ملخص
سجلت سوريا، وفق تقرير أولي نشره مرصد الألغام والذخائر العنقودية في يونيو الماضي أعلى عدد من الضحايا في العالم خلال عام 2025، بسبب انفجار الألغام الأرضية ومخلفات الحرب، مع جرح ومقتل 1600 شخص.
في منزل متواضع بريف دمشق، تمرر ملكة بربور يدها على رأس طفلها حيدر الذي تغطي وجهه ندوب تركها انفجار مخلفات حرب أودى بشقيقه، داخل بلد تحصد فيه الذخائر غير المنفجرة ضحية كل ست ساعات، وتؤخر تعافيه بعد حرب استمرت 13 عاماً.
تروي الأم المفجوعة كيف خرج أطفالها من المنزل قبل نحو ثمانية أشهر لجمع البلاستيك ومواد قابلة للاشتعال بغرض التدفئة، وتقول لوكالة الصحافة الفرنسية "لم يعرفوا أن من بين ما جمعوه جسم من مخلفات الحرب".
وانفجر الجسم نفسه بعد ذلك في المدفأة، وأسفرت الحادثة عن جرح حيدر (10 سنوات) وشقيقه غيث (سبع سنوات)، أما شقيقهما أحمد (17 سنة) فقد فارق الحياة إثر إصابته بشظية تسببت بنزف حاد.
وتقول الوالدة، وهي مزارعة في الـ40 من عمرها، "حطمتنا وفاته وكسرت قلوبنا"، تزامناً مع حملها صورة له.
منذ إطاحة الحكم السابق في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2024، سجلت آلية تنسيق خاصة بسوريا تضم منظمات دولية وغير حكومية تقودها دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام، 1337 حادثة ناجمة عن ذخائر متفجرة، خلفت 2375 قتيلاً وجريحاً، بينهم أكثر من 850 طفلاً، ويُرجح أن تكون الحصيلة الفعلية أعلى من ذلك.
يعد ملف الألغام والذخائر غير المنفجرة من بين أكثر الملفات الشائكة المرتبطة بالحرب التي شهدتها البلاد لأكثر من 13 عاماً، وعمدت فيها أطراف عدة إلى زرع الألغام في مختلف المناطق.
منذ مقتل أحمد، تعيش ملكة وعائلتها حالاً من الحزن، وتقول "لم يعد للحياة طعم منذ فقدانه"، مضيفة "أشعر بالخوف كلما خرج أحد أولادي من المنزل، كما لو أن قلبي يحترق".
وسجلت سوريا، وفق تقرير أولي نشره مرصد الألغام والذخائر العنقودية في يونيو (حزيران) الماضي أعلى عدد من الضحايا في العالم خلال عام 2025، بسبب انفجار الألغام الأرضية ومخلفات الحرب، مع جرح ومقتل 1600 شخص.
نقص موارد ومعدات
منذ مطلع العام الحالي رصدت منظمة "هالو تراست"، أكبر المنظمات الإنسانية الدولية المتخصصة في إزالة الأجسام غير المنفجرة حول العالم، جرح ومقتل قرابة 700 شخص جراء انفجار الألغام ومخلفات الحرب، أسفر ثلثها عن وفيات وشكل الأطفال نحو ثلث الضحايا.
ويقول مدير برنامج المنظمة في سوريا سايمون جاكسون لوكالة الصحافة الفرنسية إن انفجار المخلفات يؤدي إلى "قرابة حالة وفاة أو جرح واحد كل ست ساعات" كمعدل وسطي.
وشهد مطلع عام 2025 ارتفاعاً حاداً في عدد الحوادث مع اندفاع النازحين للعودة إلى مناطقهم بعد إطاحة الحكم السابق، وفق جاكسون. ووقع أكثر من 60 في المئة منها داخل الأراضي الزراعية أو مناطق الرعي.
وفي مناطق عدة، تعمل فرق متخصصة بالتنسيق مع السلطات السورية للتصدي لخطر مخلفات الحرب، بينها "هالو تراست".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويوضح جاكسون أن الذخائر غير المنفجرة تمنع الناس من "إعادة بناء منازلهم وأعمالهم، وتمنع المزارعين من إعادة زراعة محاصيلهم"، وتشكل بالتالي "عائقاً أمام تعافي المجتمعات وتعافي سوريا".
وتتطلب إزالة مخلفات الحرب جهوداً كبيرة، ويشرح جاكسون "حتى لو ضاعفنا وتيرة العمل، سنحتاج إلى 10 أعوام في الأقل"، مضيفاً "نحن نتحدث عن 20 أو 30 عاماً لحل هذه المشكلة، وحتى تتمكن الحكومة السورية من تولي مسؤولية الأخطار المتبقية الناجمة عن المخلفات التي يعثر عليها".
في حي جوبر على أطراف دمشق، حيث دارت معارك ضارية خلال أعوام الحرب، تعمل فرق المنظمة منذ أشهر بين أبنية مهدمة وكتل من الركام والمعادن.
ويوضح مسؤول العمليات داخل المنطقة الجنوبية في سوريا حسين قزحلي، والذي يعمل لدى المنظمة، أنه خلال نحو ثمانية أشهر من العمل في الحي، لم تتمكن فرق المنظمة إلا من تطهير قرابة 200 ألف متر مربع من الطرق.
ويشرح أن كثرة الركام والمعادن والشظايا تعقد عمليات الكشف، إضافة إلى نقص الموارد والعاملين المدربين والمعدات المتطورة.
بلا خرائط
في بلدة قارة بريف دمشق، تشق كاسحة ألغام تابعة لفرق الهندسة العسكرية طريقها داخل أرض قاحلة، بينما تتصاعد سحب التراب والدخان إثر عمليات تفجير متتالية، وعلى مقربة منها يفحص عناصر يرتدون بزات واقية ألغاماً وذخائر قبل تجميعها وتلفها.
ويقول مصدر في وحدات الهندسة التابعة لوزارة الدفاع، لوكالة الصحافة الفرنسية، إن الوزارة تنفذ خطة تدريجية لتطهير الأراضي وفق الأولويات، خصوصاً المناطق المأهولة والطرق والأراضي الزراعية.
لكن العمل، وفق المصدر، يصطدم بتحديات أبرزها "غياب خرائط بعض حقول الألغام، واتساع المساحات الملوثة"، إلى جانب خطورة بعض الذخائر.
وتعتمد عمليات الكشف، بحسب ما يشرح، إلى حد كبير على الخرائط المتوافرة وبلاغات السكان والمسح الميداني، مشيراً إلى أن أكثر ما تواجهه الفرق ألغام مضادة للأفراد وأخرى مضادة للآليات.
ومنذ سقوط الحكم السابق، قُتل 47 عنصراً من الجيش وجُرح أكثر من 90 جراء الألغام ومخلفات الحرب، بحسب المصدر.
ولا تملك الوزارة حتى الآن تقديراً دقيقاً لمساحة الأراضي المزروعة بالألغام، إذ يقول المصدر إن عمليات الكشف المستمرة تفضي بصورة يومية إلى اكتشاف مواقع جديدة، ويوضح "لا نستطيع تحديد مدة زمنية دقيقة" لإنجاز عمليات إزالة الألغام التي تخلف يومياً قتلى وجرحى.