Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

صحافة الساحل الأفريقي يخنقها العسكر ويلاحقها المتشددون

"مراسلون بلا حدود" تحذر من "منطقة خالية من الإعلام" مع تزايد الاعتقالات والتصفية والمخاطر المتربصة بأبناء المهنة

تشكلت في هذه الدول بيئة غير مستقرة سياسياً، وطاردة للصحافيين، ومناهضة للعمل المدني والحزبي (أ ف ب)

ملخص

يواجه الصحافيون في دول الساحل الأفريقي تحديات كبرى، منها عمل السلطة العسكرية الحاكمة على تكريس السردية الواحدة، فضلاً عن تهديدات الجماعات المتشددة، مما خلق بيئة غير ملائمة لممارسة العمل الصحافي، بينما حذرت منظمات من أن تصبح المنطقة خالية من الإعلام.

شهدت منطقة الساحل الأفريقي وغرب أفريقيا خلال السنوات الأخيرة تحولات سياسية عميقة إثر تولي المؤسسة العسكرية، في دول مالي وبوركينا فاسو والنيجر وغينيا، الحكم بعد إطاحة السلطات المدنية، وطرد القوات الفرنسية التي كانت منتشرة في كل من مالي وبوركينا فاسو والنيجر والتشاد.

وتخيم اليوم التوترات الأمنية والسياسية على منطقة الساحل الأفريقي، وبخاصة مع تمدد الجماعات المتطرفة والمسلحة التي باتت تشكل تحدياً أمنياً حيوياً لحكومات تلك الدول.

كما تشكلت في هذه الدول بيئة غير مستقرة سياسياً، وطاردة للصحافيين، ومناهضة للعمل المدني والحزبي، بينما تتربص الجماعات المسلحة بمؤسسات تلك الدول من خلال العمليات المسلحة ومحاولات قطع الإمدادات وترويع السكان.

ووجد الصحافيون أنفسهم في هذه المنطقة بين فكي المجالس العسكرية الحاكمة، وهجمات الجماعات المتشددة، مما جعل ممارسة مهنة الصحافة محفوفة بالأخطار.

ففي مالي التي عرفت انقلابات عسكرية متلاحقة في أغسطس (آب) 2020 ومايو (أيار) 2021، يواجه الصحافيون صعوبات كبرى في الوصول إلى المعلومة، كما تتولى الهيئة العليا للاتصال مراقبة مضامين المحطات الإذاعية والتلفزية، وعلقت بث محطات إذاعية وقنوات تلفزيونية عدة بسبب برامج انتقدت السلطات، كما منعت وسائل الإعلام من تغطية جميع الأنشطة السياسية.

وراء اسم مستعار

عثمان صحافي وناشط سياسي مدافع عن الحقوق والحريات من مالي، يفضل عدم الكشف عن هويته كاملة خوفاً من الملاحقات الأمنية أو الاحتجاز القسري الذي تمارسه السلطات في بلاده، يقول "الوضع هنا كارثي، غالب الزملاء من الصحافيين والصحافيات بخاصة لا يكشفون عن هوياتهم، ولا يتطرقون إلى المواضيع التي تهم الناس، بينما تضغط السلطة العسكرية على المؤسسات الإعلامية التي انحسر دورها في رصد الأحداث وتقديم الرواية الرسمية من دون الخوض في التفاصيل والتداعيات أو نشر الآراء والمواقف التي تنقد سردية السلطة الحاكمة".

وبخصوص نشاط الجماعات المتشددة، يضيف عثمان أنها "تتربص بالصحافيين وتلاحقهم أينما تحركوا، ونجحت في تصفية عدد منهم، لذلك يلتجئ عدد  من الصحافيين إلى التخفي وراء أسماء مستعارة، أو التعاون مع وسائل إعلام أجنبية بطرق ملتوية، حتى لا يقعوا في قبضة السلطة أو الجماعات المتشددة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي بوركينا فاسو، ومنذ وصول إبراهيم تراوري إلى السلطة عام 2022، تراجعت البلاد في مؤشر حرية الصحافة العالمي، الصادر عن منظمة "مراسلون بلا حدود"، وسط تصاعد الانتقادات الدولية لأوضاع الإعلام وحرية التعبير في البلاد.

وبدت مريم (اسم مستعار)، الصحافية المدافعة عن حقوق المرأة، متوجسة من الأسئلة التي وجهناها إليها، ورفضت في البداية بشدة الخوض في مسألة الحريات والحقوق في بلادها، متعللة بعدم درايتها بهذه المواضيع، ثم وبحذر شديد، أشارت إلى صعوبة التصريح في هذه القضايا بسبب المضايقات والملاحقات المتواصلة، معتبرة أن "الواقع مخيف ولا يساعد في ممارسة أي نشاط سواء حقوقي أم إعلامي، مكتفية بالتعبير عن أملها في أن يتغير الحال إلى الأفضل"، ثم قطعت الاتصال.

وتواجه دول المنطقة تحديات أمنية كبيرة بسبب توسع انتشار الجماعات المتشددة، ويضع الحكم العسكري محاربة الإرهاب ونشر الأمن ضمن أولوياته، ووفق مقاربته التي لا تقبل النقد سواء من المؤسسات الإعلامية أو المدنية.

 وكانت منظمة "مراسلون بلا حدود" نشرت أخيراً تحقيقاً اتهمت فيه كتيبة "التدخل السريع للاتصالات" في بوركينا فاسو بالعمل كـ"ميليشيات رقمية" تستهدف الصحافيين، وتشن حملات تضليل إلكترونية لصالح السلطة.

في المقابل، رفضت الحكومة تلك الاتهامات، مؤكدة دعمها الكامل لفريق حكومي ينشط على وسائل التواصل الاجتماعي للدفاع عن سياسات الدولة، ودعت المواطنين إلى الإسهام في ما وصفته بـ"الدفاع الإلكتروني" عن الحكومة عبر المشاركة في مواجهة الحملات التي تستهدف الدولة على الفضاء الرقمي.

ومنذ توليه الحكم بعد إطاحة الرئيس المنتخب محمد بازوم، قام المجلس العسكري في النيجر بإيقاف عدد من النشطاء السياسيين والصحافيين، وبحسب الأمم المتحدة اعتقل 13 صحافياً في النيجر خلال 2025، تم الإفراج عن ثلاثة منهم، بينهم مراسل هيئة البث الألمانية "دويتشه فيلي" في مايو (أيار) الماضي.

وتراجعت حرية الصحافة في دول الساحل بصورة حادة منذ عام 2022، مما جعل منها مناطق يطغى عليها غياب المعلومات، وحذرت منظمة "مراسلون بلا حدود" من أن شريط الساحل الذي يعبر القارة من غربها إلى شرقها قد يتحول إلى "أكبر منطقة خالية من الإعلام في أفريقيا"، في مؤشر على التحديات التي يواجهها الصحافيون هناك.

صحافة السردية الواحدة

ويؤكد مدير مكتب "مراسلون بلا حدود" الخاص بأفريقيا جنوب الصحراء ساديبو مارونغ لـ"اندبندنت عربة"، أن ظهور ما يسمى بـ"الصحافة الوطنية" منذ وصول السلطات العسكرية إلى الحكم في هذه الدول أجبر وسائل الإعلام المحلية على تبني السردية التي تريدها السلطات"، لافتاً إلى "إبعاد مراسلي وسائل الإعلام الدولية، وطردهم أو تعليق أنشطتهم.

كما تزايدت ظاهرة الاعتقالات وحالات اللجوء إلى المنفى والملاحقات ضد الصحافيين، وفق مارونغ، فضلاً عن أن الاستخدام التعسفي لقوانين الجرائم الإلكترونية، أدى إلى تراجع دول الساحل الأوسط بصورة كبيرة في التصنيف العالمي لحرية الصحافة الذي تعده منظمة (مراسلون بلا حدود) سنوياً".

ويستحضر مارونغ أن "مالي وبوركينا فاسو والنيجر كانا لفترة طويلة نماذج في مجال حرية الصحافة، إلا أن وصول الأنظمة العسكرية وما ترتب عنه ذلك من آثار سلبية أدى إلى القضاء على تلك المكاسب".

ويضيف أن "أكبر تحد يواجهه الصحافيون هو ضمان أمنهم وسلامتهم"، لافتاً إلى أن بوركينا فاسو على سبيل المثال تراجعت خمسة مراكز في التصنيف العالمي لحرية الصحافة، مقارنة بالعام الماضي لتحتل المرتبة 110، بينما تعرض ما لا يقل عن 10 صحافيين للاختفاء القسري أو لعمليات "تسخير قسري" للعمل منذ بداية عام 2024".

وأشار إلى أن ظاهرة "التسخير القسري" التي تستهدف الصحافيين وعدداً من النشطاء في المجتمع المدني هي ظاهرة فريدة من نوعها في أفريقيا، مؤكداً أن "بوركينافاسو أفرجت عن سبعة صحافيين في الأقل خلال عام 2025 بينما لا يزال مصير الصحافي سيرج أولون، مدير نشر صحيفة L'Événement، الذي اختطف من منزله في الـ24 من يونيو (حزيران) 2024، مجهولاً إلى اليوم، وتمكنت منظمة "مراسلون بلا حدود" من تحديد مكان وجوده داخل أحد المساكن في واغادوغو.

وبخصوص وضع الصحافيين في مالي، يلاحظ مدير مكتب المنظمة "استمرار استخدام قانون الجرائم الإلكترونية لوضع الصحافيين رهن الإيقاف التحفظي"، بينما احتجزت الجماعات المتشددة أربعة صحافيين كرهائن، كما دمرت إذاعة محلية بارزة في شمال البلاد.

وفي النيجر التي سجلت أكبر تراجع في التصنيف بـ37 مركزاً لتحتل المرتبة 120، كان خمسة صحافيين قيد الاحتجاز بتهم من بينها "المساس بالجيش الوطني" و"التآمر ضد سلطة الدولة"، وقد أفرجت السلطات عن أربعة منهم.

ويخلص ساديبو مارونغ إلى أن "كل صحافي في منطقة الساحل الأفريقي يبتعد من السردية المفروضة من السلطة يعرض نفسه لطيف واسع من الإجراءات القمعية والقضائية، معتبراً ذلك قمعاً ممنهجاً يترافق مع ممارسات تعسفية من الهيئات التنظيمية التي تستخدم قوانين الجرائم الإلكترونية ضد الصحافيين".

وشدد على أن منظمة "مراسلون بلا حدود" توصي بـضرورة الإفراج عن جميع الصحافيين المحتجزين لمجرد أنهم مارسوا مهنتهم، ووقف الاستخدام التعسفي لقوانين الجرائم الإلكترونية ضد ممارسة العمل الصحافي، وحماية الصحافيين ووسائل عملهم، ووضع حد للتوجيهات التي تفرض معالجة أحادية للمعلومات.

المزيد من تقارير