ملخص
تكشف سلسلة الإقالات والاستقالات المتلاحقة داخل البنتاغون عن حجم الاضطراب الذي يواجهه فريق وزير الحرب بيت هيغسيث. وبينما تصر الإدارة على أن التغييرات جزء من عملية إعادة هيكلة ضرورية، تشير التقارير الواردة من داخل المؤسسة العسكرية إلى صدامات متكررة وخلافات عميقة حول إدارة الحرب، وتحديث الجيش، ومستقبل القيادة العسكرية الأميركية.
أصبح وزير الجيش الأميركي دان دريسكول أحدث مسؤول عسكري رفيع المستوى يغادر البنتاغون، في خطوة تأتي وسط تقارير متزايدة عن توترات متفاقمة بينه وبين وزير الحرب بيت هيغسيث.
ولم يعلن أي سبب رسمي لمغادرة دريسكول بعد 18 شهراً قضاها في المنصب، غير أن القرار جاء بعدما ذكرت "سي أن أن" و"رويترز" أنه كان على خلاف مع هيغسيث منذ أشهر عدة.
وبحسب مصادر نقلت عنها مجلة "ذي أتلانتيك"، فإن دريسكول أثار داخل الإدارة مخاوف تتعلق ببرامج تحديث الجيش ومدى جهوزيته القتالية، معتبراً أن هيغسيث عرقل تلك الجهود من خلال إقالة الجنرالات المسؤولين عنها. لكن مساعيه لم تحقق النتيجة المرجوة.
وتضيف المجلة أن الرئيس دونالد ترمب بدا "مُفَاجَأً وقلقاً" من العدد الكبير للمغادرين من وزارة الحرب، ومن المستوى الرفيع للمناصب التي طاولتها الإقالات. وتشير أيضاً إلى أن عدد الجنرالات العاملين داخل الوزارة بات الأدنى منذ أعوام طويلة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي في بيان تعليقاً على أحدث المغادرين: "كان الوزير دريسكول فعالاً للغاية في دفع أجندة الرئيس ترمب الرامية إلى ’جعل أميركا قوية مجدداً‘ داخل وزارة الجيش، إذ قدم قيادة متميزة خلال عمليات عسكرية تاريخية، وأعاد التركيز على الجاهزية والقدرة القتالية، وساعد في المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا، وغيرها من المهام".
وأضافت: "بفضل عمله إلى جانب القائد الأعلى ووزير الحرب، أصبح الجيش الأميركي أقوى من أي وقت مضى".
وتواصلت "اندبندنت" مع البنتاغون والجيش الأميركي للحصول على مزيد من التعليقات.
وكان دريسكول، وهو من قدامى المحاربين في العراق ومستثمر في قطاع التكنولوجيا، قد ارتبط بعلاقة صداقة وثيقة مع نائب الرئيس جي دي فانس منذ دراستهما معاً في كلية الحقوق بجامعة ييل.
وعندما رشحه ترمب عام 2024، وصفه بأنه "شخص يهز المؤسسات ويقود التغيير". وقد عزز دريسكول تلك الصورة من خلال دعمه القوي لتطوير تقنيات الحرب بالطائرات المسيرة، قبل أن يقرر هيغسيث الشهر الماضي إغلاق وحدة أوروبية متخصصة في هذا المجال وإعادتها إلى مهامها التقليدية كوحدة مشاة محمولة جواً.
منذ توليه وزارة الحرب، ارتبط اسم هيغسيث بحال مستمرة من الاضطراب داخل البنتاغون. فقد خاض معارك مفتوحة ضد التعيينات المرتبطة ببرامج التنوع والمساواة والشمول، وضد القيم التي يصفها بـ"اليقظة"، في وقت شدد على الولاء الشخصي وأهمية بناء عقلية قتالية أكثر تشدداً داخل المؤسسة العسكرية.
وتوج هذا النهج بخوض حرب غير شعبية كانت الإدارة قد تلقت تحذيرات من الانخراط فيها، وتهدد الآن باستنزاف مخزونات الذخيرة الأميركية على نحو خطر.
وعلى رغم محاولات الوزارة التحكم بالسردية الإعلامية، تواصلت التقارير التي تتحدث عن أجواء من الشك والارتياب والصراعات الداخلية، ووصل الأمر إلى حد وصف بعض المسؤولين الأجواء السائدة بأنها أقرب إلى "خلافات مراهقين في مدرسة متوسطة". وأكد مسؤولون سابقون أنهم أُبعدوا بسبب اعتراضهم على بعض الأوامر، فيما بدأ مشرعون جمهوريون يعربون عن فقدانهم الثقة في الوزير.
ويأتي ذلك أيضاً في وقت تتزايد المخاوف من طول أمد الحرب مع إيران، التي دخلت شهرها السابع أخيراً من دون أن تلوح لها نهاية في الأفق.
وحذر تقييم حديث للبنتاغون هيغسيث من أن الإبقاء على المستوى الحالي من العمليات العسكرية ضد طهران قد يحد من قدرة الولايات المتحدة على الاستجابة للتهديدات في أماكن أخرى وحماية أراضيها، وفقاً لتقرير نشرته "واشنطن بوست" الأسبوع الماضي.
في ما يلي نظرة على عدد من أبرز الشخصيات الأخرى التي غادرت مناصبها بدفع من هيغسيث.
الجنرال تشارلز كيو. براون الابن
كان براون أول ضحايا هيغسيث الكبار، فقد أقيل رئيس هيئة الأركان المشتركة في فبراير (شباط) 2025 بعدما أمضى أربعة عقود في الخدمة العسكرية، ليحل محله الفريق دان "رايزن" كين.
وكان براون، الذي دخل التاريخ بوصفه أول أميركي أسود يتولى رئاسة أركان القوات الجوية، قد أمضى 16 شهراً في المنصب، وكان يتوقع أن يواصل ولايته حتى خريف عام 2027.
وقال ترمب في بيان أعلن فيه ترشيح كين إن سلفه جو بايدن كان قد "تجاهله"، في ما بدا أنه انتقاص من براون، الذي وصفه ترمب في الوقت نفسه بأنه "رجل محترم وقائد بارز".
الأدميرال ليزا فرانكيتي
في الشهر نفسه، أطاح هيغسيث بالأدميرال ليزا فرانكيتي، التي كانت أول امرأة تتولى منصب رئيسة العمليات البحرية وأول امرأة تنضم إلى هيئة الأركان المشتركة، من دون تقديم أي تفسير رسمي.
وكان بايدن قد رشحها متجاهلاً خيار وزير دفاعه نفسه، لويد أوستن، بعدما اقتنع بخبرتها الواسعة في القيادة واتخاذ القرارات التنفيذية.
وأثار اعتراض هيغسيث عليها مخاوف بين نساء أخريات في القوات المسلحة، خشية أن يواجهن أيضاً عراقيل تحول دون تقدمهن في مسيرتهن المهنية.
الجنرال تيم هوغ
التالي في قائمة المغادرين كان مدير وكالة الأمن القومي الأميركية، الذي أًقيل إلى جانب نائبته ويندي نوبل في أبريل (نيسان) من العام الماضي.
وأفادت تقارير بأن رحيل هوغ ونوبل جاء بعد مشاورات مع الناشطة المؤيدة لحركة "ماغا" لورا لومر، التي أعلنت عبر منصة "إكس" أنهما أُقيلا لأنهما كانا "غير موالين للرئيس ترمب"، وأنهما "اختارهما" رئيس هيئة الأركان المشتركة السابق الجنرال مارك ميلي.
وأدى الدور الذي لعبته لومر في عمليتي الإقالة إلى إثارة مخاوف في أروقة الكونغرس.
نائبة الأدميرال شوشانا تشاتفيلد
بعد أربعة أيام من إقالة هوغ، أُعفيت قائدة مروحيات سابقة في البحرية ومن قدامى المحاربين من منصبها ممثلة للولايات المتحدة لدى اللجنة العسكرية لحلف شمال الأطلسي (الناتو).
وجاء ذلك بعدما ورد أن اسمها ظهر على قائمة تضم شخصيات داعمة لتيار "اليقظة" أعدتها إدارة ترمب، التي اعترضت على نشاطها السابق في الدفاع عن التنوع داخل القوات المسلحة.
وبحسب وكالة "أسوشيتد برس"، أبلغها الأدميرال كريستوفر غرايدي، الذي كان يتولى آنذاك رئاسة هيئة الأركان المشتركة بالإنابة، بأن الإدارة تريد انتهاج مسار مختلف.
الجنرال ديفيد ألفين
وفي أغسطس (آب) التالي، أُقيل رئيس أركان القوات الجوية بالحجة ذاتها التي وجهت إلى تشاتفيلد، مما دفعه إلى التقاعد قبل عامين من انتهاء ولايته التي تمتد أربعة أعوام.
وأُشيد بألفين تقديراً لجهوده "الإصلاحية الكبيرة" خلال توليه المنصب، لكن مصدراً مطلعاً قال لـ"واشنطن بوست" إن تقاعده المبكر "لم يكن بالتأكيد خياره".
ومع ذلك، أصدر الجنرال بياناً قال فيه: "أكثر ما أشعر بالفخر به هو أنني كنت جزءاً من فريق الطيارين الذين يطبقون قيمنا الأساس المتمثلة في النزاهة والخدمة والتميز كل يوم، بينما نستعد للدفاع عن هذه الأمة العظيمة".
الفريق جيفري كروز
ولم تتوقف المغادرات في ذلك الشهر، إذ شملت كروز، الذي كان يترأس وكالة استخبارات الدفاع، بعدما خلصت الوكالة إلى أن الضربات الجوية التي نفذتها إدارة ترمب ضد المنشآت النووية الإيرانية في إطار عملية "مطرقة منتصف الليل" كانت أقل فاعلية مما ادعى ترمب وهيغسيث.
وبينما أصر الرئيس ووزيره مراراً على أن قدرات إيران "دُمرت بالكامل"، أصدرت وكالة استخبارات الدفاع تقريراً يشير إلى أن البرنامج لم يتراجع سوى بضعة أشهر، مما أثار غضب ترمب.
وغادر منصبيهما في تلك الفترة كل من نائبة الأدميرال نانسي لاكور والأدميرال الخلفي ميلتون ساندز، اللذان كانا يتوليان على التوالي رئاسة قوات الاحتياط البحرية وقيادة قوات العمليات الخاصة التابعة للبحرية.
الجنرال راندي جورج
بعد فترة من الهدوء النسبي، باستثناء مغادرة الفريق ذي الثلاث نجوم جو ماكغي من هيئة الأركان المشتركة في البنتاغون خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أقال هيغسيث رئيس أركان الجيش في أبريل من هذا العام، في قرار ربما كان الأكثر إثارة للجدل، وجاء بعد ما يزيد قليلاً على شهر من اندلاع الصراع مع إيران.
وأفادت تقارير بأن إقالة الجنرال المخضرم الحاصل على أوسمة جاءت بعد خلاف آخر مع هيغسيث، وسادت أجواء من التأثر عندما أبلغ زملاءه بخبر إقالته، فيما قوبل الخبر باستياء في الكونغرس، إذ طالبت لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الوزير بتفسير.
ومنذ ذلك الحين، حل الجنرال كريستوفر لانييف مكانه في منصب أعلى ضابط في الجيش بالإنابة، لكنه لم يحصل بعد على تصديق مجلس الشيوخ.
وزير البحرية جون فيلان
وبعد ثلاثة أسابيع من إقالة جورج، أطاح هيغسيث بوزير البحرية، واستبدله بوكيل الوزارة آنذاك هونغ كاو بالإنابة، وذلك بعد وقت قصير من إقدام إيران على إغلاق مضيق هرمز، مما أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط العالمية.
وقال مسؤول كبير داخل الإدارة لـ"اندبندنت" في ذلك الوقت: "اتفق الرئيس ترمب والوزير هيغسيث على أن البحرية تحتاج إلى قيادة جديدة".
ومنذ ذلك الحين، ظهرت إلى العلن محنة البحارة على متن حاملة الطائرات "يو أس أس أبراهام لينكولن"، التي حولت إلى الخليج بسبب الحرب وعانى طاقمها نقصاً في الحاجات الأساس، مما سلط الضوء على الضغوط التي تفرضها الحرب على موارد الجيش الأميركي.
الجنرال كريستوفر دوناهيو
قبل دريسكول، كان أحدث المغادرين من قمة الهرم العسكري قائد القوات الأميركية في أوروبا وأفريقيا.
وكان دوناهيو قد اشتهر بكونه آخر جندي أميركي يغادر أفغانستان عام 2021، وتمتع بمسيرة عسكرية متميزة قاد خلالها وحدات من قوات دلتا الخاصة في العراق وأفغانستان، قبل أن يتولى قيادة الفرقة 82 المحمولة جواً.
ومنذ ذلك الحين، تولى اللواء كريستوفر نوري، نائب دوناهيو، مهامه موقتاً.
© The Independent