Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سنوات الحرب تغير علاقة السوريين بالخوف

الانفعال المستمر والمتكرر تجاه كل حدث يومي يجعل الاستمرار في الحياة أمراً بالغ الصعوبة إن لم يكن مستحيلاً

قدرة الإنسان على التعايش مع مشاهد العنف المتكررة في المجتمعات التي أنهكتها الحروب (اندبندنت عربية)

ملخص

لا تختصر التجربة السورية في مقولة إن السوريين "اعتادوا الخوف"، بل ربما الأدق أنهم تعلموا العيش بجواره، وكيف يضعونه في هامش تفاصيلهم اليومية من دون أن يسمحوا له بابتلاع حياتهم.

يتفق مؤرخون معاصرون وسياسيون وعسكريون على أن سوريا عاشت واحدة من أصعب حروب العصر الحديث وأشدها فتكاً ومرارة وخسارة بشرية وعمرانية، تلك الحرب التي امتدت نحو عقد ونصف أفرزت كماً هائلاً من السياقات العنيفة التي لم تبقَ حدثاً استثنائياً في الأدبيات النفسية والاجتماعية مع طول عمر الصراع وما تخلله من تهجير ونزوح مليوني وقصف واعتقال واشتباكات لحظية مستمرة وأخبار مفقودين ومغيبين رفقة سجل انتهاكات أكبر من أن يحصى، هذا ناهيك عن العنف النفسي، فإلى جانب كل ذلك يمكن القول إنه ما من سوري لم ير جثة أو أشلاء أو انفجار مفخخة أو قذائف صاروخية.

التعايش مع الأمر الواقع

تلك الصدمات النفسية المتتابعة والمتصلة زمانياً كلها قطعت إيقاع الحياة في سنوات الحرب الأولى تماماً، قبل أن تتحول تباعاً إلى مجرد أخبار ومشاهدات يومية مألوفة لا تعطل الناس عن أعمالهم وأشغالهم، وهذا كما يشير علم النفس، لا يعني أن المواطن السوري هنا فقد شعوره بالألم، لكن قدرة الاستمرار الغريزية لديه مكنته من التعايش في واقع لا يستطيع تغييره.

يقول الباحث السياسي جابر حرستاني: "الأهم مناقشة هذه الظاهرة من اليوم لا الأمس لأن التعقيد فيها ظل مستمراً بعد سقوط نظام الأسد حتى مع دخول البلاد مرحلة أخرى من دوامة العنف المناطقي والثأري، لذلك هي ظاهرة تكتسب مرونتها من امتدادها، إذ كان يفترض أن تضع المرحلة الانتقالية حداً لما سبقها من فترات، لتترك للمجتمع الوقت الكافي للتعافي، لكن التطورات الأمنية على الأرض داهمت السلطة الجديدة والمجتمع في وقت واحد، وبرزت في صورة تباين صارخ بين دمشق من جهة والساحل والجزيرة والجنوب من جهة أخرى، فوجد السوري نفسه من جديد مضطراً للتعامل مع الوقائع العنيفة كأمر واقع مسحوب على مرحلة جديدة من مرحلة سابقة".

الفرق بين الاعتياد واللامبالاة

يميز خبراء علم النفس جيداً بين "اللامبالاة اتجاه العنف" و"اعتياده" كنوع من التقبل الاضطراري، وبين هذين التمييزين يشرح الاختصاصي النفسي بشر عزام أنه تعامل مع عشرات الحالات خلال الحرب السورية وخلص منها إلى كثير من النتائج التي تتعلق بالأمر ذاته، مبيناً أن "الشخص الذي سمع عن انفجار مفخخة ثم مضى خارج منزله نحو عمله ليس أقل إنسانية من شخص انهار لمجرد سماعه الخبر ذاته، بيد أن الأول طور آلية دفاع نفسية عن مشاعره ومراكز التحكم العاطفي في دماغه للتأقلم مع أخبار مكررة".

وأضاف "في صلب علم النفس تنخفض الاستجابة الانفعالية للأحداث المنبهة تبعاً لشدة تكرارها، وهذا لا يعني انعدام التعاطف الكلي، أو أن الجميع يطور آلية الدفاع ذاتها، فالجسد نفسه يطور آلية تكيف مع الأدوية العلاجية مما يستدعي الطبيب لتغييرها، وكذلك إدمان المخدرات، وجرعة الخوف نفسها تطور نفسها نحو اعتيادها".

وفي سياق متصل، يشرح أستاذ علم النفس التنموي مرشد مكرم أن "دراسات بحثية في علم النفس تكشف أن التعرض لأعلى درجات التقهقر أمام الحدث العنفي يؤدي إلى تراجع الاستجابة الفعلية للمحفزات المشابهة مع الاحتفاظ برابطة وثيقة مع الصدمة النفسية غير المألوفة، فالأدق هنا ألا يُقال إن الناس لم يعودوا يتأثرون، بل إن شريحة واسعة منهم أعادت تكييف استجابتها الفورية للأحداث بما يمكنها من مواصلة حياتها، إذ إن الانفعال المستمر والمتكرر تجاه كل حدث يومي يجعل الاستمرار في الحياة أمراً بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً. ومن ثم يغدو التكيف آلية للبقاء والتعايش مع الواقع، وليس موقفاً أخلاقياً من العنف، أو قبولاً به، أو تعبيراً عن عدم الاكتراث تجاهه.

مفهوم "الهابيتوس" في الحالة السورية

يشكل مفهوم "الهابيتوس"، كما تناوله عالم الاجتماع الألماني نوربرت إلياس وطوره لاحقاً عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، مدخلاً مهماً لفهم آليات التكيف الاجتماعي والنفسي مع الأحداث المتكررة، ومن ثم قراءة الكيفية التي تعامل بها السوريون مع حرب امتدت لسنوات طويلة. وعلى رغم أن هذا المفهوم لم يُطرح أصلاً في سياق الحالة السورية، فإنه يوفر إطاراً نظرياً يساعد على تفسير التحولات التي تطرأ على استجابات الأفراد والجماعات حين يصبح العنف جزءاً متكرراً من الحياة اليومية.

العالم نوربرت أشار إلى تحولات تصيب أنماطاً اجتماعية متكررة تقودها نحو تحول في السلوكيات لتصير مع الوقت طبيعية بالنسبة لأصحابها. ولشرح مفهوم تطور النظرية الغربية وإسقاطها على الحالة السورية، يقول أستاذ علم الاجتماع ماهر خضر "واقعية نظرية التطبيع تنطلق من تمكنها إثبات أن الإنسان لا يعود مضطراً للتفكير مرتين أمام الخطر، هو عملياً اعتاده على شكل أصوات انفجارات وقصف وخطف وغير ذلك في الحالة السورية، صار يعرف متى يخرج ومتى يبقى وكيف يتعامل مع النقطة الأمنية والاستدعاء والحواجز وسواها، وكيف يؤمن حماية عائلته، وكيف يواصل يومه بعد حدث جلل في بلاده من دون أن يشل نفسه في عتبة الزمن".

ويكمل "الأهم أن كل ذلك لا يعني أن العنف صار مقبولاً، بل تحول إلى شكل من أشكال الأمر الواقع الذي يجب التكيف معه ضمن خبرة عملية واسعة في إدارته الشخصية، ونظرية نوربرت توضح أن التجارب القاسية الطويلة تعيش في الإنسان وتعشش في سلوكه وتوقعاته وأساليب دفاعه، وهو وسواه من العلماء وضعوا نظرياتهم لشرح الكيفية التي تحول التعامل مع الحدث إلى أسلوب حماية مكتسب".

"روتينية العنف"

تعد تجربة العالمة والباحثة الألمانية في علم الاجتماع جوتا باكوني، الأستاذة في جامعة درهام البريطانية، أقرب التجارب إلى الحالة السورية لارتباط دراساتها الوثيق بالحالة الصومالية، وما استطاعت تقديمه من نقاط فارقة في فهم آلية الصراع والتكيف المتتابع معه، حيث وجدت أن العنف مع حرب ممتدة يصير جزءاً رئيساً دافعاً لتطوير القدرة الروتينية على الاستجابة الفردية له.

الباحث الأكاديمي في شؤون النزاعات سمير الحكيم اطلع بصورة دقيقة وبحكم عمله على دراسات وأبحاث العالمة باكوني، ولخص أهم ما خلصت إليه وكيف يمكن سوقه على الحال السورية، قائلاً "باكوني أكدت من تجربتها أن استمرار العنف يصبح مألوفاً مع الوقت للناس العاديين في محيطه، وعلى رغم أنه مألوف لكنه يحافظ على خصوصيته المقلقة من جهة ثانية، لذا نراها أحياناً تعتمد مصطلح ’روتينية العنف‘ بدل ’التأقلم‘ معه، وهذا يمكن اصطلاحه على الواقع السوري، لأن السوري مهما اعتاد الخوف أو تعايش معه أو مر بلحظات عدمية لكنه في النهاية لا شك يأمل في غد أفضل. أستدل على ذلك بقولي إن كان تكيف مع العنف فلما يفرح للأخبار السارة؟ هذا يعني أنه لم يصل مرحلة اللامبالاة، إنما هو فقط تكيف مع واقع عنيف قائم لا يملك شيئاً من أمر تغييره من دون فقدان القدرة على الحلم بغد أفضل لأطفاله".

الرمزية البصرية

ارتبط طويلاً اسم الأنثروبولوجيا السياسية والكاتبة لوري آلان بالانتفاضة الفلسطينية الثانية من خلال سلسلة أبحاث سياسية ميدانية ودراسات أكاديمية مباشرة ومعمقة تحاكي جوانب التطبيع النفسي والاجتماعي والإعلامي لمجتمعات الحروب. تشغل آلان اليوم منصب باحثة وأستاذة في جامعة لندن، ولا تبدو دراساتها الأكاديمية التي قدمتها بعيدة من الإسقاط على الحال السوري، لا سيما حديثها عن ثقافة القتل والرمزية البصرية والحياة اليومية والتطبيع مع العنف وحقوق الإنسان وغير ذلك.

آلان تحدثت بوضوح عن شيء اسمته "المرور والتدبر" وقصدت به تكيف الفلسطينيين مع الحواجز والقصف والاعتقالات والانتهاكات والهدم والاضطرابات، ليصير استمرار الحياة شكلاً من التكيف المستمر منذ عقود، خصوصاً في ما يتعلق بالعنف اليومي المتكرر، وهي تؤكد أن الناس وعلى رغم كل ما تعرضوا له يحاولون بناء حياة تتماشى وواقع الحال.

وهذا ما يقترب منه عدد من الأكاديميين السوريين في قراءتهم للحالة السورية، في سياقها العام المرتبط بالعنف وتكرار مشاهد القتل، بمعزل عن الاتهامات أو التوصيفات أو الجهات والسلطات المسؤولة عنها. ووفق هذا المنظور، تبدو التجربة السورية وكأنها تتحرك ضمن مسار نفسي - اجتماعي متشابه، فرضته سنوات طويلة من التعرض للعنف وتواتر أحداثه، من دون أن يقود ذلك إلى استنتاج قطعي بأن جميع السوريين قد اعتادوا العنف أو أصبحوا غير مكترثين به.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مرحلة انتقالية على عجالة

مع سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024 لم تتمكن سوريا من التقاط أنفاسها، لا سيما بعد ما شهده الساحل السوري من أحداث وتعديات وصفتها التقارير الأممية والغربية بالجرائم ضد الإنسانية التي أسفرت عن آلاف القتلى والمفقودين على خلفية طائفية، وبعدها في يوليو (تموز) من العام ذاته شهدت السويداء جنوب سوريا، المحافظة الدرزية، تعديات شبيهة أفضت لأرقام قتلى مقاربة، وكلتا المجزرتين أدانهما مجلس الأمن.

سجلت المراصد الحقوقية والإنسانية ومراكز الأبحاث المتخصصة والجهات التابعة للأمم المتحدة سقوط آلاف القتلى وافتتاح عشرات السجون الجديدة وتدوير القديم منها مع حالات اختطاف "سبي" نساء وفتيات وانتهاكات لم تتوقف حتى اليوم.

ويرى سياسيون أن الانتقال السياسي، على أهميته، لم يكن كافياً وحده لوضع حد للأزمة السورية، وإن كان قد أسهم في إنهاء خطوط التماس التقليدية، فإنه لم ينجح بالضرورة في إنهاء أنماط أخرى من الانتهاكات، أو وضع حد للجوء إلى منطق القوة والهيمنة في إدارة الخلافات والصراعات.

وهذا ما جعل الصدمات داخل المجتمع السوري في وتيرة متجددة إذا ما أخذ بالحسبان أن سوريا فعلياً عاشت حالة من الهدوء مع مساري أستانا وسوتشي بين عامي 2018 و2024 في ظل ركود الجبهات حتى اشتعالها مجدداً في الـ27 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 وإعلان المعارضة انطلاق عملية "ردع العدوان" التي انتهت بإسقاط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2024. لتعود بعدها دائرة التطبيع غير المنسية مع الخوف إلى مربعها الأول على شكل صراع داخلي – داخلي يحاسب على الهوية والمنطقة والانتماء والموقف السابق.

بين الاعتياد والتبرير "الانفصال الأخلاقي"

وضع أستاذ علم النفس الاجتماعي الكندي ألبرت باندورا خلال القرن الماضي نظريته الأشهر التي تتعلق بـ"الانفصال الأخلاقي" والتي تتحدث ضمن مضامير كثيرة عن أشياء اجتماعية ونفسية ترتبط بمجتمعات الحروب، واحدة منها تشرح أن اعتياد ضراوة الحرب وظروفها لا يعني تبرير العنف بالضرورة، لكن ذلك يسهم ملياً في خلق بيئة وتصور يصبح فيه أسهل بكثير على الشخص تبرير العنف نفسه إذا ما اقترن الأمر عينه بعوامل أخرى مساعدة.

في هذا السياق، يفسر الأستاذ في التأثير والإدراك الاجتماعي خالد نجيب، استناداً إلى نظرية "الانفصال الأخلاقي"، قدرة الإنسان على التعايش مع مشاهد العنف المتكررة في المجتمعات التي أنهكتها الحروب. ويوضح أن الفرد قد يطور، تحت وطأة الحرب والاستقطاب، آليات نفسية تعطل رقابته الأخلاقية تجاه أفعال عنيفة أو مؤذية تقع من حوله، فيعيد تأويلها وتبريرها على أنها ضرورة لحماية الذات، أو الدفاع عن موقف سياسي، أو الانتصار لجماعة أو فكرة يؤمن بها، حتى وإن ترتب على ذلك إيذاء الآخرين أو التضحية بحقوقهم.

ويشير نجيب إلى أن الأخطر في هذه الآلية هو إمكانية انتقالها إلى الضحية نفسها، بحيث تتحول تجربة الألم التي عاشتها إلى مبرر لقبول ظلم آخر أو التغاضي عنه عندما يقع على طرف مختلف. لكن "من ذاق ويلات الظلم"، كما يقول، يفترض ألا يصبح شريكاً في إعادة إنتاجه، أياً كان الفاعل أو المستهدف. فالمبدأ الذي قامت عليه الانتفاضة السورية، في جوهره، كان رفض الظلم، لا إعادة إنتاجه، ولا نقل المظلوميات من طرف إلى آخر.

ويتابع نجيب أن بعض الشرائح المجتمعية قد تنتقل، في ظروف معينة، من التكيف مع العنف إلى إنتاج خطاب يبرره، وهنا تصبح المسافة بين التعايش مع العنف وتقبله بالغة الخطورة والحساسية. فقتل الآخر لا يمكن أن يتحول إلى فعل قابل للتسويغ أو التبرير أو القبول، مهما كانت دوافعه أو مبرراته. ولعل أخطر ما يترتب على التطبيع مع العنف هو إعادة تشكيل الحدود النفسية والأخلاقية بين الألم الذي عاشه الإنسان بوصفه تجربة شخصية، والألم الذي قد يصبح مقبولاً حين يقع على الآخرين.

تعلم التحمل

ثمة فارق جوهري بين القول إن السوري أصبح أقل إحساساً بالألم، وبين القول إنه بات أكثر قدرة على تحمله. فالتجربة الطويلة مع الحرب لا تعني بالضرورة تراجع الإحساس بالوجع، بقدر ما تعني تطوير وسائل للتعامل معه والاستمرار على رغم حضوره. وبعيداً عن اختلاف طرق مواجهة الألم، فردياً وجماعياً، داخل المجتمع السوري، تبدو الحقيقة الأوسع أن أي مجتمع، مهما تراكمت عليه الكوارث، لا يستطيع أن يبقى أسير الصدمة الأولى إلى ما لا نهاية.

فالحياة تستمر بكل تفاصيلها، في العمل والأسرة والعلاقات والأحلام، وفي لحظات الفرح الصغيرة التي تجد طريقها إلى الناس على رغم ثقل التجربة. وسيضحك السوري، وربما يخفي خلف ضحكته إرثاً طويلاً من الخوف والألم والخسارات، لكنه بذلك لا يعلن نسيان ما عاشه، ولا يعني أنه أصبح غير مبالٍ به، وإنما يكشف عن قدرة على مواصلة الحياة على رغم كل شيء.

لذلك، لا تختصر التجربة السورية في مقولة إن السوريين "اعتادوا الخوف"، بل ربما الأدق أنهم تعلموا كيف يعيشون إلى جواره، وكيف يضعونه في هامش تفاصيلهم اليومية من دون أن يسمحوا له بابتلاع حياتهم. وبين الخوف من غدٍ قد يحمل أخطاراً جديدة، والأمل في مستقبل أفضل، تستمر الحياة السورية في البحث عن مساحة ممكنة للعيش.

ولعل مقولة المسرحي السوري الراحل سعد الله ونوس: "إننا محكومون بالأمل، وما يحدث اليوم لا يمكن أن يكون نهاية التاريخ"، تختصر جوهر هذه المفارقة، فالأمل ليس ترفاً في مجتمع أنهكته الحرب، بل شرطاً للاستمرار. وربما كان فقدان الأمل، في نهاية المطاف، أخطر من الاعتياد على العنف.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير