ملخص
تبدو معضلة خطط الإجازة الصيفية هاجساً يؤرق العائلات على مستوى العالم، ولكن الأمر يأخذ منحى ضاغطاً في مصر في ظل قلة منافذ اللهو المجانية بل وانعدامها في أماكن كثيرة، إضافة إلى شح المؤسسات التي تستقبل الأطفال وتنقذهم من براثن الشاشات، وإضافة لقلة العدد، فإن أثمانها باهظة ولا تناسب غالبية الأسر، كذلك فإن أفكار قضاء العطلات الطويلة في محافظة أو دولة أخرى رفاهية لا تتاح إلا لقلة نادرة لأسباب مادية ومجتمعية، ولهذا فالبحث عن مخرج طوال أشهر الإجازة المدرسية يبدو بلا أفق تقريباً
بقدر ما تشكل الإجازة الصيفية راحة منشودة للآباء من متابعة الدراسة والاستيقاظ المبكر يومياً وأعباء الاختبارات والتحصيل وحتى حيرة "اللانش بوكس"، فإنه بعد مرور أسبوع أو أسبوعين تبدأ أزمة أخرى أكبر بكثير من متطلبات العملية التعليمية، فالملل الذي يشعر به الأطفال في المرحلة ما قبل الجامعية كفيل بأن يجعل ذويهم يندمون على تمنيهم انتهاء العام الدراسي سريعاً، فهذه الدائرة المتكررة ليس سببها الضيق من الصغار إنما العجز عن تحقيق طموحاتهم بملء جدولهم يومياً بما يمتص طاقتهم ويسليهم ويجعلهم في حال استمتاع دائم.
هذه المشاعر المتضاربة لدى الآباء، التي تتحول لضغوط نفسية ومالية في ما بعد ليست حكراً على مجتمع بعينه، فأمهات الأطفال في سن المدرسة لديهن شكاوى مماثلة في أنحاء العالم، وفق ما تطالعنا تدوينات وفيديوهات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لكن الأمر في مصر ربما يبدو أكثر تعقيداً بسبب قلة المنافذ المتاحة لمن هم في مثل هذا العمر، فيحاول أن يتبادل الآباء والأمهات تجاربهم في محاولة لإنقاذ أبنائهم من شاشات الهواتف، وفي بعض المرات ينجحون، لكن في كثير من الوقت يستسلمون ويظل معهم شعور عميق بالذنب، كونهم يضطرون إلى تركهم الشاشات الذكية وفيديوهات الريلز القصيرة التي تؤثر سلباً في نشاطهم الذهني، وتصيبهم بما يسمى التعفن الدماغي، لكن البدائل المطروحة لقضاء الوقت تبدو بالنسبة إلى عائلات كثيرة بعيدة المنال.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
خلاف دور الحضانات التي لا تلائم إلا من هم في سن السنوات السبع حداً أقصى، والمعسكرات الصيفية التي هي من جهة باهظة الثمن ومن جهة أخرى تبدو في نظر كثير من الأسر غير آمنة، فالخيارات ضئيلة للغاية، لأن مواصفات البيئة الآمنة لقضاء الوقت للأطفال يجب أن تكون في المتناول، أي قريبة من المنزل فلا تنهك الأسر للوصول إليها، وأن تكون بسعر رمزي كي لا ترهق الموازنات، ويفضل أن تتضمن نشاطاً أو مكاناً مفتوحاً، كي لا يجد الأبوان أنفسهما في دائرة مفرغة، وضغوط عدة.
تحولات الإجازة بين الأجيال
قبل أعوام من سيطرة الهواتف الذكية على حياة الصغار كانت النزهات والأنشطة البسيطة والقراءة وحتى مشاهدة فيلم مسل بالفعل مغرية لهم، لكن في عصر باتت فيه أجهزة الهواتف مليئة بخيارات كثيرة من الألعاب والفيديوهات والصور أصبح يجب أن تبذل الأمهات مجهوداً إضافياً لإقناع الأطفال بالاستمتاع بتلك الأشياء التي تبدو في نظرهم "صغيرة وعادية".
لكن حتى تلك الأشياء لن تملأ اليوم بما يكفي، بخاصة في ظل ارتفاع أثمان الأماكن التي تقدم الأنشطة، وعدم وجودها قرب المنازل في أوقات كثيرة، وأيضاً بسبب ضيق المساحات الخضراء المتاحة للعامة، التي كانت تصلح للعب دون التقيد بوقت كذلك فإنها كانت تعتبر مجانية تقريباً. فوفقاً للإحصاءات فإن نصيب الفرد في مصر من المساحة الخضراء لا يتجاوز الـ50 سنتيمتراً، في حين أن متوسط النصيب العالمي للفرد يجب أن يصل إلى تسعة أمتار، وبالفعل المخططات العمرانية أصبحت تهمل المساحات الخضراء الآمنة، والحدائق العامة في تناقص، لذا فإنه من النادر أن تكون الحديقة المفتوحة ذات السعر الرمزي خياراً مطروحاً بالنسبة إلى العدد الأكبر من الأسر ذات الدخل المتوسط أو الأقل من المتوسط.
تقول علياء إبراهيم، الأم لطفلين في الصفين الخامس والثالث، إنها تسكن في منطقة تابعة لحي عين شمس العريق، وأول ناد رياضي قريب منها يبعد نحو 45 دقيقة عن المنزل، ونظراً إلى أنها ليست عضوة به، إذ تعتبر كلفة غير ملائمة لموازنتها، فإنها تضطر إلى أن تدفع اشتراكاً موقتاً خلال فترة الصيف ليتمكن طفلاها من ممارسة بعض الألعاب.
وتشير الأم المصرية إلى أنها لا تجد من الأساس اهتماماً من المدربين، نظراً إلى اكتظاظ وقت التمرين بما يفوق قدرات عدد المدربين المحدود، إذ إن بقية الأسر المحيطة مثلها يبحثون عن متنفس خلال أشهر الإجازة الصيفية منذ يونيو (حزيران) وحتى نهاية أغسطس (آب)، لكنها لا تطمح لأن يحقق طفلاها بطولات بقدر ما يقضيان وقتاً صحياً، ويستنشقان هواءً منعشاً وسط الطبيعة بعيداً من جدران المنزل وهوائها والتكييفات.
تضيف "الأنشطة في النادي محدودة بالرياضة، وأي أنشطة أخرى مثل الفنون على سبيل المثال علي أن أبحث عن أكاديمية كي ألحقهما بها، والحقيقة أنها تعتبر أغلى ثمناً بكثير من اشتراك التدريبات، وعلى رغم أن مواعيد تلك التدريبات لا تتعدى يومين في الأسبوع بإجمال ثلاث ساعات، فإنها أفضل من العدم، ومن المؤكد أنها أفضل من مناوشات الطفلين التي لا تتوقف، فخلال الدراسة اليوم كان مشغولاً فبعد الحصص المدرسية هناك مواعيد دروس ومذاكرة ونوم مبكر، وفي ظل عدم وجود شارع يصلح لأن يلعبا به بجواري أو حتى حديقة عامة أذهب إليها معهما سيراً على الأقدام، فإن لم يخرجا معي يظلان وكأنهما في سجن إجباري".
صيف الصغار بين الجدران والشاشات
حتى العائلات التي لديها اشتراكات منتظمة في الأندية يجدون صعوبة في الذهاب يومياً بالسيارة في ظل ارتفاع أسعار البنزين وكذلك ازدحام المواصلات أحياناً، نظراً إلى أن العدد الأكبر من النوادي يبعد كثيراً من مناطق الإسكان، فبخلاف الفروع القديمة القليلة للغاية التي تقع في قلب الأحياء السكنية، فإن الفروع الأكثر حداثة لا يمكن الذهاب إليها مشياً على الأقدام، كذلك فإن الفروع القديمة نفسها حتى لو كانت في وسط القاهرة، فهي بطبيعة الحال لا تلائم الجميع، نظراً إلى النزوح المتكرر من سكان تلك الأحياء إلى المدن السكنية الجديدة.
البعض يتصور أن أزمة الشارع الآمن للصغار والمناطق المفتوحة والدور التي تقدم أنشطة للأطفال طوال العام، تطاول سكان القاهرة فحسب، لكن في المحافظات أيضاً الأزمة لا تختفي فإذا كانت القرى التابعة للمدن الكبيرة تبدو أكثر ملاءمة، ويمكن للأهالي أن يتركوا أطفالهم في الشوارع المجاورة وهم مطمئنون فإن المدن الكبيرة بها العيوب نفسها، وربما أكثر نظراً إلى قلة مراكز الترفيه، بخاصة ذات السعر الزهيد، أو المجانية، فعلى سبيل المثال اتخذت وزارة الثقافة العام الماضي قراراً بإغلاق أكثر من 100 بيت ثقافي تابع لها في المحافظات وعلى رغم نداءات الاستهجان لم يتراجع عن القرار، وتلك المؤسسات كانت بديلاً ملائماً خلال الإجازة الصيفية لفئة لمن هم في مقتبل عمرهم حيث تقدم خدمات القراءة والندوات والمسابقات واكتشاف المواهب.
بدائل ممارسة الأنشطة الفنية من رسم وتمثيل وعزف في المؤسسات الخاصة تعتبر باهظة بالنسبة إلى العائلات التي لديها أكثر من طفل، إذ يراوح اشتراكها الشهري ما بين 500 و1500 جنيه، أي ما يوازي 10 و30 دولاراً، وقد حاولت نورين عبدالقوي، الأم لثلاثة أطفال، أن تشغل صيفهم بهذه الأنشطة نظراً إلى أن اثنين منهم بالفعل متميزان في الرسم والثالث يحاول تعلم العزف، لكنها صمدت شهراً واحداً فقط.
تقول "على رغم أنهم بالفعل كانوا يستمتعون ويقضون وقتاً طويلاً بعيداً من المنزل وبعيداً من الهواتف، لكن اتضح أن كلفة هذا النشاط إضافة إلى المواصلات والوجبات والوقت الضائع ضخمة للغاية. اضطر إلى الاستئذان مبكراً من عملي غالب الوقت لأخذهم في الوقت المناسب كذلك فإنهم يعودون منهكين تماماً بسبب بعد المسافة، مما جعل الأمر عبئاً بدنياً في حين أنهم من المقرر أن يستريحوا في الإجازة من ضغوط المواعيد، والشق المادي بطبيعة الحال كان مرهقاً للغاية".
لماذا لم يعد اللهو البسيط مجانياً؟
على الطرف الآخر تتحدث منيرة علي، وهي مديرة أحد تلك المراكز، عن أن أعداد المشتركين تتناقص بصورة ملحوظة، لافتة إلى أن مركزها ملحق بحضانة تستقبل الأطفال من سن ثلاثة أشهر، وكانت تفتح هذا المركز وكأنه معسكر صيفي مصغر تقدم من خلاله خدمة للأمهات العاملات أو اللاتي يرغبن في أن يقضي أبناؤهم فترة الإجازة في تعلم شيء مفيد والاستمتاع في بيئة صحية مع أطفال في مثل عمرهم.
تقول علي "منذ نحو ثلاثة أعوام أصبحت الأعداد هزيلة للغاية، أعرف أن الثمن مرتفع، لكنها مصاريف التشغيل والمعلمين المتخصصين، ولا يمكنني أن أقوم بعمل مزيد من التخفيض للأسف، وعلى ما يبدو أنني سأضطر إلى إلغاء تلك الخدمة، لأنها لم تعد مجزية، ولم تعد تلقى إقبالاً، نظراً إلى أن الأهالي بالكاد يدبرون مصاريف الدراسة، وليسوا في حاجة إلى التزامات أخرى في فترة الإجازة".
بالفعل يعتقد الأهالي أن فترة الإجازة الصيفية فرصة لالتقط الأنفاس بعيداً من مصاريف التعليم بكل مشتملاتها، ليفاجأوا أنهم مطالبون بتدبير بدائل لقضاء الوقت، وهو أمر يشكل هاجساً كبيراً لملايين الأسر، فوفقاً لما أعلنه الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء فإن عدد الأطفال في مصر تحت سن 18 عاماً يشكلون ما يقارب 40 مليون طفل، أي أكثر من ثلث عدد سكان الدولة، وبطبيعة الحال فإن الإجازة الصيفية مرتبطة بالذهاب للشواطئ، وهو أمر كان يحدث بانتظام وأكثر من مرة خلال الأشهر الثلاثة ما قبل العودة للمدرسة، فحتى من لم يكن يملك منزلاً شاطئياً، فالتنوع في مستويات المصايف كان يتيح للعدد الأكبر من العائلات التمتع بهواء البحر، لكن نظراً إلى ارتفاع أسعار تلك الرحلات بالنسبة إلى الأسر التي تتكون من ثلاثة أو أربعة أفراد في الأقل بل واضطرار عدد منهم للاستدانة لعدم الحرمان من الشاطئ حتى لبضعة أيام، جعلها رحلة تتم في أضيق الحدود.
لكن الواقع يقول إن حتى من لديهم منازل شاطئية، ويمكن أن يمكثوا فيها قدر ما يشاؤون مع أطفالهم لا يمكنهم تحقيق هذا الهدف، فبحسب ما يقول هشام عيد، الأب لابنين في المرحلة الإعدادية، "بالطبع أذهب بقدر الإمكان معهما خلال الإجازة، لكنني ليس لدي رفاهية ترك عملي مدة طويلة، ففي النهاية أنا موظف وملتزم الحضور وأداء مهامي كي أتمكن من الإنفاق، وفكرة المكوث في الشاليه ثلاثة أشهر غير مطروحة بالمرة بالنسبة إليّ".
يضيف "الحقيقة أنني أعمل في مجال متعلق بالاستشارات الصحية، وأرى أن طفولتي أفضل من طفولة أبنائي على رغم قلة الموارد حينها، لكن في الأقل كان متاحاً لنا اللعب في ساحة خضراء أمام منزلنا لم تكن تكلف عناء المجهود ولا الوقت ولا المال، فالأب والأم يطمئنان علي بين حين وآخر بالنظر من الشباك ونحن نلعب الكرة أو لعبة أخرى، أما الآن فمطلوب منا جميعاً أن نقود سياراتنا عشرات الكيلومترات من أجل التنزه مع أطفالنا بحرية، لأن الطفل غير مؤهل للعيش بين الجدران مدة طويلة، فالأمر ضار نفسياً وجسدياً وذهنياً، لكن للأسف تلك المساحات تضيق يوماً بعد آخر ومعها تتغير شخصيات الأطفال للأسوأ بفعل الترفيه الإلكتروني".
البحث عن متنفس سهل المنال
كانت الحياة قبل عقود بالطبع أسهل لأطفال المدن على وجه الخصوص، إذ كانت عائلات الحي تعرف بعضها بعضاً أما الآن وبسبب الازدحام السكاني ففي الأقل لم تعد تتوافر ميزة الشارع الآمن المراقب الذي يتضمن مساحة للعب إلا نادراً، ولهذا فإن الجهات المعنية تحاول جاهدة أن تعين الآباء على إيجاد وسائل تسلية صحية للأبناء، إذ استحدث المجلس القومي للطفولة والأمومة أخيراً حملة "أهلاً بالصيف"، لكنها استهدفت عدة مدن محدودة ومنها الإسكندرية ودمياط، وتهدف إلى توفير أنشطة للأطفال من السادسة وحتى الـ12 في أماكن مثل مراكز الشباب والمكتبات والشواطئ، وتهدف إلى قضائهم وقتاً ترفيهياً توعوياً واستكشافياً وتثقيفياً.
وهي خدمات أشبه بما تقدمها المعسكرات الخاصة التي لاقت انتشاراً كبيراً في البلاد أخيراً، لكنها تظل تستهدف فئة أعلى دخلاً ناهيك ببعض الأسر تجد صعوبة في التكيف مع فكرتها، بخاصة أنها قد تستدعي السفر أو الوجود على أطراف القاهرة. وتشير "ريم. ع"، وهي مسؤولة عن الورش في أحد تلك المعسكرات الشهيرة، إلى أن هناك عدداً من الملاحظات للعائلات، وأبرزها أن مدة المعسكر الذي يبدأ من التاسعة صباحاً يومياً، وحتى الثالثة عصراً إذا لم يكن هناك نشاط آخر لا تزيد على الأسبوعين، وفي رأيهم أن مبلغ 15 ألف جنيه (300 دولار)، كبير للغاية على هذه الخدمات.
تتابع "عملت في عدد من المعسكرات، بينها ما هو خاص بالفتيات فحسب، ودائماً كانت الشكوى من الكلفة بالنسبة إلى الفئة الأكبر، والحقيقة أنه على رغم أن معسكرات الأطفال الصيفية في تزايد، فإنها تظل متمركزة في مناطق بعينها ولا تغطي كل أنحاء الجمهورية كما لا تحظى بدعم من أي جهة، ومن ثم فارتفاع الأسعار أمر إجباري".تنصح ريم الأسر أيضاً بضرورة البحث عن منافذ مختلفة لقضاء فترة الصيف الحرجة، خصوصاً في فترة المراهقة، وتتابع "يمكن للأطفال الأكبر سناً أن يجربوا التدريب الصيفي على العمل في بعض المؤسسات ذات السمعة الحسنة والمراقبة، بخاصة أن بعض المؤسسات التجارية يمكن أن تستغل الصغار لقلة خبرتهم وتضغط عليهم في العمل بأجر رمزي، فالتدقيق هنا مهم للغاية".