ملخص
وقائع تضمنت اتهامات ثبت عدم صحتها وصور جرى التلاعب بها بالذكاء الاصطناعي، وخبراء يحذرون من امتداد الوصم إلى الحياة النفسية والاجتماعية للمتضررين. كيف تتحول صورة أو مقطع متداول على مواقع التواصل إلى اتهام يسبق التحقيق، وكيف يصعب محو أثره حتى بعد ثبوت البراءة في مصر؟
قبل أن تبدأ جهة التحقيق في مصر فحص الواقعة، تكون الصورة المتداولة على مواقع التواصل قد وضعت صاحبها بالفعل في موضع الاتهام. لقطة واحدة أو مقطع قصير ينتشر على نطاق واسع، فيرى الجمهور ما تعرضه الصورة فقط، ثم يبني عليه رواية كاملة وحكماً على الشخص، رغم غياب ما سبق المشهد أو ما تلاه من تفاصيل.
خلال ساعات، يصبح ما ظهر في الصورة هو الرواية المتداولة للواقعة، قبل أن تُتاح رواية أخرى تستند إلى تحقيق أو معلومات موثقة. مشاهد متكررة تغزو منصات التواصل في مصر، إذ يظهر بطل صورة أو فيديو مرتبطاً بجريمة أو سلوك مشين، فتنتشر صورته واسمه، وتتوالى التعليقات المطالبة بمحاسبته، ثم تأتي نتائج الفحص أو التحقيق بعد ذلك بساعات أو أيام لتكشف أحياناً أن الواقعة لم تحدث على النحو الذي قدمته المنشورات، أو أن جزءاً من سياقها كان غائباً.
من بين الوقائع المتعددة ما جرى قبل أيام، حين انتشر مقطعان مصوران لسيدة تتهم سائقاً يعمل لدى أحد تطبيقات النقل الذكي بالتحرش بها. خلال ساعات، أصبح اسمه ووجهه ومهنته معروضة أمام الجمهور، وسط موجة من الغضب والمطالبات بمعاقبته. لكن فحص الواقعة في قسم شرطة منشأة ناصر كشف صورة مختلفة تماماً، إذ تبين أن خلافاً على الأجرة تطور إلى مشادة كلامية، وأقرت السيدة نفسها بعدم وقوع واقعة تحرش، وقالت إنها اختلقت الاتهام.
وبينما لم يكن السائق طرفاً في جريمة التحرش التي اتهم بها، كان قد أصبح، في نظر آلاف المستخدمين الذين شاهدوا الفيديو الأول، "متهماً بالتحرش". أما رواية تبرئته، فجاءت لاحقاً، وربما لم تصل بالضرورة إلى الجمهور نفسه الذي شاهد الاتهام، ولم يحظ الانتشار بنفس الاهتمام.
الخصوصية في خطر
يقول نائب رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر محمد أنور السادات لـ"اندبندنت عربية"، إن بعض الظواهر التي انتشرت أخيراً عبر منصات التواصل الاجتماعي، وما يصاحبها من تداول صور وحكايات وادعاءات، "باتت تمثل خطراً على خصوصية الأفراد وكرامتهم"، بعدما أصبح أشخاص كثيرون عرضة للقيل والقال والاتهامات، من دون التحقق من حقيقة ما ينشر بحقهم.
خطورة الأمر لا تتوقف، بحسب السادات، عند احتمال عدم صحة الادعاءات، إذ "حتى إذا ثبت عدم صحة الاتهامات، يكون الأمر قد أصبح متأخراً جداً"، بعدما يكون كثيرون قد كونوا بالفعل انطباعاً مغلوطاً عن الشخص المعني، ويبدأ التعامل معه باعتباره متهماً أو جانياً، بدلاً من كونه ضحية لما تعرض له.
وأشار نائب رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان إلى أن ما يحدث يمثل انتهاكاً للخصوصية وحرمة الحياة الخاصة، والقوانين المصرية تتضمن نصوصاً يمكن من خلالها ملاحقة من يتسببون في هذا النوع من الأذى للأفراد وأسرهم وعائلاتهم. لكنه لفت في الوقت نفسه إلى أن اللجوء إلى القضاء ليس أمراً سهلاً ويستغرق وقتاً، وحتى إذا انتهى الأمر إلى إدانة من نشر الإشاعة، فإن ذلك لا يعني بالضرورة وصول الحقيقة إلى الأشخاص الذين شاهدوا الادعاء أو الصورة المتداولة.
واعتبر السادات أن المشكلة الأساسية تكمن في أن "ما نُشر على مواقع التواصل هو ما يجري تسجيله وما يتذكره الناس"، لذلك قد تظل الصورة أو الرواية الأولى عالقة في أذهانهم، بينما لا تحظى أدلة البراءة أو تصحيح المعلومات بالانتشار نفسه. محذراً من أن ذلك يمثل "ظاهرة اجتماعية خطرة تتصل بالتنمر والتشهير والتجاوز في حريات الأفراد وخصوصياتهم تحتاج إلى معالجة لا تقتصر على القوانين وحدها". مؤكداً أنه يعلم حالات كثيرة، بيوت تفككت، ووقائع طلاق، نتيجة تعرض بعض الأسر والعائلات لمواقف سجلت عليهم من دون حق".
الذاكرة الرقمية لا تنسى
ومن الحالات التي تكشف خطورة التلاعب بالصور في العصر الرقمي، واقعة شهدتها محافظة كفر الشيخ، (شمال مصر) حين استخدم شخص تقنيات الذكاء الاصطناعي في تعديل صورة زميل له في العمل، لتظهر بالشكل نفسه الذي تنشر به وزارة الداخلية صور المتهمين المضبوطين.
وبحسب اعترافه، نشر الصورة "على سبيل المزاح"، قبل أن يتداولها آخرون سعياً وراء المشاهدات، من دون التحقق من حقيقتها. ولم يكن الرجل الظاهر في الصورة متهماً في أي قضية، كما لم يسبق ضبطه في أي واقعة، لكنه وجد صورته متداولة أمام معارفه وجيرانه على هيئة متهم، فقط لأن الصورة عدلت لتشبه الصور التي تظهر في البيانات الأمنية الرسمية.
وتعقيباً، يقول المحامي بالنقض والدستورية العليا عمرو عبدالسلام إن تصوير أي شخص في واقعة ونشر الصور أو المقاطع على مواقع التواصل الاجتماعي "يعد انتهاكاً لحرمة الحياة الخاصة، ويعاقب عليه القانون". لكنه يشير إلى أن توثيق الجرائم بالأدلة الرقمية أصبح أمراً جائزاً قانوناً مع التطور التكنولوجي، شريطة أن يكون التوثيق "في إطار محدد، وأن يوثق الفيديو جريمة بالفعل، وألا يكون مجتزأ من سياقها، مع عدم نشره على مواقع التواصل الاجتماعي، إنما تقديمه إلى جهات التحقيق والنيابة العامة".
وفي سبتمبر (أيلول) من العام الماضي، دعت النيابة العامة في مصر إلى ضرورة إرسال ما يلتقطه الأشخاص من مقاطع مصورة وتسجيلات تتضمن وقائع جنائية إلى الأرقام الرسمية وخدمات الاتصال التي خصصتها لتلقيها، بدلاً من نشرها وتداولها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. مؤكدة أن تداول تلك المقاطع خارج القنوات الرسمية يعرض القائم به للمساءلة القانونية.
يضيف عبدالسلام لـ"اندبندنت عربية": من حق الشخص الذي يرى نفسه متضرراً من نشر صور له، خصوصاً إذا جرى تداولها خارج سياقها، أن يقاضي من تعدى عليه بنشرها. مشيراً إلى أن الكارثة في هذه الحالات أن الصورة قد تظل تلاحقه، ولا يستطيع محوها من الذاكرة الرقمية، إذ يمكن إعادة تداولها عبر السنوات وتظل موثقة ومتاحة. مشدداً على ضرورة تغليظ العقوبات لمواجهة هذه الأفعال.
أثر الوصم لا يزول
نفسياً، تقول أستاذة الطب النفسي بجامعة الأزهر صفاء حمودة إن الشخص الذي يتعرض لمثل هذه الوقائع قد يشعر بالظلم والاضطهاد، وقد تظهر عليه أعراض اكتئابية، يصاحبها تدهور في أدائه الوظيفي، وعزلة اجتماعية، وتجنب للأماكن التي قد يراه فيها الآخرون.
وأوضحت حمودة أن الشخص قد يشعر بأنه موصوم طوال الوقت، خصوصاً إذا كان ذا مكانة اجتماعية أو لديه أسرة وأشخاص من حوله يوجهون إليه اللوم. وأشارت إلى أن المشكلة تتفاقم عندما ينظر إليه المجتمع باعتباره مجرماً، في ظل انتشار الإشاعات واستعداد البعض لتصديق ما يتداول على منصات التواصل الاجتماعي باعتباره حقيقة، حتى بعد ثبوت براءته.
وبالتبعية، قد ينتقل الوصم من الفضاء الرقمي إلى الحياة الاجتماعية. ويقول أستاذ علم الاجتماع السياسي سعيد صادق إن نشر صورة شخص مقرونة باتهام بارتكاب فعل لم يقترفه "يمثل تشويهاً لسمعته"، وقد يعرضه لردود فعل عنيفة في محيطه الاجتماعي، خصوصاً النساء في حالات الإساءة إلى السمعة، إذ قد يظل أثر الوصم ملازماً لهن في المنطقة التي يعشن فيها. مضيفاً أن العار والتشويه بل والتعرض للاعتداء، من الآثار التي قد تلاحق الأشخاص الذين تعرضوا للوصم، ويصعب عليهم إثبات عكس ما نُسب إليهم حتى بعد التأكد من براءتهم.
في حين يقول مساعد وزير الداخلية الأسبق لقطاع حقوق الإنسان، اللواء أبو بكر عبدالكريم لـ"اندبندنت عربية"، إن وزارة الداخلية تتعامل مع المعلومات والبلاغات الواردة إليها، سواء من أقسام الشرطة أو من خلال البلاغات الرسمية، إلى جانب الوقائع والأحداث التي يجري تداولها ونشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وحول تأثير الروايات والمعلومات المضللة المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي في عمل الأجهزة الأمنية، قال عبدالكريم إن البعض ينشر قصصاً ووقائع لا تمت إلى الحقيقة بصلة. موضحاً أن الجهات المختصة تتعامل مع هذه البلاغات وتفحصها وتتحرى بشأنها للتأكد من صحتها. مضيفاً أن الإجراءات القانونية لا تقتصر على مرتكبي الوقائع الصحيحة، إنما قد تمتد أيضاً إلى مقدمي البلاغات الكاذبة أو غير الصحيحة، خصوصاً إذا ثبت أن الهدف منها هو الإضرار بأشخاص آخرين أو النيل من سمعتهم. وتابع، "البلاغات والمعلومات غير الصحيحة تمثل إهداراً لوقت وجهود الأجهزة الأمنية، ولذلك يجري التعامل معها قانونياً بعد فحصها والتحقق منها وإجراء التحريات اللازمة، والتوصل إلى عدم صحة ما جرى نشره أو تداوله".
وحول أسباب عدم اقتصار المواطنين على نشر البلاغات عبر الصفحات الرسمية للجهات المختصة، أوضح عبدالكريم أن كثيراً من الأشخاص يتواصلون بالفعل مع الصفحات التابعة لوزارة الداخلية، لكن البعض قد لا يكون على علم بوجود صفحات مخصصة لتلقي البلاغات والمعلومات.
وأضاف أن البعض الآخر قد يلجأ إلى نشر الواقعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي اعتقاداً منه بأن انتشارها على نطاق واسع سيمنحها اهتماماً أكبر أو يدفع الأجهزة المعنية إلى التحرك بصورة أسرع. مؤكداً أن الأجهزة الأمنية تتحرك بناء على أي معلومة ترد إليها بشأن واقعة أو جريمة، ولا يشترط أن تنتشر الواقعة على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يجري التعامل معها.وحول الأشخاص الذين يتعرضون للتشهير أو الوصم بسبب صور مفبركة أو معلومات غير صحيحة، قال عبدالكريم إن نشر صور مفبركة أو اتهامات غير صحيحة قد ينال من سمعة الشخص واسمه وكرامته، ومن ثم يحق للمتضرر اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة تجاه من تعمد الإساءة إليه أو تشويه صورته أمام الآخرين.