Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أسطوانات الهيليوم... الغاز "الخامل" يشعل الحرائق في مصر

متخصصون يرجحون غشها بغاز الهيدروجين سريع الاشتعال لرخص كلفته ومطالب بتشديد الإجراءات الرقابية وتساؤلات من أين أتت بالأساس؟

شهدت مصر 3 حرائق متتالية كان القاسم المشترك بينها أسطوانات الهيليوم (أ ف ب)

ملخص

الهيليوم من خواصه الأساسية أنه غاز خامل لا يشتعل ولا يساعد على الاشتعال، بالتالي فإن وقوع تلك الحوادث المصحوبة بحرائق وانفجارات يشير إلى لجوء بعض ضعاف النفوس إلى "استخدام حاويات معدنية غير مطابقة للمواصفات الفنية والقياسية، معبأة بخليط من الهيليوم مع غازات أخرى مثل "الهيدروجين" سريع الاشتعال، الذي يجري الحصول عليه إما من المصانع المنتجة له أو الورش والمعامل التي تنتجه يدوياً. نظراً إلى كونه قليل الكُلفة مقارنة بالهيليوم، بالتالي فإن رخص ثمنه يجعله مغرياً لبعض أصحاب متاجر بيع الألعاب والمولات التجارية.

لم تعد حوادث انفجارات أسطوانات الهيليوم القابعة بالمولات التجارية ومتاجر بيع الهدايا وألعاب الأطفال بمصر أخباراً عابرة، إذ تحوّلت تلك الأجسام المعدنية من كونها وسيلة مستخدمة في الأنشطة الترفيهية كـ"نفخ البالونات" لإضفاء البهجة في الحفلات والأعياد والمناسبات العامة إلى قنابل موقوتة مُخلفة وراءها أعداداً من الضحايا والمصابين في مصر.

وشهدت مصر في غضون الأشهر القليلة الماضية ثلاث حوادث مأسوية بأماكن جغرافية متباينة، أثارت حالاً من الفزع في أوساط الرأي العام وجدلاً بين مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي، ففي منطقة التجمع الخامس (شرقي القاهرة)، توفي ثلاثة أشخاص وأصيب آخرون، إثر انفجار أسطوانة غاز هيليوم داخل محل لبيع الهدايا بأحد المراكز التجارية، وسبقته واقعة أخرى بانفجار أسطوانة بمتجر ألعاب أطفال بميدان المطبعة بمنطقة دار السلام بمحافظة القاهرة أدى إلى وفاة شخصين. وفي مارس (آذار) الماضي تسببت تلك الأجسام المعدنية في اندلاع حريق هائل بمدينة دمياط الجديدة (شمال مصر) داخل أحد المراكز التجارية الكبرى، ونجم عنه مصرع ثلاثة أشخاص وإصابة 32 آخرين.

تكرار الحوادث السابقة طرح بدوره علامات استفهام حول مدى الالتزام بضوابط ومعايير السلامة والأمان في تداول وتخزين وتعبئة تلك الأسطوانات؟ وهل يصلح استخدامها في المولات التجارية ومتاجر بيع ألعاب الأطفال والهدايا؟ وكيف تحول "الهيليوم" من غاز خامل غير قابل للاشتعال إلى مصدر للحرائق والانفجارات في مصر؟ وهل الأسطوانات المتداولة في السوق المحلية مطابقة للمواصفات الفنية والقياسية؟ وما الاشتراطات والضوابط الملزمة لتأمين المنشآت التجارية المستخدمة لها وآليات مكافحة البيع العشوائي لها في الأماكن العامة ومراكز التسوق التجارية؟

كيف تحول الخامل إلى مشتعل؟

يعزو وكيل الحماية المدنية الأسبق بالقاهرة اللواء أيمن سيد الأهل تكرار حوادث انفجارات أسطوانات الهيليوم بمصر إلى الغش التجاري والتلاعب في بعض الأسطوانات الموجودة بالسوق المحلية. مفسراً رأيه بأن الهيليوم من خواصه الأساسية أنه غاز خامل لا يشتعل ولا يساعد على الاشتعال، بالتالي فإن وقوع تلك الحوادث المصحوبة بحرائق وانفجارات يشير إلى لجوء بعض ضعاف النفوس إلى "استخدام حاويات معدنية غير مطابقة للمواصفات الفنية والقياسية، معبأة بخليط من الهيليوم مع غازات أخرى مثل "الهيدروجين" سريع الاشتعال، الذي يجري الحصول عليه إما من المصانع المنتجة له أو الورش والمعامل التي تنتجه يدوياً. نظراً إلى كونه قليل الكُلفة مقارنة بالهيليوم، بالتالي فإن رخص ثمنه يجعله مغرياً لبعض أصحاب متاجر بيع الألعاب والمولات التجارية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفق وكيل الحماية المدنية الأسبق بالقاهرة، فإن تلك الأسطوانات تستخدم خصيصاً في المجالات الطبية والصناعية، لكن أشيع استخدامها خلال الآونة الأخيرة في متاجر ألعاب الأطفال والمولات التجارية لنفخ البالونات. موضحاً أن تلك الأسطوانات تتفاوت أسعارها في السوق المحلية وفق أحجامها، كما أن أجسامها مُصممة من مادة الصلب لتحمل ضغوط الغازات بداخلها، منوهاً إلى أنه يجب أن تخضع ضوابط استخدامها للمقاييس العالمية المتعارف عليها التي تلزم بضرورة تعبئتها من 150 إلى 200 ضغط جوي واختبارها حتى 300 ضغط جوي، لكن يحدث أحياناً عدم التزام بتلك الضوابط والاشتراطات مما ينجم عنه وقوع كثير من الحوادث والأزمات.

ويوضح الأهل أن التعامل مع أسطوانات الغاز المضغوط يتطلب الحذر بسبب الضغط المرتفع داخلها، مطالباً بضرورة تضافر كل الجهات لتعزيز الوعى المجتمعي بكيفية استخدام تلك الأسطوانات وأخطار التلاعب بها أو خلطها بغازات أخرى، علاوة على تشديد الرقابة على أماكن بيع وتداول تلك الأسطوانات والتفتيش المفاجئ عليها ومراجعة الاعتمادات والتصاريح الرسمية الخاصة بها، مؤكداً أن معامل الأدلة الجنائية ستكون لها كلمة الفصل في حسم أسباب تلك الحوادث المتكررة أخيراً.

لا يستبعد أيضاً الخبير المختص في الإطفاء والسلامة المهنية اللواء أسامة شعبان، فرضية لجوء بعض أصحاب المتاجر للغش والتلاعب بأسطوانات الهيليوم المنتشرة في السوق المحلية بخلطه بغازات أخرى، هرباً من ارتفاع كُلفة سعر الهيليوم كونه من أغلى الغازات من حيث السعر ومحدودية الشركات الموردة له مما يجعل الحصول عليه أمراً ليس يسيراً، غير أنه يطرح احتمالات أخرى قد تكون أيضاً سبباً في وقوع تلك الحوادث منها، "إساءة استخدام تلك الأسطوانات أو التخزين السيئ لها أو استخدامها في أغراض غير المخصصة من أجلها أو تعبئة الغازات بصورة غير آمنة وعبر غير متخصصين".

 

وفق شعبان فإن أقصى عمر افتراضي للأسطوانة يصل إلى 10 سنوات، لذلك يجب إجراء اختبار ضغط هيدروستاتيكي لها كل خمس سنوات، ثم يُعاد فحصها كل عامين للتأكد من عدم وجود صدأ أو تلف داخلي في جسم الأسطوانة قد لا يظهر على السطح الخارجي، وكذلك بيان مدى قدرتها على تحمل ضغط الغاز الموجود بداخلها، وبيان معامل تمدد الحديد.

لا ينكر الخبير المتخصص خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية" لجوء بعض مالكي تلك الأسطوانات لإزالة المنظم المسؤول عن ضبط الضغط بداخلها، إذ تتحمل ضغطاً يصل إلى "200 بار"، للاستفادة من ملء أكبر عدد من البالونات في فترات قياسية، ويتساءل: "هل الأسطوانات التي تسببت في تلك الحوادث المتكررة كان يوجد بها منظم داخلي أم لا؟"، منوهاً إلى أن أسطوانات الهيليوم والغازات المضغوطة، يجب ألا تعامل مثل أي بضاعة عادية.

ويعتقد الخبير المختص في الإطفاء والسلامة المهنية أن استخدام تلك الأسطوانات في المولات التجارية التي يرتادها أعداد كبيرة من الزائرين ومتاجر ألعاب الأطفال خطر داهم، مشدداً على ضرورة مراعاة معايير السلامة والأمان في استخدام تلك الأسطوانات، بأن تحفظ في أماكن معزولة عن أماكن الأنشطة الرئيسة وبعيدة من أي مصادر لهب أو حرارة مباشرة، وأن يجري ربطها بسلسلة في الحائط ووضعها داخل صناديق خشبية لتفادي صدمات الموجة الانفجارية حال وقوعها، وأن يكون استخدامها رأسياً لا أفقياً. مطالباً بأن تقوم هيئة المواصفات والجودة بدورها بمراجعة آليات الاستخدام الآمن وأساليب التعبئة والتأكد من المواصفات الفنية والقياسية لمطابقتها للمعايير الدولية، وأن يجري مراجعة الأماكن المرخص لها بالتعبئة والتداول.

ولم يكن البرلمان المصري بمنأى عن تلك الحوادث المتكررة، إذ تقدم البرلماني المصري أشرف مرزوق بطلب إحاطة لتنفيذ حملة تفتيش شاملة وعاجلة على المحال والمراكز التجارية والمنشآت التي تستخدم أسطوانات الهيليوم وحصر أعدادها، والتأكد من التزامها باشتراطات التخزين والنقل والاستخدام، مع سحب أي أسطوانة غير مطابقة أو منتهية الصلاحية واتخاذ الإجراءات القانونية تجاه المخالفين، كما أعلن البرلماني نشأت حتة اعتزامه التقدم بمقترح لمجلس الشيوخ في الدور البرلماني المقبل للمطالبة بوضع ضوابط صارمة لتعبئة وتداول غازي الهيليوم والهيدروجين، وحظر بيعها للعامة أو الباعة الجائلين إلا عبر منافذ معتمدة وأسطوانات مختومة من الهيئة المصرية العامة للمواصفات والجودة، وعمل حملات توعية شاملة للمواطنين وإدارات المنشآت التجارية بخطورة غاز الهيدروجين والمواد المغشوشة، مع تطبيق عقوبات رادعة على المتورطين في تعبئة أو بيع هذه الأسطوانات القاتلة.

هل تطبق المنشآت التجارية معايير السلامة؟

وفي تقدير الخبير المختص في الحماية المدنية اللواء عبدالعزيز توفيق فإن وقوع تلك الحوادث المتكررة قد يرجع إلى زيادة ضغط الغاز داخل الأسطوانة بدرجة أكبر من قدرة جسم المعدن على تحمّلها أو تعرضها أحياناً لدرجات حرارة شديدة أو ارتطامها بالأرض، موضحاً أن انفجار تلك الأسطوانات قد يكون أحياناً أشد في تأثيره من القنبلة، حيث يتفتت جسد هذا الجسم المعدني لينتج عنه شظايا أثناء الموجة الانفجارية تصيب كل من يوجد في المنطقة المحيطة وتسبب إصابات بالغة.

وفق توفيق، فإن تلك الأسطوانة تخضع لرقابة هيئة الرقابة الصناعية التابعة لوزارة الصناعة المصرية، التي تراقب عمليات تداول الحاويات والمواصفات الفنية والقياسية والاشتراطات والتراخيص المطابقة للمواصفات الفنية والقياسية.

فيما يرجّح مساعد وزير الداخلية الأسبق للحماية المدنية اللواء علاء عبدالظاهر أن حوادث الأسطوانات التي نتج عنها الانفجارات ثم تحولت إلى حرائق، قد تكون ناجمة عن ارتفاع درجة حرارة المكان المحيط بالأسطوانة، مما يؤدي إلى تمدد الغاز داخلها، ثم انفجارها إذا لم تستوعب الأسطوانة هذا التمدد، مردفاً "درجة حرارة الهيليوم المسيل في الأسطوانة يصل إلى سالب 269، وإذا ارتفعت درجة واحدة يحدث تمدد بمقدار 700 مرة، فيتحوّل إلى ما يشبه مارد يريد أن يخرج بأي صورة خارج الأسطوانة".

 

بحسب عبدالظاهر، الذي شغل أيضاً منصب مدير إدارة مفرقعات القاهرة الأسبق، فإن بعض المتاجر تشتري أحياناً أسطوانات غير معلومة المصدر، وقد تتسبب الطاقة المخزنة في صورة ضغط في انفجار وعاء الأسطوانة حال تعرضه لظروف غير آمنة، مثل وجود خلل في الصمام. موضحاً أن إعادة تعبئة الأسطوانات بطريقة غير سليمة، أو التعامل معها بواسطة أشخاص غير مدربين بالشكل الكافي، يمثلان أيضاً عاملين يزيدان من أخطار وقوع الحوادث، مطالباً بضرورة مراعاة الظروف المثالية للتعبئة والتخزين بعدم تجاوز ضغط التعبئة المسموح به، والتحكم في ارتفاع درجة الحرارة أثناء التعبئة، إذ إن عملية التعبئة السريعة يمكن أن ترفع درجة حرارة الغاز والأسطوانة، علاوة على الحرص على منع اختلاط الغازات، بحيث تكون منظومة التعبئة مصممة لمنع إدخال غاز آخر إلى أسطوانة الهيليوم.

ويشدد مدير إدارة مفرقعات القاهرة الأسبق على ضرورة أن تكون الأسطوانة سليمة، وبياناتها واضحة، مع وجود ما يثبت صلاحيتها للفحص الدوري وأن يجري شراؤها من جهات مرخصة موثوقة وليس من أماكن "بير السلم"، والتأكد من ضغوط التشغيل المسموح بها، فضلاً عن وجود منظومة لتتبع الأسطوانات ومعرفة مصدرها، منوهاً إلى أن تطبيق معايير السلامة لا ينبغي أن يقتصر على استيفاء اشتراطات الحصول على الترخيص، بل يجب أن يستمر بعد صدور الموافقات من خلال عمليات تفتيش ومتابعة دورية، مؤكداً أن الحفاظ على السلامة العامة خط أحمر يتطلب ردعاً فورياً وحسماً تنفيذاً وتطبيقاً للقانون.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات