Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إيران تعيد هيكلة غرفة الحرب... الايجابيات والسلبيات المحتملة

ماذا يعني دمج هيئة الأركان العامة و"مقر خاتم الأنبياء"؟

قد يسهم النموذج الجديد للقيادة العسكرية في تسريع عملية اتخاذ القرار في ظروف الحرب، والحد من الخلافات أو ازدواجية العمل بين الجيش و"الحرس الثوري" ومختلف المقار العسكرية (أ ف ب)

ملخص

يمثل دمج هيئة الأركان العامة ومقر خاتم الأنبياء تحولاً لافتاً في بنية القيادة العسكرية الإيرانية، إذ يسعى النظام إلى إنشاء مركز موحد لرسم السياسات وإدارة العمليات الحربية، في أعقاب مقتل عدد من كبار قادته خلال الحرب الأخيرة، وما كشفته تلك المواجهات من ثغرات في منظومة القيادة والسيطرة.

تكشف القرارات الجديدة المنسوبة إلى المرشد الإيراني مجتبى خامنئي في شأن كبار القادة العسكريين في النظام، إلى جانب إعادة حسين طائب إلى أحد أهم المناصب في "الحرس الثوري"، عن تغيير هيكلي مهم في القوات المسلحة الإيرانية، يتمثل في دمج هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة و"مقر خاتم الأنبياء المركزي". وإذا اكتملت هذه العملية، فقد تعيد تشكيل منظومة القيادة العسكرية في النظام الإيراني، بعد مقتل عدد كبير من كبار قادته خلال الحروب الأخيرة.

وأعلنت وسائل الإعلام الحكومية الإيرانية أن مجتبى خامنئي عيّن، يوم الإثنين 10 أغسطس (آب) الجاري، علي عبد اللهي، قائد "مقر خاتم الأنبياء المركزي"، رئيساً لهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، وطالبه في قرار التعيين باستكمال عملية دمج هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة و"مقر خاتم الأنبياء المركزي"، وهي عملية قال إنها بدأت بقرار اتُخذ خلال فترة قيادة والده.

ومع ذلك، وخلافاً لما جرت عليه العادة في السابق، لم يعلن عن تعيين شخص آخر خلفاً لعبد اللهي في قيادة "مقر خاتم الأنبياء المركزي". ويشكل ذلك، إلى جانب العبارة الصريحة في شأن استكمال عملية الدمج، أول مؤشر مهم إلى احتمال ألا يبقى "مقر خاتم الأنبياء" بصيغته الحالية كقيادة مستقلة، وأن تُدمج أقسامه العملياتية ضمن الهيكل الجديد لهيئة الأركان العامة.

لكن ما الفرق الذي كان قائماً حتى الآن بين المؤسستين؟

تعد هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، أعلى مؤسسة عسكرية في النظام الإيراني تحت إشراف القائد العام للقوات المسلحة. وبخلاف الجيش و"الحرس الثوري"، فهي ليست قوة قتالية مستقلة تضم وحدات ميدانية، بل تتمثل مهمتها الأساسية في رسم السياسات الدفاعية العليا، والتخطيط، والتنسيق، والإشراف على مجمل القوات المسلحة، بما في ذلك الجيش، و"الحرس الثوري"، وقيادة قوات إنفاذ القانون.

وبعبارة أبسط، كان من المفترض أن تؤدي هيئة الأركان العامة دور العقل الإداري للقوات المسلحة، فتضع الاستراتيجيات العامة وتنسق أنشطة المؤسسات العسكرية المختلفة. أما "مقر خاتم الأنبياء المركزي"، فكان ذا طابع عملياتي أكثر، ولا ينبغي الخلط بينه وبين "مقر خاتم الأنبياء للبناء"، الذراع الاقتصادية والمقاولاتية للحرس الثوري، أو "مقر خاتم الأنبياء للدفاع الجوي".

وتعود جذور هذا المقر إلى الحرب الإيرانية - العراقية. وتصفه وسائل الإعلام الحكومية بأنه أهم مقر مشترك للقوات المسلحة، ويتولى في أوقات الحرب موقع القيادة العليا للقوات التابعة للجيش و"الحرس". وتتمثل مهمته الأساسية في تصميم العمليات المشتركة وتنسيقها وقيادتها، أي أنه يمثل الجهة التي تحول القرارات العسكرية العليا إلى أوامر عملياتية للقوات البرية والبحرية والجوية والصاروخية.

 

وبناءً على ذلك، كان هناك، قبل الدمج، نوع من تقسيم المهام بين الهيكلين: تتولى هيئة الأركان العامة رسم السياسات والتنسيق على المستوى الاستراتيجي، فيما يؤدي "مقر خاتم الأنبياء المركزي" دور غرفة الحرب والقيادة العملياتية.

وتتضح أهمية هذا الفصل بصورة أكبر في زمن الحرب، إذ يستطيع قائد "مقر خاتم الأنبياء" تنسيق العمليات المشتركة بين الجيش و"الحرس الثوري"، كذلك ترتبط المقار الإقليمية والعملياتية بهذا المركز ضمن سلسلة القيادة في زمن الحرب. ولهذا السبب، كان غلام علي رشيد، الذي تولى قيادة المقر منذ عام 2016، أحد أبرز أهداف إسرائيل في بداية حرب الأيام الـ12. وبعد مقتل رشيد، ثم علي شادماني، الذي استُهدف بعد أيام قليلة فقط من تعيينه خلفاً له، تولى علي عبد اللهي رسمياً قيادة المقر في سبتمبر (أيلول) 2025.

كذلك عين كيومرث حيدري، الذي كان يشغل منذ ديسمبر (كانون الأول) 2025، منصب نائب قائد "مقر خاتم الأنبياء المركزي"، نائباً لرئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة. ويشكل انتقال عبد اللهي وحيدري، وهما شاغلا المنصبين الأول والثاني في "مقر خاتم الأنبياء"، إلى المنصبين الأول والثاني في هيئة الأركان العامة، مؤشراً آخر إلى تحويل الهيكلين إلى مركز قيادة موحد. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وربما تكون التطورات العسكرية خلال الأشهر الأخيرة قد زادت من أهمية "مقر خاتم الأنبياء" أكثر من أي وقت مضى. فبعد مقتل عبد الرحيم موسوي في هجمات 28 فبراير (شباط) الماضي، وبقاء منصب رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة شاغراً، أصبح عبد اللهي عملياً أحد أهم القادة العسكريين في النظام الإيراني، وبرز خلال الحرب وفترات وقف إطلاق النار في مواقف متكررة في شأن ملفات من بينها مضيق هرمز.

وقد يحوّل دمج المؤسستين الآن هذا الوضع الاستثنائي الذي فرضته ظروف الحرب إلى هيكل دائم.

أهم نتائج هذا التغيير هي تقصير سلسلة القيادة. ففي الهيكل السابق، كان هناك فصل تنظيمي بين مستوى رسم السياسات والإشراف الذي تتولاه هيئة الأركان العامة، ومستوى تخطيط العمليات وتنفيذها الذي يضطلع به "مقر خاتم الأنبياء المركزي". أما مع دمج المؤسستين، فسيكون رئيس هيئة الأركان العامة قادراً على الإشراف في الوقت نفسه على التخطيط الاستراتيجي والقيادة المشتركة للعمليات.

وقد يسهم هذا النموذج في تسريع عملية اتخاذ القرار في ظروف الحرب، والحد من الخلافات أو ازدواجية العمل بين الجيش و"الحرس الثوري" ومختلف المقار العسكرية. وهي مسألة اكتسبت أهمية أكبر بالنسبة إلى البنية العسكرية للنظام الإيراني بعد الهجمات الواسعة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل، ومقتل عدد من كبار القادة تباعاً.

في المقابل، يؤدي تركيز القيادة بصورة أكبر إلى نشوء نقطة ضعف جديدة أيضاً. فقد كان خطر تمركز القادة ومراكز صنع القرار أحد أبرز الدروس التي استخلصها النظام الإيراني من الحروب الأخيرة. وأظهر مقتل أجيال عدة من كبار القادة خلال فترة زمنية قصيرة أن استهداف قمة سلسلة القيادة يمكن أن يؤدي سريعاً إلى اضطراب المستويات الأدنى. ومن ثم، فإن دمج مركزي القيادة الرئيسَين، على رغم ما قد يوفره من سرعة في اتخاذ القرار، قد يزيد أيضاً من اعتماد البنية العسكرية على مركز قيادة واحد. 

كذلك يحمل اختيار علي عبد اللهي لتنفيذ هذا التغيير دلالة خاصة، إذ يمتلك خبرة في جانبي الهيكلين. فقد شغل سابقاً منصب نائب رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة لشؤون التنسيق، ثم تولى قيادة "مقر خاتم الأنبياء المركزي". وبذلك، فإن القائد الذي كان مسؤولاً خلال الأشهر الماضية عن إدارة غرفة الحرب في النظام، كُلِّف الآن بدمج هذه البنية العملياتية نفسها في أعلى مؤسسة عسكرية في البلاد.

ولم تعلن حتى الآن تفاصيل الهيكل الجديد، أو كيفية توزيع المناصب والنواب، أو مصير مسمى "مقر خاتم الأنبياء المركزي". ولذلك، لا يمكن الجزم بما إذا كان هذا المقر سيُحَل رسمياً، أم سيستمر باسمه مع تحوله إلى جزء من هيئة الأركان العامة. غير أن عدم صدور قرار بتعيين قائد جديد للمقر، بالتزامن مع التشديد على استكمال عملية الدمج، يعزز احتمال انتهاء نشاطه ككيان مستقل.
وإذا اكتمل تنفيذ هذه الخطة، فإن النظام الإيراني سيتجه عملياً نحو إنشاء مركز موحد لرسم السياسات والتنسيق وقيادة الحرب. ويبدو أن هذا التغيير يتجاوز كونه إصلاحاً إدارياً، ليكون نتيجة مباشرة لتجارب الحروب الأخيرة، ومقتل القادة تباعاً، ومحاولة إعادة بناء سلسلة قيادة القوات المسلحة قبل اندلاع جولة محتملة جديدة من المواجهات العسكرية.


نقلاً عن "اندبندنت فارسية"

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات