Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أيام الساحل... موسم تقليب المواجع في مصر

التصنيف والفرز والاحتقان والانقسام الطبقي في الساحل مكون واحد والسهام تتجه إلى الأثرياء

أطاحت منظومة الساحل في مصر مفهوم المصيف المتمثل في مدن مصرية ساحلية معتادة (رويترز)

ملخص

التصنيف والفرز والاحتقان والانقسام الطبقي في "الساحل" مكون واحد، لكن زاعق، في منظومة الطبقية المعاصرة في مصر، فقد جرى العرف، وتركزت الأكاديميا، واعتادت الشعوب، وترسخت الأفكار، وبنيت الثقافات، ودارت السرديات حول نصرة الطبقات الفقيرة في مقابل الغنية، وفي قول آخر على حسابها، وفي ثالث عبر القضاء على الأغنياء، ومن ثم بقاء الفقراء.

أنهى المدون النشط كتابة 10 تدوينات، مرفقة برسوم كرتونية نقب عنها بعناية من على مواقع غربية تصف نفسها بأنها اشتراكية، وأخرى حقوقية تتخذ من شعار "لا أحد أقل شأناً حين نصبح كلنا متساوين"، وثالثة عبر الاستعانة بـ"ديب سيك" لتبسيط فلسفة كارل ماركس المدغدغة للقلوب والمؤثرة في العقول مع إضافة لمساته الخاصة، حيث مبدأ توزيع الثروة يعتمد على الحاجة، فكتب: "معاً من أجل توزيع الثروة، من كل بحسب قدرته إلى كل بحسب حاجته"، ومذيلاً ما سبق بوسوم "معاً لإسقاط شعب الساحل الشرير" و"المجد للبسطاء والفقراء"، و"توزيع الثروة مطلب أساسي وتعديل الدستور".

وبينما التعليقات المؤيدة والمثمنة تنهال على التدوينات، واللايكات تنهمر من كل حدب وصوب، كان الشاب يجهز متعلقاته ويرتب مقتنياته استعداداً للتوجه إلى "الساحل" حيث يمضي الـ"ويك إند" منفصلاً عن السوشيال ميديا وقرفها، والمحتوى المجنون بتناقضاته وارتباكاته، ليعود بعدها وقد جدد طاقته التدوينية، وأعاد شحن قدراته التعبوية حيث "لا للأغنياء"، و"المجد للفقراء" تحقق الأهداف، وترفع "الريتش"، وتفاقم الأرباح، وتدفع بشعار "الخبز والسلام والأرض" في اتجاه ملايين المتابعين، دون الاعتذار للينين، أو حتى إعطائه حق الأداء العلني.

تتفجر يومياً أعداد المؤدين علناً، والمشاركين طواعية، والمتابعين والمنبهرين والداعمين لصرعة الطبقية المضادة، أو التصاعدية، حيث الفوهة متحولة من التصويب جهة الأغنياء، واعتبارهم سبب الفقر والبلاء والغلاء، لتسقط في ملعب الفقراء هذه المرة. وبدلاً من سرديات الثراء الذي أفقر العباد، والأثرياء الذين نهبوا الموارد واحتفظوا لأنفسهم بالثروات، يشهد الأثير هجمة مرتدة مضادة، تعتبر البسطاء مشاركين في فقرهم، وسبباً من أسباب شيوع الفوضى والعشوائية وانهيار المظهر الحضاري وتحلل المحتوى الثقافي وتفتت البنيان الراقي.

نظرياً، وبحسب منهج التاريخ، ودراما الزمن الجميل، ونوستالجيا من تبقوا على قيد الحياة ممن ولدوا في الخمسينيات والستينيات، ألغت ثورة الـ23 من يوليو (تموز) 1952 الهيكل الطبقي "الجائر" الذي كان موجوداً، وأسست لبنية اجتماعية جديدة تقوم على الانحياز للطبقات الكادحة، والقضاء على الإقطاع وما ينطوي عليه من طبقية تقوم على حجم الثروات والمكانة الاجتماعية الناجمة عنها، وفي الوقت نفسه وضع دعائم جديدة لطبقة متوسطة هي رمانة الميزان الاجتماعية، وضمان توازن السلم المجتمعي.

فعلياً، يحفل المجتمع المصري، شأنه شأن كل المجتمعات الأخرى بطبقات، وبنية هرمية اجتماعية ومادية وثقافية، لا تتساوى فيها الرؤوس أو الثروات أو القدرات أو تلبية الاحتياجات. إنها الطبقية الآخذة في التحوّل والتغير، وتجديد الدماء، والقضاء على طبقة هنا تارة، ووضع دعائم طبقات مستجدة تارة أخرى، ونفض غبار أسس تكوين الطبقات بحسب عقود مضت، وإعادة هيكلتها بناءً على مقومات ومكونات جديدة طرأت.

منظومة الساحل

كما أن موسم الصيف معروف بظهور البطيخ والمانغو والباذنجان والفاصوليا، وارتباط ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة بشهوره الطويلة، فإنه أيضاً موسم تقليب المواجع الطبقية، وتأليب الأحقاد الاجتماعية، وإعادة إنتاج مشاعر غضب أو حرمان أو إحباط، اقتصادي أو اجتماعي أو ثقافي، أو كل ما سبق.

مواسم تقليب المواجع الاجتماعية، وتأليب الآلام الاقتصادية، والتعبير عن عدم الرضا الثقافي تتخذ من الصيف والمصيف فرصة للمجاهرة بما يدور في داخل القلوب والعقول بقية مواسم العام. وقد جرى العرف منذ خرجت إلى النور منظومة "الساحل"، باعتباره مصيف الطبقات الأرقى أو الأغنى أو الأكثر قدرة على دفع مبالغ كبيرة في مقابل قضاء أشهر أو أسابيع أو أيام على ساحل البحر المتوسط، أن يتخذ الصراع الطبقي منه وسيلة للتعبير عما تموج به الصدور من مشاعر.

منظومة "الساحل" التي ظهرت في منتصف ثمانينيات القرن الماضي أطاحت تدريجاً مفهوم المصيف المتمثل في مدن مصرية ساحلية، لا سيما التي تطل على البحر المتوسط بطول 1050 كيلومتراً من رفح المصرية شرقاً إلى السلوم غرباً. رأس البر، وبلطيم، وجمصة، والعريش، وفايد، وبورسعيد، وعلى رأسها الإسكندرية قبلة المصيفين على مر التاريخ، وأيقونة فكرة المصيف على مدى عقود طويلة وجدت نفسها، بمن بقوا من مصيفيها، في خانة متدنية، ومكانة متقهقرة مقارنة بمن يملكون وحدة مصيفية في "الساحل".

 

وبعيداً من أن "الساحل" نفسه وقع في قبضة التصنيف الطبقي العنيف، والتفرقة الاجتماعية القاسية بين من يملكون كثيراً، ومن يملكون "نصف نصف" في أعوام لاحقة، فإن منظومة الساحل بدأت بقرى سياحية أنشأتها الحكومة المصرية، لكن بأغراض استثمارية في منتصف الثمانينيات مثل مراقيا وماربيلا، ثم مارينا بأجزائها المسلسلة، وهي نفسها التي تجد نفسها حالياً في أزمة وجودية ومأساة هوية، حيث المتبقون فيها مصنفون اجتماعياً بطبقة "عزيز قوم ذل"، فلا هم من مرتادي مصايف شعبية مثل رأس البر وجمصة، أو هم ممن تضخمت ثرواتهم، وتورمت أملاكهم بصورة تسمح لهم باقتناء وحدة في "الساحل الشرير" حيث الحد الأدنى يبدأ من 20 أو 30 مليون جنيه مصري دون حد أقصى، فباتوا أهل "الساحل الطيب"، في دلالة على الضعف والهوان وقلة الحيلة، يقتسمونه وطبقات تمكنت في الأعوام الأخيرة من اعتلاء السلم الطبقي قليلاً وشراء وحدة في "الساحل الطيب"، وملايين غيرهم تحجز ليلة أو ليلتين، أو تستثمر في رحلة تنظمها نقابة أو شركة أو مصنع، وهو ما يؤدي في كل صيف إلى غضب مكتوم وحسرة رهيبة في نفوس قدامى الملاك. إنهم الملاك الذين يرقصون حالياً على سلالم الطبقية، فلا هم طالوا بلح الشام، أو أكلوا عنب اليمن.

الترجمة الأفضل للطبقية الحديثة تكمن في الساحل، طيبه وشريره، وتخرج إلى نور المجاهرة وحلبة المصارعة في كل صيف. حلقة الساحل المفرغة أصبحت واضحة وضوح الشمس. مراقيا ومارينا وماربيلا تجذب الأثرياء فقط في الثمانينيات، ثم تظهر الدبلوماسيين وسيدي كرير ومينا وغيرها، لتجذب بساط الطبقات المميزة صوبها، ثم يخفت نجمها ممهدة الطريق أمام أمواج ولا فيستا وتلال، ثم يمضي قطار الطبقية السريع نحو هاسيندا وألماظة ومراسي، وهلم جرا.

التصنيف والفرز والاحتقان والانقسام الطبقي في "الساحل" مكون واحد، لكن زاعق، في منظومة الطبقية المعاصرة في مصر، فقد جرى العرف، وتركزت الأكاديميا، واعتادت الشعوب، وترسخت الأفكار، وبنيت الثقافات، ودارت السرديات حول نصرة الطبقات الفقيرة في مقابل الغنية، وفي قول آخر على حسابها، وفي ثالث عبر القضاء على الأغنياء، ومن ثم بقاء الفقراء.

بقاء الفقراء وزوال الأغنياء

بقاء الفقراء وزوال الأغنياء، أو بالأحرى زوال مال الأغنياء وتقسيمه بينهم وبين الفقراء، وخلق طبقة واحدة لا ثاني لها يمضي فيها الجميع صيفاً واحداً في مصيف واحد على سبيل المجاز، يظل الحديث الأكثر رواجاً، والرأي الأكثر شيوعاً، والأمنية الأعلى شعبية، التي لا يجرؤ أحد على مناهضتها، أو الجدال فيها، أو الدفع صوب عكسها، وإلا اتهم بالفسق والظلم والجور والقسوة وتحجر القلب.

وفي كل صيف، تعلو الأصوات المنددة بالساحل الشرير، ورواده، وحفلاتهم، وملابسهم، وسياراتهم، وترفيههم، وموسيقاهم، وطريقة كلامهم، ومشروباتهم، ومأكولاتهم، وساعات استيقاظهم، ومواعيد نومهم، وبالطبع ملابس بحرهم، وتحديداً النساء، لا سيما أن نسبة الحجاب والنقاب بينهن تقل كثيراً عن الشائع لدى بقية طبقات وفئات المجتمع.

وعلى رغم أن الثراء نسبي وعلى رغم أن كثيرين في مصر يعدون كل من يمتلك سيارة مهما بلغت من قدم، أو شقة بغض النظر عن قيمتها وموقعها، أو يلحق أبناءه بمدرسة خاصة حتى لو كان يسدد المصروفات بقرض أو دين أو بيع "ذهب المدام" ثرياً، فإن جدلية الثراء والفقر لا تهدأ.

في كل عام، توجه السهام صوب الأثرياء، وفي كل عام، تتسع قاعدة موجهي السهام، وموزعي الاتهامات لتصب في ملعب الأثرياء. واللافت أن من بين المنضمين الجدد لرشق الأغنياء بكل أنواع الاتهامات في الأعوام الأخيرة البعض من الإعلاميين والمفكرين والساسة السابقين والاقتصاديين والمؤثرين من أثرياء السوشيال ميديا وغيرهم، وأغلبهم من رواد "الساحل الشرير"، أو في الأقل من المنتمين للطبقة الاجتماعية والاقتصادية الجاري رشقها.

 

هذا العام، لوحظت أمارات تراشق في الاتجاه المعاكس، إنها ملامح الطبقية المضادة أو التصاعدية. جرى العرف أن تعلو الأصوات منددة بالأغنياء، وفي الأعوام الأخيرة، طاولت هذه الأصوات أغلب الساكنين أعلى خط الفقر، بقليل أو بكثير. ويسود مفهوم يقوم على شيطنة الأغنياء، أو من يبدو أنهم أغنياء، وكلما بدت عليهم ملامح ثراء أو سعة حال، لا سيما لو اقترنت سعة الحال وبحبوحة العيش بأمارات رقي، أو علامات انتماء لثقافة مختلفة عن الأحياء الشعبية، أو قرائن تشير إلى استخدام لغة تختلف عن تلك السائدة في الشارع، أو أدلة ترجح أنه يفكر بطريقة تختلف عن السائد، كلما زاد الحنق، وتصاعد الوصم، وتفاقم الوصف بالفساد الاقتصادي، والخراب الأخلاقي، والانفصال الكامل عن الواقع، والتسبب في الفقر والمعاناة والحرمان.

وعلى رغم تأكيد الأرقام والبيانات، وإعادة التأكيد من قبل بحوث الفقر وأدلة الحرمان ومؤشرات عدم المساواة أن السبب الحقيقي والمحرك الأول للفقر ليس الأغنياء، وأن الفكرة السائدة بأن كل مقتدر هو "حرامي" بالضرورة، أو غير مستحق، أو فاسد، أو متسلق، أو منفلت أخلاقياً، فإن شيطنة الأغنياء تظل الفكرة الأكثر رواجاً، والملجأ الأكثر أمناً، والحجة الأكثر قبولاً.

جديد هذه الأيام هو قلب الاتهام بالطبقية رأساً على عقب، ليبدأ البعض من الأغنياء، ونصف الأغنياء المجاهرة بمشاعر الغضب واللوم ضد سكان الطبقات الأدنى، تارة بسبب إصرار هذه الطبقات على اعتبارهم المسؤولين عن فقرهم أو حرمانهم مما يتمتع به غيرهم، وأخرى دفاعاً عن مكتسباتهم من مغبة فتح أبوابها أمام الجميع، وإخضاعها بقوة الأغلبية للقيم والقواعد والسلوكيات الأكثر رواجاً وانتشاراً، التي يتناقض كثير منها وما يفضله الأغنياء في مناطقهم.

بعد أعوام من اللف والدوران في دوائر "الملاك فقط" و"قواعد الملابس" و"قيود التصرفات" و"حدود الحريات"، والإبقاء على موجات الغضب جراء اتهام الأغنياء بالقسوة والانفصال عن المجتمع والتمتع وحدهم بالموارد والإمكانات والنعم والمميزات، يخرج الأغنياء تدريجاً من صمتهم ويجاهرون بغضبهم في خطوة جريئة في مجتمع يتربص بكل كبيرة وصغيرة.

حوار بين طبقتين

الحديث الذي دار بين "مراد بك" من أعضاء نادٍ رياضي اجتماعي شهير ومحمود النادل الذي عاد لتوه من عمل إضافي أسند إليه ليشارك في تقديم المأكولات والمشروبات في حفل زفاف أقيم في قرية سياحية مصنفة "شريرة جداً"، أي مغلقة تماماً على ملاك وحداتها، ومعروفة بأسعار وحداتها الخيالية، وخدماتها الجنونية، لخص معالم "الطبقية المضادة" الجديدة.

"مراد بك" وهو أيضاً من رواد الساحل الشرير سأل محمود من باب تبادل الحديث مع نادله المفضل إن كان قد "اتبسط" (أمضى وقتاً لطيفاً) في القرية الفارهة. هنا، فتح "محمود" أبواب الضغينة الطبقية، والإحباط الاجتماعي، والغضب الثقافي، والحنق النفسي على القرية وملاكها وروادها، "من آكلي أموال اليتامى" و"ناهبي ثروات البلد" و"المفترين الفاسقين" و"المنفصلين عن العالم" و"المنعزلين عن الواقع" و"المنفردين بـ’إيجيبت‘ تاركين مصر للمصريين من دون وجه حق".

قابل "مراد بك" (كما يلقبه محمود) طوفان الغضب بتعقل وتريث. فهم أن "محمود" رأى مظاهر حياة كان يعتقد أنها حكر على المسلسلات، وشابات وسيدات لا يشبهن أخته وخطيبته ووالدته وحماته، ورجالاً وشباباً يعيشون حياة أقرب ما تكون إلى أفلام هوليوود، وأسلوب حياة غريباً لم يره في حياته، والأهم من كل ذلك أنه مغلق على أصحابه، لا يطلع عليه إلا القليلون.

سأله: "لو ربنا قدرك، وتمكنت من شراء الماكينة (دراجة نارية) التي تحلم بها يا محمود، هل من حق جارك وابن عمك وخالك وشقيق خطيبتك أن يستخدموها، وإن رفضت، تكون قاسياً غليظ القلب أنانياً سالب حقوقهم ومعتدياً على مواردهم؟ وهل شراؤك هذه الدراجة يعني بالضرورة أنك سرقت ثمنها، أو نصبت على أحدهم، أو جمعت ثمنها من جيوب الغلابة؟".

الحديث الفلسفي لم يسفر عن تغيير ما في نفس "محمود"، لكنه أسفر عن تغيير ما يدور في ذهن "مراد بك"، إذ شعر بغضب بالغ حين رأى وشعر بنفسه بما يحمله محمود من مشاعر غضب وحنق وإحباط، معتبراً الأغنياء سبباً مباشراً لها.

يخطئ من يعتقد أن المجتمع المصري ليس طبقياً، الحقيقة أنه طبقي بامتياز، لكن بمسميات مختلفة، وبأشكال تتلون تارة بألوان الدين والثقافة والعادات والتقاليد، وتارة أخرى بمجريات ومتغيرات السياسة والاقتصاد وبزوغ طبقات حاكمة، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، واندثار أخرى.

يشير الباحث أحمد عبدالنبي في أطروحة الماجستير التي قدمها لقسم القانون في الجامعة الأميركية في القاهرة، وعنوانها "القانون وإعادة التسلسلات الهرمية الطبقية في مصر" (2026) إلى أن المجتمع والثقافة المصريين يتشكلان بطريقة واضحة بفعل التسلسلات الهرمية الطبقية التي تتغلغل في التفاعل الاجتماعي والممارسة المؤسسية على حد سواء. ويقول الباحث إن التمييز الطبقي، أو ما يُعرف بـ"الطبقية"، ليس مجرد تحيز اجتماعي هامشي، بل هو تحيز متأصل في جوهر النسيج الاجتماعي، ويحدد الوصول إلى الموارد والفرص، وأن هذا النظام يجري استيعابه، وإعادة إنتاجه بطرق شتى من كل فئات المجتمع.

 

ويقول إنه بطبيعة الحال، يجري التسامح مع بعض الفوارق الاجتماعية، بل ويجري تشجيعها أحياناً، لا سيما عندما ينظر إليها على أنها تخدم منفعة اجتماعية أوسع، فعلى سبيل المثال، غالباً ما يجري تبرير التفاوت الاقتصادي على أنه يحفز الإنتاجية، ويجعل تكوين الثروة، وصعود السلم الاجتماعي / الاقتصادي أمراً متاحاً.  

ويقبل على نطاق واسع فكرة أن يمتلك أحدهم ثروة تفوق قدرته على إنفاقها حتى لو أعطي بضعة أعمار فوق عمره، شرط أن تسهم هذه الثروة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في الرفاه الاجتماعي.

وبعيداً من أن الباحث يرى أن التسلسلات الهرمية الطبقية في مصر، التي يجري إعادة إنتاجها بين حين وآخر، وتثبيتها، والعمل على بقائها، ليست مجرد تكوينات اجتماعية أو اقتصادية، بل بنى قانونية يعاد إنتاجها باستمرار من خلال القانون، فإنه يرصد خريطة الجغرافيا الاجتماعية للتمييز الطبقي في مصر، التي تتضح في مظاهر الفصل المكاني، وتقييد الوصول إلى الأماكن العامة، والهرمية الرمزية في اعتناق ثقافة وأساليب حياة غربية التي باتت تحدد مفاهيم الرقي والحداثة.

خلاصة القول، بحسب عبدالنبي، هو أن النظام القانوني الذي يميل أحياناً نحو عدم المساواة، يندمج مع النظام الاجتماعي والأخلاقي الراسخ في المجتمع، والذي يقوم في جزء معتبر منه على التمييز الطبقي. وهذا الاندماج يجعله آلية أساسية ترسخ التسلسلات الهرمية الاجتماعية، ويعاد إنتاجها، ويجري التعايش معها، ويتم دعمها بصورة أو بأخرى.

أمارات إقبال الأغنياء، ونصف الأغنياء، وربما ربعهم، على المجاهرة بما يتعرضون له من تنمر واتهام وبغضاء وتحميلهم فقر أو حرمان أو إحباط الآخرين واضحة وضوح الفيديوهات والتدوينات والتفاعلات على "السوشيال ميديا"، بل وعبر رسائل واستغاثات يوجهها بعضهم إلى كبار المسؤولين لحماية ممتلكاتهم أو صون عقاراتهم من "التخريب الطبقي".

حتى وقت قريب مضى، لم يكن الأغنياء يتعرضون للتنمر أو العنف اللفظي من سكان الطبقات الأولى في الهرم الطبقي، لكن السوشيال ميديا، مع اتساع الفجوات بين الطبقات، وما حدث من ارتطام طبقي لقطاع غير قليل من سكان منتصف الهرم جراء الأوضاع الاقتصادية الصعبة في العقد ونصف العقد الأخيرين، أمور أدت إلى تصاعد التنمر والتهكم والسخرية، وكذلك مطالبات، بعضها يتبناها أثرياء في الإعلام أو السياسة (لكن دواعي العمل تستدعي ذلك) بهدم أسوار التجمعات السكنية المغلقة، أو فتح أبواب القرى السياحية الموصدة، أو فك أكواد الـ"كيو آر كود" شرط دخول أماكن بعينها، ولو رمزياً!

ويبدو أن سيل الهجوم على الأغنياء بلغ الزبى، فيخرج بعضهم تارة شارحاً أن غنى أحدهم لأنه حظي بتعليم جيد، وفرصة عمل لائقة تدر دخلاً معقولاً، أو لأنه ورث مالاً أو أملاكاً عن أبيه، أو لأنه استثمر أو شغل أمواله فدرت دخلاً كبيراً، لا تعني أن هذه الثورة وهذا المال مأخوذ من جيوب الفقراء، أو يتبعون تارة أخرى مبدأ العين بالعين، إذ فيديوهات وصور تتهكم من تصرفات البعض التي يصفونها بـ"غير اللائقة" في الأماكن المغلقة التي تتصاعد المطالب بفتحها أمام الجميع.

فجوات الثروة في مصر كبيرة، والضغوط الاقتصادية خانقة، في الوقت نفسه سقف المطالب آخذ في الارتفاع، والسوشيال ميديا مكّنت الملايين من الاطلاع على تفاصيل حياة ساكني الهرم الطبقي، والخطاب الدرامي والإعلامي والديني والخيري يتكاتف ويتوحد ليدق على وتر الأغنياء، باعتبارهم سبب فقر الفقراء، وكأنّ هذا التكاتف وسيلة من وسائل تسكين جراح الأقل حظاً والأكثر احتياجاً، وبديلاً عن مسكنات ومطهرات وسبل معالجة الفقر ومواجهة أسبابه.

ثورة الأغنياء الطبقية المضادة تبدو رد فعل لأعوام من المطالبات غير المباشرة بتفريغ جيوبهم في جيوب الفقراء، ودعم الأسر الأقل حظاً التي اختارت كثرة الإنجاب مع ضيق ذات اليد، أو التكفل ببناء البيوت، ودفع مصروفات المدارس، وعلاج المرضى للأقل حظاً، لا من باب التكاتف المجتمعي أو التكافل، لكن بتضييق الخناق عليهم، واعتبار الفقراء مسؤولية في رقابهم وحدهم.

العلاج بالإفقار

عام 2017 قالت منظمة "أوكسفام" إن ثمانية أشخاص في العالم يملكون ثروات توازى ما يملكه 3.6 مليار شخص يشكلون نصف أفقر سكان العالم. وعام 2023 قالت المنظمة نفسها إنه يجب خفض عدد المليارديرات في العالم بنحو النصف مع حلول عام 2030. علاج الفقر بالإفقار أثار غضب أثرياء العالم الذين اعتبروا هذا المنهج مثيراً للحقد الطبقي، ومحمّلاً الأغنياء مسؤوليات سياسية واقتصادية تحملها دول ومنظمات أممية، لكنه أيضاً دغدغ مشاعر الفقراء وفاقم غضبهم وضاعف حنقهم على الأثرياء.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في دراسة عنوانها "حول عدم المساواة في الدخل والفقر في مصر: هل الرخاء غير أخلاقي؟" للباحث محمد كريم لطفي عبدالخالق، لفت إلى أهمية عدم الاكتفاء بتسليط الضوء على عدم المساواة في الدخل من قبل الدولة والحكومات، بل ينبغي التركيز على الفقر المدقع، والفقر المتعدد الأبعاد، ومعالجة الأسباب، وهو التركيز الذي بدأ بالفعل، لكن طريقه طويل وشاق. وأشار إلى أنه بدلاً من التركيز على دخول الأثرياء، وإمكان وكيفية توزيعها، أو قدر منها على الفقراء، وهو حديث عاطفي لا جدوى منه سوى دغدغة أو تخدير مشاعر الفقراء، ناهيك بتأثيره في زرع بذور الاحتقان بين الطبقات، يجب اتخاذ تدابير إضافية لمواجهة الفقر المدقع، وأسبابه لمنع توسعه، وتمكين الفقراء، عبر التعليم والتأهيل والتدريب وتوفير فرص العمل، ليساعدوا أنفسهم، وذلك بدلاً من توزيع الاتهامات، وإفقار الأغنياء لصالح الفقراء.

في نظر الشارع المصري، حين يلقى مواطن حتفه في حادثة "توك توك" أثناء ذهابه إلى عمله باليومية، يلقب بـ"شهيد لقمة العيش"، أما إذا مات في حادثة أثناء قيادته سيارته وهو في طريق للعمل، فهو قتيل.

"مراد بك" سأل النادل "محمود" لاحقاً: "محمود لو اكتشفت أنك أصبحت بالغ الثراء فجأة، هل تشتري شقة في ’قطامية هايتس‘ أو ’سوان لايك‘ (من أغلى وأرقى المجتمعات السكنية المغلقة)، أم في إمبابة؟ فهم محمود الغرض من السؤال، فامتنع عن الإجابة، لكن زاد إحباطه وغضبه الناجم عن ضيق ذات يده ورغبته في صعود السلم الاجتماعي والاقتصادي. أما "مراد بك" فتفاقم غيظه وكمده من أن يجد نفسه مسؤولاً عن مشكلات محمود لمجرد أنه لا يعاني الفقر.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات