ملخص
يشهد الوضع الأمني والسياسي والاقتصادي في دول الساحل والصحراء الأفريقية تدهوراً بسبب توسع نشاط جماعات إرهابية مرتبطة بتنظيمي "القاعدة" و"داعش"، بعد تراجع الحضور الفرنسي وبروز الدور الروسي، مما يطرح تساؤلاً مفاده إن كانت فرنسا تحاول إعادة تموضعها في دول الساحل الأفريقي، انطلاقاً من بوابة الجنوب الليبي المتاخمة لدول الساحل والصحراء الأفريقية، عبر أصحاب النفوذ العسكري على الأرض؟
بعد خسارة قواعدها العسكرية في عدد من دول الساحل والصحراء الأفريقية، على غرار بوركينا فاسو والنيجر ومالي، تحركت فرنسا للبحث عن شركاء دوليين لإدارة توازناتها الأمنية والسياسية، عبر مناطق مجاورة لدول الساحل الأفريقي.
وفي هذا الصدد برزت ليبيا التي تتشارك الحدود الترابية من الجهة الجنوبية مع كل من السودان وتشاد والنيجر المرتبطة هي الأخرى حدودياً بمالي، والتي كانت إحدى نقاط الارتكاز الفرنسي لمراقبة نشاط شبكات تهريب البشر والأسلحة، وتحركات الجماعات المتطرفة.
تحرك فرنسي
وفي هذا السياق كثفت فرنسا تحركاتها في ليبيا التي يبدو أن حدودها الجنوبية باتت محل تسابق من قبل القوى الدولية، مثل الصين وروسيا والولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وإيطاليا، لما تملكه من مزايا جيوسياسية باعتبارها حلقة وصل بين شمال أفريقيا وعمق الساحل الأفريقي، ونقطة ارتكاز على الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط.
ويأتي استقبال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نائب القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن صدام حفتر، في العاصمة السياسية باريس، إضافة إلى لقاء السفير الفرنسي لدى ليبيا تييري فالا رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة الليبية، الفريق أول ركن خالد حفتر، بمقر الرئاسة بمدينة بنغازي أمس الأحد، في سياق تنشيط قنوات التعاون الثنائي بين البلدين.
وركزت المحادثات مع الأطراف الليبية، بحسب الخارجية الفرنسية، على دعم التعاون الأمني بما "يخدم المصالح المتبادلة ويسهم في تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة "، وأكد الجانب الليبي أهمية تطوير "العلاقات في مختلف المجالات، ومنها الأمنية والعسكرية"، وفق بيان لقوات الجيش الليبي التي يقودها المشير خليفة حفتر.
يذكر أن هذه الزيارة الثانية لصدام حفتر إلى فرنسا، إذ سبقتها زيارة في يناير (كانون الثاني) الماضي حين التقى رئيس أركان الجمهورية الفرنسية، الجنرال فنسنت جيرو، وجرى وقتها مناقشة تطوير العلاقات العسكرية بين البلدين.
وجاء اللقاء الثنائي بين ماكرون وصدام في وقت تشهد ليبيا انقساماً سياسياً على خلفية صدور نتائج الحوار المهيكل الليبي الذي رعته البعثة منذ ديسمبر (كانون الأول) 2025، والذي ينادي بضرورة الذهاب إلى سلطة تنفيذية جديدة موحدة جديدة، في مدة لا تتجاوز عامين، غير قابلة للتمديد تحت أي مسوغ.
وبالتوازي يشهد الوضع الأمني والسياسي والاقتصاي في دول الساحل والصحراء الأفريقية تدهوراً بسبب توسع نشاط جماعات إرهابية مرتبطة بتنظيمي "القاعدة" و"داعش"، بعد تراجع الحضور الفرنسي وبروز الدور الروسي، مما يطرح تساؤلاً حول ما إذا كانت فرنسا تحاول إعادة تموضعها في دول الساحل الأفريقي، انطلاقاً من بوابة الجنوب الليبي المتاخمة لدول الساحل والصحراء الأفريقية، عبر أصحاب النفوذ العسكري على الأرض؟
الدلالات
يقول المحلل السياسي محمد قشوط، إن العلاقات بين فرنسا وليبيا ليست وليدة اللحظة بل هي متجذرة تاريخياً على الصعيد الأمني والسياسي، منوهاً بأن مراحلها تأرجحت بين فترات من التقارب وأخرى من التوتر، ولعل الرابط الجيوسياسي لموقع ليبيا، كونها إحدى بوابات أفريقيا، وتربطها حدود مباشرة مع تشاد والنيجر وغيرها من الدول التي كان فيها لفرنسا ثقل عسكري على الأرض، جعل من ليبيا محط اهتمام دائم للجمهورية الفرنسية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويشير قشوط إلى أن العلاقة القوية لفرنسا بالقيادة العامة للقوات المسلحة تعود لعام 2014، بعد انطلاق "عملية الكرامة" التي شهدت تنسيقاً أمنياً ودعماً عسكرياً بين الجانبين، غير أنها تراجعت عام 2019 بعد تحرك القوات المسلحة الليبية نحو العاصمة طرابلس، مؤكداً أن التوتر ازداد بين باريس وطرابلس بعد سيطرة القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية على كامل الجنوب الليبي، والذي كان بالنسبة إلى فرنسا قاعدة خلفية لنفوذها الذي تقلص بعد سقوط الأنظمة الحاكمة في تشاد والنيجر ومالي وبوروكينا فاسو، نتيجة تمدد النفوذ الروسي هناك، وانتهى بتقليم أظافر بقايا معارضة تشاد والنيجر في ليبيا على يد قوات المشير خليفة حفتر، التي بسطت نفوذها على كامل الجنوب الليبي.
ويستدرك المتحدث نفسه أن هذا التوتر زال لتعود العلاقات لمسارها الطبيعي، مع صعود صدام حفتر لمنصب نائب القائد العام للقوات المسلحة الليبية، والذي فتح أبواب القيادة أمام تنشيط العلاقات الدولية مع الخصوم قبل الأصدقاء، ضمن رؤية جديدة تسير عليها القيادة في خط متواز يجمع بين تطوير القدرات العسكرية، وتصفير المشكلات والخصومات، بناء على قاعدة المصالح المشتركة، مما جعل شخصية صدام حفتر محط اهتمام إقليمي ودولي، وأصبح ينظر إليه كشريك يملك القدرة على فرض سياساته على أرض الواقع، بدليل استقباله من أعلى هرم السلطة الفرنسية.
استعادة النفوذ
أما المتخصص في العلاقات الدولية، خالد الحجازي، فيؤكد أن باريس تتعامل مع الواقع الليبي كما هو، لا كما ينبغي أن يكون، لأنها تدرك أن المشهد الليبي لا يُدار فقط عبر المؤسسات الرسمية، بل توجد على الأرض مراكز قوة تمتلك نفوذاً وتأثيراً مباشراً في المعادلة الأمنية والسياسية، متابعاً أن استقبال صدام حفتر يعكس توجهاً فرنسياً قائماً على التواصل مع الفاعلين المؤثرين القادرين على لعب أدوار محورية في أي ترتيبات مستقبلية، تخص الأمن والاستقرار في ليبيا.
ويرى الحجازي أن زيارة صدام إلى باريس ولقاءه الرئيس الفرنسي تحملان دلالات سياسية وأمنية، تتجاوز إطار اللقاءات البروتوكولية المعتادة، وتفتح الباب أمام تساؤلات مهمة حول طبيعة المقاربة الفرنسية الجديدة تجاه ليبيا، والمنطقة بشكل عام، إذ يمكن النظر إلى هذه الزيارة كمؤشر على سعي فرنسا إلى إعادة تنشيط قنوات التواصل مع معسكر حفتر، بعد أعوام من الفتور النسبي الذي أعقب معركة طرابلس عام 2019.
ويواصل الحجازي أنه بعد تغير موازين القوى، وفشل خيار الحسم العسكري، تبنّت باريس خطاباً أكثر دعماً للمسارات السياسية، لكنها لم تتخل عن قناعتها بأن المؤسسة العسكرية والقوى المسيطرة على الأرض تظل عنصراً أساساً في أية تسوية واقعية للأزمة الليبية، مؤكداً أنه لا يمكن فصل هذا التقارب عن التحولات الكبرى التي تشهدها منطقة الساحل الأفريقي، فبعد تراجع الوجود العسكري الفرنسي المباشر، وخروج القوات الفرنسية من عدد من دول الساحل، أصبحت باريس تبحث عن آليات جديدة للحفاظ على قدرتها في متابعة الملفات الأمنية، ومكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية، والجريمة العابرة للحدود.
ويرى المتحدث ذاته أنه في هذا السياق برزت أهمية ليبيا بالنسبة إلى فرنسا، فالموقع الجغرافي لها يجعلها حلقة وصل بين شمال أفريقيا ومنطقة الساحل والصحراء الأفريقية، والجنوب الليبي يمثل ممراً إستراتيجياً لكثير من التحديات الأمنية التي تشغل أوروبا، ولذلك تسعى باريس إلى بناء شبكة من العلاقات مع الفاعلين العسكريين والأمنيين الليبيين، بما يضمن استمرار حضورها وتأثيرها في المنطقة، حتى من دون وجود قواعد عسكرية فرنسية داخل دول الساحل نفسها.
نقاط ارتكاز جديدة
ويذهب المتخصص في العلاقات الدولية إلى أن لقاء ماكرون - صدام لا يمكن قراءته فقط في إطار العلاقات الثنائية بين فرنسا وأحد أبرز الفاعلين الليبيين، بل أيضاً في سياق إستراتيجية فرنسية أوسع تهدف إلى استعادة النفوذ في ليبيا، والحفاظ على القدرة على متابعة الملفات الأمنية في الساحل، وتأمين المصالح الفرنسية والأوروبية في مواجهة التحديات الإقليمية المتصاعدة، ويقول إن الرسالة الأبرز لهذه الزيارة هي أن فرنسا تسعى إلى الجمع بين دعم المسار السياسي الليبي من جهة، والحفاظ على علاقات وثيقة مع مراكز القوة الفعلية على الأرض من جهة أخرى، باعتبار أن أية تسوية أو ترتيب أمني مستقبلي لن يكون قابلاً للنجاح، من دون إشراك الأطراف الأكثر تأثيراً في الواقع الليبي والإقليمي.
وحول كيف تعيد فرنسا صياغة مقاربتها الأمنية في الساحل الأفريقي عبر الفاعلين العسكريين في ليبيا، يوضح أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدبلوماسية، يوسف الصغير، أن باريس ترتب مقاربتها الأمنية في الساحل الأفريقي انطلاقاً من متغيرات جديدة فرضتها التحولات السياسية والعسكرية التي شهدتها المنطقة خلال الأعوام الأخيرة، موضحاً أنه بعد تراجع نفوذها في عدد من دول الساحل الأفريقي، بخاصة مالي والنيجر وبوركينا فاسو، أصبحت فرنسا تبحث عن نقاط ارتكاز جديدة تمكنها من المحافظة على حضورها الإستراتيجي داخل القارة الأفريقية، وفي هذا السياق يكتسب الجنوب الليبي أهمية خاصة بالنسبة إليها، باعتباره حلقة وصل جغرافية وأمنية بين ليبيا ودول الساحل والصحراء، مضيفاً أن السيطرة على مسارات التحرك في هذه المنطقة تمنح تأثيراً مباشراً في الملفات العسكرية، ومكافحة الإرهاب، والهجرة غير النظامية، وهي ملفات تمثل أولوية في الحسابات الأمنية للدولة الفرنسية، التي تدرك أن الجنوب الليبي أصبح جزءاً أساساً من معادلة الأمن الإقليمي، وأن أي حضور مؤثر في الساحل الأفريقي يمر بالضرورة عبر فهم التوازنات القائمة في هذه المنطقة، والتعامل مع القوى الفاعلة فيها.
المعادلة الأمنية الفرنسية
ويؤكد الصغير أن هذه التحركات تندرج ضمن سياسة فرنسية تقوم على الحفاظ على المصالح الإستراتيجية والعسكرية والاقتصادية والأمنية لباريس، مع الاعتماد على أدوات سياسية ودبلوماسية وعسكرية جديدة، أهمها فتح قنوات تواصل مع الفاعلين العسكريين والأمنيين، بما يتلاءم مع التحولات الدولية الراهنة، ولا سيما بعد أن أصبح النفوذ المباشر أقل قدرة على الوصول إلى الأهداف التي كانت تحققها فرنسا خلال مراحل سابقة.
ويقول المتخصص في القانون الدولي والعلاقات الدبلوماسية إن ليبيا رجعت لقلب المعادلة الأمنية الفرنسية، ولكن في إطار مختلف عن السابق، فالبلد لم يعد بالنسبة إلى فرنسا مجرد ساحة سياسية أو أمنية معزولة، بل أصبح جزءاً من رؤية أوسع، تتعلق بإعادة التموضع الفرنسي داخل أفريقيا، بعد سلسلة الانتكاسات التي تعرضت لها باريس في مناطق نفوذها التقليدية.
ويوضح الصغير أن "ليبيا تمتلك مقومات تجعلها ذات أهمية استثنائية في الحسابات الفرنسية، فهي دولة غنية بالموارد الطبيعية، وتشكل بوابة إستراتيجية نحو العمق الأفريقي، وترتبط بصورة مباشرة بملفات الأمن والطاقة والهجرة، التي تمثل أولويات أساسية للسياسة الخارجية الفرنسية، وهو ما يفسر الاهتمام الفرنسي المتجدد بها، ويؤكد محاولة باريس الواضحة تعويض جزء من الخسائر الإستراتيجية التي تعرضت لها في الساحل الأفريقي، وإيجاد فضاءات جديدة للحفاظ على نفوذها الإقليمي".
ويشير المتحدث نفسه إلى أن السياسة الفرنسية في أفريقيا لم تتغير في جوهرها، بقدر ما تغيرت في أدواتها، إذ انتقلت من أساليب النفوذ التقليدية إلى آليات أكثر مرونة، تعتمد على الشراكات الأمنية والعسكرية والتعاون الاقتصادي والحضور الدبلوماسي، مستدركاً أنه مهما تنوعت الأساليب السياسية والدبلوماسية التي تعتمدها فرنسا، فإنها تبقى دولة تتحرك وفق منطق المصلحة الإستراتيجية، وتسعى دائماً إلى تعظيم مكاسبها السياسية والاقتصادية والجيوسياسية، ومن هذا المنطلق فإن التقارب الفرنسي مع الفاعلين الليبيين لا يعبر فقط عن اهتمام بأمن ليبيا واستقرارها، بل يعكس أيضاً رغبة فرنسية في إعادة بناء مواقع النفوذ داخل القارة الأفريقية، في ظل التحولات الدولية الراهنة، والتنافس المتزايد بين القوى الكبرى على الموارد والممرات الإستراتيجية ومناطق التأثير.