1970 - 2024).
وكان سلاح الجو الإسرائيلي قصف في عام 2007 موقعاً استراتيجياً في دير الزور يُطلق عليه اسم "الكبار" للاشتباه بكونه مفاعلاً نووياً. وأشارت تقارير استخباراتية إلى أنه تأسس بدعم من كوريا الشمالية، في حين أعلنت الوكالة الدولية العثور على أثر لمادة اليورانيوم العام الماضي في الموقع ذاته.
في موازاة ذلك كشف رئيس "هيئة الطاقة الذرية" في سوريا، مضر العكلة، عن تواصل العمل والتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بغية تطوير التعاون الفني والتقني، وتوسيع الاستخدامات السلمية للتكنولوجيا النووية، مع التزام الدولة السورية بالشفافية والمسؤولية في التعامل مع الملف النووي.
واعتبر العكلة في تصريحات صحافية أن "فتح موقع دير الزور أمام الوكالة بعد أكثر من 18 عاماً واطلاعها على موقع آخر غير معلن جاء بقرار سيادي يعكس جدية سوريا في معالجة الملفات العالقة، والعمل على إغلاق ملف عدم الامتثال الموروث". واعتبر أن هذه الخطوات تمهد لعودة بلاده إلى وضعها الطبيعي كدولة ممتثلة لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ولديها القدرة على تطوير برنامج نووي سلمي يخدم قطاعات الطاقة والصحة والغذاء وإدارة المياه.
وعملت "الهيئة الذرية" في سوريا خلال الأشهر الماضية على توفير جميع المتطلبات الفنية اللازمة لإنجاز التقييمات المتعلقة بالمواد والمخلفات النووية المرتبطة بالنظام السابق ضمن نظام الضمانات الدولية، والأطر القانونية لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
I’m currently in Syria, in the context of ongoing cooperation with the Syrian Government to clarify and resolve outstanding safeguards issues related to implementing its NPT Safeguards Agreement with the IAEA.
— Rafael Mariano Grossi (@rafaelmgrossi) August 18, 2026
We conducted the following activities:
• Deir Ez-Zor site:… pic.twitter.com/unvDU7J6uB
الأغراض السلمية
في المقابل، تحاول الحكومة في دمشق الإبقاء على المواد النووية المكتشفة داخل البلاد بهدف الاستفادة منها في أغراض سلمية، تحت السيادة الوطنية مع خضوعها التام لضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وإدارة هذا الملف وفق ضوابط دولية معمول بها بغرض تطوير الاستخدامات السلمية والمدنية للطاقة الذرية.
ويبدو "حسن النوايا" واضحاً لدى السلطات السورية في التعاون المطلق مع الوكالة الدولية، بخاصة إذ ما علمنا أنها هي من وجهت دعوة رسمية إلى الوكالة الذرية عبر رسالة أرسلتها في 17 يوليو (تموز) الماضي أبلغتها فيها عن وجود مواد نووية عائدة إلى حقبة حكم آل الأسد.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في المقابل، يصف وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني المواد المكتشفة بـ "غير الخطيرة"، وذلك خلال مؤتمر صحافي مشترك مع مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي، في إشارة إلى الرغبة ببقائها في سوريا التي هي بأمسّ الحاجة إليها لأغراض سلمية.
أما غروسي فأشاد بالتعاون مع دمشق الذي بدأ منذ 18 شهراً، واصفاً ما يحدث بـ "الفصل الجديد في التعاون النووي"، وقال "نحن نطوي صفحة الماضي".
في الأثناء، يُرجَّح أن يكون الموقع (99) وهي منشأة سرية في سوريا، برزت بعد ضربة تل أبيب لموقع "الكبار" في دير الزور، آخر حصون السلاح النووي في هذا البلد، وبعد عام ونصف العام من سقوط الأسد يبدو الأمل ضئيلاً بالعثور على معلومات كافية تقود إلى مواقع سرية خفية أخرى لا يعلمها إلا المقربون جداً من دوائر حكم الأسد، ولا سيما تلك المرتبطة مع إيران.
يُذكر أن الموقع "99" منشأة غير نشطة، اقتصر عملها على تخزين بقايا مواد مشعة تدخل بإنتاج "الكعكة الصفراء"، وترجح التقارير الاستخباراتية أن القصف الإسرائيلي والذي أُطلق عليه اسم "عملية البستان" في 6 سبتمبر (أيلول) 2007 قد حدّ من نشاطه وأعاق استمرار البرنامج السري وإنتاج سلاح متطور.
ونفذت العملية 8 طائرات إسرائيلية مقاتلة ونتج من القصف مصرع 10 عمال كوريين شماليين بحسب الرواية الإسرائيلية. وظلّت عيون تل أبيب تراقب الموقع "99" حتى وقت قريب وقصفت مداخل الموقع السري بعد وقت قصير من سقوط نظام الأسد لمنع الوصول إليه.