Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

النيجر وفرنسا... اتهامات بالتآمر وأدلة لم تكشف

منذ انقلاب عام 2023 تدهورت العلاقات بين باريس ونيامي بصورة كبيرة

اتهمت الحكومة النيجرية فرنسا بالوقوف وراء تحريض الجنود على التمرد معتبرة أن الهجوم كان نتيجة "شبكة واسعة من المتواطئين تقودها فرنسا" (رويترز)

ملخص

فما الذي يجري فعلياً خلف الأزمة الفرنسية - النيجرية؟ هل نحن أمام مجرد شرخ سياسي بين فرنسا، القوة الاستعمارية السابقة، ونظام عسكري يسعى إلى استعادة السيطرة على موارده الطبيعية؟ أم أن الخلاف تجاوز السياسة ليتحول إلى صراع جيوسياسي على اليورانيوم النيجري تتقاطع فيه مصالح باريس وموسكو وبكين؟

وفي نهاية المطاف، قد لا يكون السؤال فقط من يسيطر على النيجر؟ بل من سيمتلك القدرة على التحكم في مواردها الاستراتيجية غداً؟

في الـ29 من أغسطس (آب) الماضي واجهت العاصمة النيجرية نيامي محاولة تمرد عسكري استهدفت مواقع حساسة، بينها القاعدة الجوية 101 داخل مطار "ديوري حماني" الدولي والقصر الرئاسي، في واحدة من أخطر الأزمات التي واجهتها السلطة العسكرية بقيادة الجنرال عبدالرحمن تياني منذ وصولها إلى الحكم بانقلاب عام 2023، لكن ما أعقب المواجهات منح القضية بعداً أكثر تعقيداً. ففي الرابع من سبتمبر (أيلول)، اتهمت الحكومة النيجرية فرنسا بالوقوف وراء تحريض الجنود على التمرد، معتبرة أن الهجوم كان نتيجة "شبكة واسعة من المتواطئين تقودها فرنسا".

ولم تكتفِ السلطات النيجرية بتوجيه الاتهام، بل أعلنت أنها جمعت "أدلة دامغة" في شأن الهجوم، مؤكدة احتفاظها في حق عرض القضية أمام المحاكم الدولية، غير أن النيجر لم تكشف، حتى الآن، بحسب المعلومات المتاحة، عن طبيعة هذه الأدلة. فلم تنشر وثائق تثبت وجود اتصالات بين مسؤولين أو جهات فرنسية والمتمردين، أو تحويلات مالية، أو تسجيلات لمحادثات، أو أوامر عمليات، أو رسائل إلكترونية، أو صور أقمار اصطناعية، أو وثائق استخباراتية يمكن التحقق منها بصورة مستقلة، أو أدلة تثبت تسليم أسلحة فرنسية إلى المتمردين.

فرضية

غياب الأدلة عن العلن لا يعني أنها غير موجودة، لكنه يجعل الاتهام، في هذه المرحلة، قائماً على الرواية الرسمية للسلطات النيجرية من دون أدلة منشورة تسمح بالتحقق المستقل منها، وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية: هل يتعلق الأمر بمؤامرة خارجية فعلاً؟ أم بتمرد كانت له أسباب داخلية قبل أن ينسب إلى جهة خارجية؟

المعطيات التي أوردتها وكالة "أسوشيتد برس" تشير إلى أن التمرد ارتبط بدرجة كبيرة بتدهور الوضع الأمني، والخسائر التي يتكبدها الجيش أمام الجماعات الإرهابية، وظروف الجنود، والاستياء داخل الوحدات التي تقاتل في الخطوط الأمامية. أما صحيفة "لوموند"، فتحدثت عن انقسامات داخل الجيش مشيرة إلى أن بعض الوحدات لم تتحرك ضد المتمردين.

هذه المعطيات لا تنفي احتمال وجود تدخل خارجي، لكنها تطرح فرضية أخرى أن تكون هناك توترات داخلية حقيقية داخل المؤسسة العسكرية، وأن تكون جهات خارجية قد حاولت استغلالها، وحتى الآن، لا تكفي المعلومات المتاحة لحسم أي من هذه الفرضيات.

في خضم هذه الأزمة، برز عامل آخر روسيا، فبحسب وكالة "رويترز"، استعادت القوات الموالية للحكومة السيطرة على القاعدة 101 في اليوم التالي بمساعدة قوات روسية تابعة لـ"فيلق أفريقيا"، فيما تحدثت "لوموند" عن نحو 200 عنصر روسي شاركوا في دعم القوات الحكومية.

وهنا تبرز مفارقة لافتة، فالنيجر تتهم فرنسا بمحاولة زعزعة استقرار النظام، بينما كانت القوة الأجنبية التي ساعدت الحكومة على احتواء التمرد روسية. هذه المفارقة لا تشكل دليلاً على تورط فرنسا، لكنها تكشف عن أن الأزمة تجرى في بيئة أمنية تشهد تنافساً بين قوى خارجية وتحولات في تحالفات النيجر، إضافة إلى أن اتهام فرنسا يأتي في سياق خطاب سابق للسلطات النيجرية. فقد سبق للجنرال عبدالرحمن تياني أن حمل فرنسا ودولاً أخرى في غرب أفريقيا مسؤولية اضطرابات شهدتها العاصمة في وقت سابق من العام من دون تقديم أدلة، لكن هذه المرة، ثمة عنصر جديد في القضية، فالحكومة النيجرية لا تكتفي بتوجيه اتهام سياسي إلى فرنسا، بل تؤكد أنها تمتلك أدلة على تورطها، وهذا يضع السلطات النيجرية أمام اختبار واضح: فإذا كانت هذه الأدلة موجودة بالفعل، فإن الكشف عنها أو عرضها أمام جهة قضائية أو تحقيقية مستقلة من شأنه أن ينقل القضية من مستوى الاتهامات السياسية إلى مستوى يمكن التحقق منه قانونياً وواقعياً، وقد يغير طبيعة القضية برمتها.

 

أما فرنسا، فقد نفت الاتهامات، وفي الخامس من سبتمبر، ووصف وزير الخارجية جان نويل بارو الاتهامات بأنها "محض افتراءات"، مؤكداً أن فرنسا لم تكن لديها لا النية ولا الوسيلة لإثارة التمرد، لكن كما أن غياب الأدلة المنشورة لا يثبت عدم وجود تدخل فرنسي، فإن النفي الفرنسي لا يحسم القضية أيضاً، لذلك، فإن السؤال المركزي لا يتعلق فقط بمن يملك الرواية الأقوى، بل بمن يستطيع تقديم الأدلة التي يمكن التحقق منها.

هل تمتلك النيجر فعلاً أدلة على تورط فرنسا؟ وما طبيعة هذه الأدلة؟ ولماذا لم تكشف حتى الآن؟

إلى أن تكشف النيجر عن هذه الأدلة، تبقى القضية عالقة بين روايتين متعارضتين: رواية نيامي التي تتحدث عن مؤامرة تقودها فرنسا، ورواية باريس التي تنفي ذلك وتصف الاتهامات بالافتراء، وبين الروايتين، تبقى الأدلة التي تقول النيجر إنها تمتلكها هي الحلقة المفقودة.

"القضاء وحده يحسم اتهامات النيجر"

في حديث إلى "اندبندنت عربية" أجاب الحسن أنتي نيكار المستشار السياسي للرئيس النيجري السابق محمد بازوم عن عدد من الأسئلة المتعلقة باتهام السلطات النيجرية لفرنسا بمحاولة زعزعة استقرار البلاد وإمكان لجوء نيامي إلى المحاكم الدولية.

وفي ما يتعلق بالأدلة التي تقول السلطات النيجرية إنها تمتلكها، أوضح أنتي نيكار أنه، وفقاً للبيان الرسمي، قامت السلطات بتوثيق وجمع أدلة في شأن الهجوم، لكن البيان لم يوضح طبيعة هذه الأدلة، ولم يحدد ما إذا كانت النيجر ستعرضها أمام محكمة دولية أو ستتجه إلى القضاء الدولي، بالتالي، "لا يمكننا في هذه المرحلة معرفة طبيعة الأدلة التي تتحدث عنها السلطات النيجرية، فالمعلن رسمياً هو وجود أدلة من دون الكشف عن مضمونها أو تحديد ما إذا كانت ستقدم إلى جهة قضائية دولية".

في ما يتعلق باتهام النيجر فرنسا بالوقوف وراء محاولة تنفيذ هجوم عسكري، في وقت وصف فيه وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو هذه الاتهامات بأنها "محض افتراءات" قال المستشار السياسي للرئيس النيجري السابق "أنا شخصياً لا أعتقد أن العلاقة بين فرنسا والنيجر ستصل إلى مرحلة من التعقيد الكبير، النيجر وجهت اتهامها استناداً إلى أدلة، وهذا ما ورد في بيان الحكومة، وفرنسا من جانبها ستدافع عن نفسها"، وأضاف أن أحد الضباط العسكريين تحدث عن اتصالات جرت قبل الهجوم، لكنه لم يحدد، بحسب ما فهم من التصريحات، الجهة التي تقف وراء هذه الاتصالات، ولم يوضح ما إذا كانت مرتبطة بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أو بالسلطات النيجرية، أو بأي جهة أخرى.

ورأى أن تطورات العلاقة بين البلدين "تظل مرتبطة بما ستكشفه التحقيقات والأدلة"، مشيراً إلى أن السلطات النيجرية سبق أن وجهت اتهامات إلى فرنسا في أكثر من مناسبة، وهي تقول هذه المرة إنها تمتلك أدلة، بل أعلنت أنها قد تلجأ إلى القضاء الدولي. ووفقه أيضاً، فإن إعلان السلطات النيجرية امتلاك أدلة يعني "أن من الصعب افتراض أنها اختلقت هذه الأدلة أو أنها أعلنت امتلاكها من دون أساس".

منذ انقلاب عام 2023، تدهورت العلاقات بين باريس ونيامي بصورة كبيرة، وانسحبت القوات الفرنسية من النيجر، في حين عززت السلطات النيجرية تعاونها الأمني مع روسيا، وبذلك، لا تبدو القضية مرتبطة فقط بمحاولة الهجوم على قاعدة عسكرية، وإنما تطرح أيضاً مسألة إعادة تشكيل التحالفات والنفوذ في منطقة الساحل.

وهنا يبرز سؤال أساس: لماذا تتهم نيامي فرنسا بالتدخل على رغم انتهاء الوجود العسكري الفرنسي المباشر في النيجر؟ وهل يعكس ذلك قناعة لدى السلطات الجديدة بأن باريس لا تزال تحتفظ بنفوذ سياسي أو أمني داخل البلاد؟ في المقابل استعانت السلطات النيجرية بقوات روسية شبه عسكرية لمساعدتها على استعادة السيطرة على القاعدة، فهل أصبحت روسيا البديل الأمني لفرنسا في النيجر؟ أم أن البلاد تدخل مرحلة جديدة من صراع النفوذ بين القوى الدولية في منطقة الساحل؟

في رده على هذه التساؤلات، قال أنتي نيكار إن التركيز على أسباب الاستعانة بالقوات الروسية لا ينبغي أن يحجب "حقيقة أن السلطات النيجرية نفسها هي التي طلبت هذا الدعم، وأن لديها أسبابها الخاصة لاتخاذ هذا القرار".

وفي ما يتعلق بوجود قواعد عسكرية أجنبية في النيجر، سواء الفرنسية أو الروسية، أوضح "أنه منذ بداية الأزمة بين فرنسا والنيجر أعلن موقفه الرافض وجود قاعدة عسكرية فرنسية على الأراضي النيجرية، وأكد رفضه وجود قاعدة عسكرية روسية أو أي قواعد عسكرية أجنبية أخرى في البلاد. إن الدولة يجب أن تعتمد على قواتها العسكرية الوطنية لحماية أراضيها والدفاع عنها، وتابع أيضاً أنه لا يرى فرقاً بين القاعدة العسكرية الفرنسية ونظيرتها الروسية، مشيراً إلى أن المبدأ واحد، ورأى أن لكل من فرنسا وروسيا مصالحها الخاصة في النيجر، "ووجود روسيا عسكرياً في البلاد لا يهدف بالضرورة إلى حماية المصالح النيجرية، إنما يرتبط أيضاً بالمصالح الروسية، من هذا المنطلق، هناك تناقض في إخراج القوات الفرنسية من النيجر، ثم الاستعانة بالقوات الروسية. إن القاعدة العسكرية النيجرية والقوات النيجرية نفسها يجب أن تكون هي التي تتولى حماية البلاد والدفاع عنه".

وما إذا كان الاتهام الموجه إلى فرنسا أتى في إطار معركة سياسية وإعلامية تهدف إلى إعادة رسم المشهد السياسي في منطقة الساحل رد المستشار السياسي للرئيس النيجري السابق أن القضاء هو الجهة التي يجب أن تجيب عن هذا السؤال، موضحاً أن المحامين والجهات القضائية هم من سيتولون دراسة الأدلة المقدمة، وتحديد ما إذا كانت قائمة على أساس قانوني وواقعي أم لا، وبذلك، تبقى مسألة الاتهام الفرنسي مرتبطة بما ستكشفه الأدلة التي تقول السلطات النيجرية إنها تمتلكها، وبما إذا كانت هذه الأدلة ستعرض أمام جهة قضائية يمكنها فحصها والتحقق من صحتها.

أزمات الساحل لا تفسر بالاستعمار وحده

على جانب آخر، قدم المحامي والمتخصص في مجال القانون الدولي مجيد بودن قراءة مختلفة، إذ عزا هذه الاتهامات إلى استنتاجات جيوسياسية مستندة إلى دروس التاريخ المعاصر، وقال إن الأطراف التي تحكم في أي بلد من طريق القوة غالباً ما تواجه صعوبات في الحفاظ على شرعيتها واستقرارها، و"عندما تفشل في ذلك، فإنها تميل إلى توجيه أصابع الاتهام إلى جهات خارجية وتحميلها مسؤولية أزماتها الداخلية"، مضيفاً أن الأزمة الداخلية تبدأ منذ اللحظة التي يتم فيها افتكاك السلطة بالقوة، "إذ يصبح منطق الاستيلاء على الحكم بالقوة حاضراً في المشهد السياسي، بما يجعل السلطات نفسها عرضة لأن تنتزع منها السلطة بالطريقة ذاتها. هذا الوضع يخلق حالاً من عدم الاستقرار السياسي، ويجعل البلاد عرضة بصورة متكررة للاضطرابات والانقلابات الداخلية".

وفي هذا الإطار، تابع بودن "هناك أمر يتضح بصورة ثابتة عبر التاريخ، وهو أن هذه السلطات تميل إلى اتهام الخارج والحديث عن وجود تدخلات خارجية، بدلاً من الاعتراف بأن أسباب الأزمات تعود في الأساس إلى عوامل داخلية"، ولفت إلى أن ذلك لا ينفي بالضرورة إمكان وجود أطراف خارجية أو تدخلات أخرى، لكنه رأى أن ما تشهده دول الساحل والصحراء من أزمات سياسية واضطرابات، ومن بينها محاولة الانقلاب الأخيرة في النيجر، يندرج ضمن هذا السياق، ولا يمكن اعتباره استثناء عن القاعدة التي أفرزتها التجارب السابقة في المنطقة. وأكد أن من الضروري التعامل مع هذه الادعاءات وفق معيار واحد وواقعي، يتمثل في السؤال عن الأدلة التي تستند إليها، فمجرد صدور اتهامات أو بيانات رسمية من السلطات لا يجعل منها أدلة بحد ذاته، ما لم تدعم بمعطيات ووقائع يمكن التحقق منها.

وقال أيضاً إن عدم تقديم السلطات النيجرية، حتى الآن، أدلة معلنة على وجود تدخل فرنسي، يجعل الاتهامات في إطار الادعاءات غير المثبتة، و"المعطى الأهم الذي ينبغي عدم تجاهله هو وجود صراع على السلطة داخل الأوساط العسكرية في النيجر، مما قد يفسر جانباً من الاضطرابات ومحاولات الانقلاب التي تشهدها البلاد"، مشيراً إلى وجود صراع على النفوذ وتقاسم للسلطة، "تقف وراءه أيضاً صراعات على المصالح الاقتصادية والعسكرية، إلى جانب التنافس على النفوذ والسيطرة على قطاعات ومجالات مختلفة داخل الدولة"، واعتبر أن الصراع الروسي مع أوروبا، لا سيما فرنسا والاتحاد الأوروبي، "يدخل ضمن ما يعرف بالحرب الهجينة، وأن موسكو تستفيد من الأزمات التي تشهدها منطقة الساحل والصحراء لتقديم رواية تحمل التدخلات الخارجية، والاستعمار تحديداً، مسؤولية معظم المشكلات التي تعانيها المنطقة"، واستدرك أن "هذه الرواية تتجاهل، في المقابل مسؤولية الأنظمة والقيادات المحلية عن جزء كبير من الإخفاقات التي تشهدها دول الساحل، وأن الاستعمار انتهى منذ عقود، وأن استمرار تحميله مسؤولية الأزمات الحالية لا يقدم تفسيراً كافياً لما تواجهه هذه الدول من أزمات سياسية واقتصادية وأمنية، وبحسب رأيه، "فإن توظيف خطاب معاد للاستعمار يمكن أن يتحول إلى وسيلة لتبرير فشل الأنظمة المحلية، بدلاً من البحث في الأسباب الداخلية للأزمات، وفي طبيعة الصراعات على السلطة والنفوذ والمصالح التي تشهدها المنطقة".

وعن دخول روسيا المنطقة عبر مجموعات مثل "فاغنر" ثم "فيلق أفريقيا"، رأى المتخصص في مجال القانون الدولي أن هذه القوات لا تعمل بالضرورة على ضمان أمن الدول بقدر ما تسهم، "في حماية الأنظمة القائمة، مقابل الحصول على امتيازات ومصالح، لا سيما في القطاعات المرتبطة بالثروات والموارد الطبيعية، بما يشكل وسيلة لسداد كلفة العمليات التي تقوم بها هذه المجموعات. هذه المعادلة تطرح إشكالية أساسية، تتمثل في أن القوات المرتبطة بروسيا تتولى حماية أنظمة وصلت إلى السلطة عبر الانقلابات، بدلاً من أن يكون هدفها الأساس حماية مؤسسات الدولة ومصالح شعوبها"، ومن هذا المنطلق، شدد على أن ما يجري في النيجر ومالي وبوركينا فاسو لا يمكن اختزاله في فرضية وجود مؤامرات أو تدخلات خارجية، بل يجب النظر إليه أيضاً باعتباره نتيجة أزمة داخلية وفشل في إدارة الدولة. الأنظمة العسكرية التي وصلت إلى السلطة في هذه الدول لم تحدث التغيير الذي وعدت به، وأن استمرار الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية يكشف عن استمرار حال الفشل الداخلي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إسكات الأصوات المنتقدة

في السياق تبرز معلومات أخرى تكشف عن جانب مهم من الأزمة يتعلق بإدارة السلطات النيجرية للمعلومات والتغطية الإعلامية للتمرد.

ففي الثالث من سبتمبر، استدعت وزارة الاتصالات والهيئة التنظيمية للإعلام رؤساء المؤسسات الإعلامية العامة والخاصة، عقب عملية رصد إعلامي استمرت خمسة أيام، قالت السلطات إنها كشفت عن وجود "فراغ معلوماتي"، وتضارب في الروايات، وتضخيم للإشاعات عبر الإنترنت. وعقب الاجتماع، أصدرت السلطات مدونة سلوك من ست نقاط، دعت فيها وسائل الإعلام إلى التحقق من المعلومات، والتحلي بضبط النفس، وتجنب السعي المحموم وراء "السبق الصحافي".

تأتي هذه الإجراءات في وقت لا يزال فيه الغموض يحيط بمصير الصحافي موسى كاكا، مدير إذاعة وتلفزيون "ساراونيا" والمراسل السابق لإذاعة "فرنسا الدولية"، بعدما اختفت آثاره إثر مغادرته مكتبه في نيامي مساء 31 أغسطس، من دون أن يصل إلى منزله. وقد دعت منظمة "مراسلون بلا حدود" إلى فتح تحقيق في ملابسات اختفائه.

في سياق متصل، لا يزال وزير الدفاع السابق كالا موتاري رهن الاحتجاز منذ الأول من سبتمبر، ولا يزال مكان وجود موسى كاكا مجهولاً.

ولا تبدو هذه الوقائع معزولة عن سياق أوسع تشهده منطقة الساحل، حيث تزايدت المخاوف في شأن أوضاع الصحافيين والمعارضين والمدافعين عن الديمقراطية في ظل الأنظمة العسكرية. ففي مالي، على سبيل المثال، تعود إحدى أبرز القضايا إلى ليلة الثالث من مايو (أيار)، عندما اختطف المحامي والوزير السابق مونتاغا تال من منزله على يد عناصر ملثمين من جهاز أمن الدولة.

وبعد نحو أسبوعين، اختطف ابنه شيخ مامادو تال، وجرى منذ ذلك الحين احتجاز مدافعين آخرين عن الديمقراطية خارج إطار أي إجراءات قانونية، بحسب المعطيات الواردة في هذا السياق.

وفي يوليو (تموز) طلبت لجنة الأمم المتحدة المعنية بحالات الاختفاء القسري من السلطات الانتقالية في مالي البحث عن الأب والابن، وتحديد مكان وجودهما، وضمان حمايتهما.

وتضع هذه الوقائع مسألة الوصول إلى المعلومات وحرية الإعلام ومصير المعارضين والمدافعين عن الديمقراطية في صلب النقاش حول طبيعة الحكم العسكري في منطقة الساحل، ومدى قدرته على إدارة الأزمات الداخلية بعيداً من منطق الاتهامات والتدخلات الخارجية.

في قضية أخرى، أصدرت محكمة الجرائم الإلكترونية في مالي حكما بالسجن لمدة 20 عاماً على العقيد المسرح ألفا يايا سانغاري، مع إلزامه بدفع تعويض رمزي للدولة، ومصادرة كتابه الذي نشره بنفسه، ويتحدث فيه عن انتهاكات يزعم أن الجيش ارتكبها.

وكان الادعاء العام قد طالب بإنزال عقوبة الإعدام بحقه، فيما اعتقل سانغاري في مارس (آذار) عام 2024، عقب صدور الكتاب.

وقامت المحكمة بإعادة تكييف التهم الأصلية، التي شملت الخيانة العظمى وتقويض هيبة الدولة ونشر أخبار كاذبة، لتصبح تهمة "الإضرار بالأمن الخارجي للدولة".

وتشير التقارير إلى أن الكتاب، الذي يقع في نحو 400 صفحة، استند إلى تقارير حقوقية وثقت انتهاكات مزعومة خلال عمليات مكافحة الإرهاب. ولم يكشف عن كامل محتويات الكتاب، ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان سانغاري سيستأنف الحكم.

وتطرح هذه القضايا، إلى جانب اختفاء الصحافي موسى كاكا في النيجر، تساؤلات أوسع في شأن حرية الإعلام، وحق التعبير، ومصير الأصوات المنتقدة للسلطات العسكرية في منطقة الساحل، في وقت تواجه فيه هذه الأنظمة أزمات سياسية وأمنية متزايدة.

الملفات الجوهرية

بحسب صحيفة "لوموند"، يخزن في النيجر نحو 1400 طن من مركزات اليورانيوم، منذ أن فقدت شركة "أورانو" السيطرة التشغيلية على منجم "سومير". ويعتقد أن هذا المخزون الاستراتيجي أثار اهتمام كل من روسيا والصين، في وقت بدأت فيه المجموعة الفرنسية إجراءات تحكيم دولية ضد نيامي، لكن تحقيقاً آخر أجرته صحيفة "فاينانشيال تايمز" يتحدث عن وجود نحو 1000 طن من اليورانيوم، تقدر قيمتها بنحو 240 مليون دولار، يعتقد أنها مخزنة في منطقة حساسة في العاصمة نيامي.

فما الذي يجري فعلياً خلف الأزمة الفرنسية - النيجرية؟ هل نحن أمام مجرد شرخ سياسي بين فرنسا، القوة الاستعمارية السابقة، ونظام عسكري يسعى إلى استعادة السيطرة على موارده الطبيعية؟ أم أن الخلاف تجاوز السياسة ليتحول إلى صراع جيوسياسي على اليورانيوم النيجري تتقاطع فيه مصالح باريس وموسكو وبكين؟

وفي نهاية المطاف، قد لا يكون السؤال فقط من يسيطر على النيجر؟ بل من سيمتلك القدرة على التحكم في مواردها الاستراتيجية غداً؟

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير