Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أزمة التكرير الروسية تهز سوق الوقود العالمية

قيود صادرات الصين يرفع الطلب على البنزين والديزل ووقود الطائرات إلى مستويات استثنائية

تجاوز متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة أربعة دولارات للغالون هذا العام (اندبندنت عربية)

ملخص

تأتي هذه الضغوط بعد أعوام من إغلاق مصافٍ في الولايات المتحدة وأوروبا نتيجة ارتفاع كلفة التشغيل والتحولات الاستراتيجية نحو إنتاج منخفض الكربون.

في ظل الاضطراب المستمر في أسواق النفط والغاز، يتصدر الضغط الأكبر في أسواق الطاقة داخل المصافي التي تحول النفط الخام إلى الوقود الذي يشغل الاقتصاد العالمي.

وأدت سلسلة من الاضطرابات، من الحرب بين إيران وإسرائيل والهجمات الأوكرانية على منشآت الطاقة الروسية، إلى القيود الصينية على صادرات الوقود، إلى سحب ملايين البراميل من المنتجات النفطية المكررة من الأسواق العالمية، ودفع المشترين إلى البحث بصورة عاجلة عن مصادر بديلة للإمدادات.

هوامش التكرير

نتيجة لذلك، ارتفعت هوامش التكرير، وهي الفارق بين كلفة شراء النفط الخام وقيمة الوقود الناتج من تكريره، بصورة حادة.

وقال كبير المحللين المتخصص في إمدادات التكرير ونمذجتها لدى شركة "كبلر"، سوميت ريتوليا، إن هوامش التكرير لا تزال مرتفعة لأن كل برميل إضافي من المنتجات النفطية أصبح أكثر قيمة بكثير من كل برميل إضافي من الخام.

ومع استمرار احتمال عدم عودة تدفقات النفط عبر مضيق هرمز إلى مستوياتها الطبيعية قريباً، وتوقع استمرار أعمال إصلاح المصافي الخليجية التي استهدفتها الهجمات الإيرانية أشهراً، قد تظل الأسواق شحيحة، وهوامش التكرير مرتفعة خلال الفترة المقبلة.

أرباح الشركات

بينما تعزز هوامش التكرير الاستثنائية أرباح شركات النفط الكبرى، فإنها تعني بالنسبة إلى المستهلكين ارتفاع أسعار الوقود في محطات التعبئة. وتجاوز متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة أربعة دولارات للغالون هذا العام، مقارنة بـ3.16 دولار قبل عام.

وقفز الفارق المعروف باسم "ثلاثة إلى اثنين إلى واحد" وهو أحد المؤشرات الأكثر متابعة في صناعة التكرير لقياس قيمة تحويل ثلاثة براميل من النفط الخام إلى برميلين من البنزين وبرميل من الديزل، إلى أكثر من 70 دولاراً الشهر الماضي، مقارنة بمستويات عادة ما تكون في نطاق العشرات.

وعلى رغم الاضطرابات التي سببتها الحرب بين إيران وإسرائيل، واقتراب تدفقات النفط عبر مضيق هرمز من التوقف، وما ترتب على ذلك من ضغوط على الإمدادات والصادرات، تمكنت المصافي من تأمين كميات كافية من الخام لإبقاء منشآتها عاملة.

وساعدت في ذلك عمليات سحب طارئة من الاحتياطات الاستراتيجية، إلى جانب إعادة ترتيب واسعة لمسارات التجارة العالمية.

المصافي والكميات المفقودة

وفي آسيا، عوضت المصافي بعض الكميات المفقودة من نفط الشرق الأوسط بإمدادات من حوض الأطلسي وكميات من المخزونات الطارئة، في حين واصلت الإمدادات المتبقية من منطقة الخليج الوصول إلى المشترين عبر طرق أطول وأكثر كلفة، شملت عمليات نقل من سفينة إلى أخرى وتحويل مسارات السفن حول جنوب أفريقيا.

وفي الولايات المتحدة، وفرت الزيادة القوية في إنتاج النفط المحلي، إلى جانب الواردات من كندا وفنزويلا ومصادر أخرى، كميات كافية من الخام للمصافي الأميركية.

أما في أوروبا فقد عوضت المصافي جزءاً من النفط القادم من الشرق الأوسط بإمدادات من الولايات المتحدة وكازاخستان وبحر الشمال وغرب أفريقيا وأميركا اللاتينية، بينما استمرت بعض شحنات النفط السعودي في الوصول إلى المنطقة عبر البحر الأحمر.

ولجأت شركة "ريبسول" الإسبانية إلى شراء خام أرخص من أميركا الشمالية ومنطقة البحر المتوسط، بعدما أدى ارتفاع المنافسة من المشترين في جنوب شرقي آسيا إلى رفع أسعار شحنات الخام المقبلة من حوض الأطلسي، بما فيها البرازيل وغرب أفريقيا، وفق مدير تحسين سلسلة القيمة في الشركة، خوان كارلوس راميريز.

لكن المصافي تواجه حدوداً مادية لكمية النفط الخام التي يمكنها معالجتها، ويعمل كثير منها بالفعل بمعدلات تشغيل مرتفعة جداً لتلبية الطلب وتعويض الاضطرابات في الشرق الأوسط وروسيا، مما يترك طاقة فائضة محدودة للغاية.

وتأتي هذه الضغوط بعد أعوام من إغلاق مصافٍ في الولايات المتحدة وأوروبا نتيجة ارتفاع كلفة التشغيل والتحولات الاستراتيجية نحو إنتاج منخفض الكربون.

وقال كبير المحللين المتخصص في إمدادات التكرير ونمذجتها لدى شركة "كبلر"، سوميت ريتوليا، إن تشغيل المصافي بمعدلات تتجاوز 90 إلى 95 في المئة يعني ببساطة أن هامش المرونة التشغيلية المتبقي أصبح ضئيلاً للغاية.

وأضاف أن ذلك يعني أن توقف أي مصفاة واحدة عن العمل قد يكون له تأثير غير متناسب في الإمدادات المتاحة في الأسواق.

روسيا والصين تزيدان الضغوط

لا تقتصر الضغوط على الشرق الأوسط، إذ تواجه أيضاً دول كانت تعد تقليدياً من كبار مصدري الوقود، مثل الصين وروسيا، قيوداً على الإمدادات.

وانخفض إنتاج المصافي الروسية إلى أدنى مستوى له منذ أكثر من عقدين، بعد هجمات متواصلة بطائرات مسيرة أوكرانية استهدفت منشآت التكرير خلال العام الحالي، وفق بيانات شركة "كبلر".

وفرضت موسكو، التي كانت تاريخياً من كبار مصدري الديزل، حظراً موقتاً على صادرات الوقود، مما زاد من ضغوط الإمدادات في أوروبا.

وتنقلت أزمة الإمدادات بين المناطق والمنتجات النفطية المختلفة مع مرور الوقت ،فعندما أدى اضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز إلى خفض الإمدادات بصورة كبيرة، رفعت المصافي إنتاج وقود الطائرات وسط مخاوف من حدوث نقص عالمي في هذا النوع من الوقود.

لكن زيادة إنتاج وقود الطائرات جاءت على حساب الديزل، في الوقت الذي فرضت فيه روسيا قيوداً على صادراتها، تزامناً مع بدء موسم القيادة الصيفي في نصف الكرة الشمالي، الذي يرفع الطلب على الوقود.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتقدم الصين صورة مختلفة، إذ تمتلك طاقة تكريرية كبيرة، لكن حصص التصدير التي تحددها الحكومة بهدف تعزيز أمن الطاقة المحلي حدت من مبيعات البنزين والديزل ووقود الطائرات إلى الأسواق الخارجية.

وقال نائب رئيس قسم التكرير والكيماويات وأسواق النفط في شركة "وود ماكنزي"، آلان غيلدر، إن هذه القيود دفعت المصافي الآسيوية الأخرى إلى زيادة معدلات التشغيل، وأسهمت في رفع هوامش التكرير.

وتشير التطورات إلى أن الاختناق في أسواق النفط لا يتعلق فقط بكمية الخام المتاحة، وإنما بقدرة منظومة التكرير العالمية على تحويل هذا الخام إلى المنتجات التي يحتاج إليها المستهلكون.

الحد الأقصى

مع وصول كثير من المصافي إلى مستويات تشغيل تقترب من الحد الأقصى، واستمرار اضطرابات الإمدادات في الشرق الأوسط وروسيا وقيود صادرات الوقود الصينية، تصبح أي أعطال جديدة في المصافي أو اضطرابات إضافية في حركة التجارة العالمية قادرة على إحداث تأثير كبير في أسعار البنزين والديزل ووقود الطائرات.

ومن ثم قد تبقى هوامش التكرير المرتفعة وأسعار الوقود تحت الضغط حتى في حال استقرار أسعار النفط الخام نسبياً، مما يجعل المصافي الحلقة الأكثر حساسية في أزمة إمدادات الطاقة العالمية الحالية.

على الصعيد العالمي، من المتوقع أن تظل هوامش الربح مرتفعة لبقية العام، مع توقع أن يؤدي بدء أعمال الصيانة الموسمية في سبتمبر (أيلول) إلى زيادة تضييق السوق.

ماذا عن فرص الحل؟

إلى ذلك تواجه أسواق النفط احتمال عودة الأسعار إلى الارتفاع مع تلاشي فرص التوصل إلى اتفاق سريع لإعادة فتح مضيق هرمز، بعدما ظلت الأسعار دون مستوياتها المرتفعة الأخيرة، في انفصال عن واقع شح الإمدادات يحذر محللون من أنه قد لا يستمر طويلاً.

وكانت العقود الآجلة لخام "برنت" أنهت الأسبوع الماضي على انخفاض بأكثر من سبعة في المئة، عقب إشارات من واشنطن إلى أن التوصل إلى اتفاق مع طهران لفتح الممر البحري الحيوي أصبح قريباً.

لكن الاتفاق لم يتحقق حتى الآن، فيما تراجعت احتمالات التوصل إلى تسوية خلال عطلة نهاية الأسبوع.

وتصر طهران حالياً على ضرورة التزام واشنطن مجموعة من الشروط قبل السماح بإعادة فتح المضيق، في حين ألمح الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى تغيير في الاستراتيجية، وقال في مقابلة مع موقع "أكسيوس" الإخباري الأحد إن واشنطن تتعامل مع الملف "بهدوء"، في إشارة إلى أن الإدارة الأميركية قد تعتمد بصورة أكبر على تصعيد الضغوط الاقتصادية على طهران بدلاً من شن ضربات عسكرية جديدة في الوقت الحالي.

لماذا قد ترتفع أسعار النفط أكثر؟

استمدت أسواق الطاقة بعض الثقة على المدى القصير من مؤشرات إلى استمرار المفاوضات بين إيران وسلطنة عُمان في شأن مسار موقت للشحن عبر المضيق، إلى جانب توقعات بأن تبقى احتمالات التصعيد العسكري المباشر بين الولايات المتحدة وإيران محدودة في المدى القريب.

وقال الاقتصادي لدى شركة "جيفريز"، مودوب أدغبمبو، في مقابلة مع شبكة "سي أن بي سي" الأميركية، إن المتعاملين يشعرون حالياً "بالثقة في إمكان التوصل إلى نوع من الاتفاق، حتى لو كان اتفاقاً غير مكتمل".

وأضاف أن التسوية قد لا تكون مثالية، لكنها قد تتيح استئناف تدفق مزيد من النفط والسلع عبر مضيق هرمز.

لكن أدغبمبو حذر من أن هذا التفاؤل "مرتبط بالوقت"، مشيراً إلى أن استمرار الوضع الحالي حتى نهاية الأسبوع أو دخوله الأسبوع المقبل قد يجعل من الصعب على أسعار النفط مواصلة التحرك بصورة هادئة.

وقال كبير اقتصاديي المناخ والسلع الأولية لدى شركة "كابيتال إيكونوميكس"، كيران تومبكينز، إن المستوى "المنخفض نسبياً" لأسعار النفط يعكس استمرار المستثمرين في تسعير سيناريوهين متناقضين في الوقت نفسه: الأول يتمثل في استئناف سريع ووشيك لتدفقات الطاقة، والثاني في استمرار إغلاق مضيق هرمز فترة طويلة.

وأوضح تومبكينز أن استمرار حال الجمود الحالية فترة أطول سيجبر المتعاملين على رفع تقديراتهم لاحتمال استمرار إغلاق المضيق.

وقال إن أسعار العقود الآجلة للنفط في أقرب شهر استحقاق سترتفع على الأرجح، خصوصاً إذا عادت الأسواق إلى التركيز على ما يسمى "نقطة التحول" في سوق النفط.

وتشير نقطة التحول إلى المرحلة التي تستنفد فيها قدرة السوق على امتصاص صدمة نقص الإمدادات من خلال السحب من المخزونات، مما يجبر الطلب على الانخفاض لمواكبة الإمدادات عبر ارتفاعات كبيرة في الأسعار.

وأضاف تومبكينز أنه إذا ظل المضيق مغلقاً واستمرت مخزونات النفط لدى دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في الانخفاض بسرعة، فقد تصل سوق النفط إلى نقطة التحول مع بداية الربع الأخير من العام.

وأشار إلى أن هذا السيناريو سيكون متسقاً مع ارتفاعات كبيرة في الأسعار، وربما وصولها إلى نطاق يراوح ما بين 120 و140 دولاراً للبرميل، استناداً إلى أنماط تاريخية مماثلة.

ضغوط متزايدة على الإمدادات

تتزايد التساؤلات في شأن المدة التي تستطيع خلالها عوامل السوق الأخرى مواصلة تخفيف تأثير نقص الإمدادات، ومن بينها طرق التصدير البديلة التي تتجاوز مضيق هرمز، وانخفاض الطلب، وزيادة الإنتاج، والتراجع الموقت في واردات الصين من النفط.

وقالت مؤسسة ومديرة الأبحاث في شركة "إنرجي أسبكتس" للاستشارات، أَمريتا سين، إن الصين "حققت بمفردها توازناً في السوق خلال مايو من خلال خفض وارداتها من النفط".

لكن واردات الصين من الخام تعافت في يوليو (تموز) الماضي، ومن المتوقع أن ترتفع أكثر خلال أغسطس (آب) الجاري، وهو ما دفع سين إلى التحذير من أن "الخام لا يمكن أن يظل منخفضاً إلى الأبد".

وترى سين أن الأسواق سارعت خلال الفترة الأخيرة إلى تسعير احتمال عودة حركة الشحن إلى طبيعتها عند ظهور أي مؤشر على التوصل إلى اتفاق، بدلاً من أن تعكس بصورة كاملة استمرار القيود الفعلية على الإمدادات.

وتشمل هذه القيود أيضاً استمرار هجمات الحوثيين على منشآت في السعودية، التي تعد مصدراً رئيساً لاستقرار سوق النفط العالمية. وقالت سين إن الأساسات الفعلية لسوق النفط "تميل بصورة أكبر إلى الصعود".

وتكشف التطورات الحالية عن فجوة متزايدة بين تسعير الأسواق للتوقعات السياسية والواقع المادي للإمدادات، فحتى مع استمرار قدرة بعض المنتجين والمشترين على إعادة توجيه التجارة عبر مسارات بديلة، فإن طول أمد تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز سيزيد الضغط على المخزونات العالمية.

ومع اقتراب موسم نهاية العام، قد يصبح استمرار استنزاف المخزونات عاملاً حاسماً في تحديد اتجاه الأسعار، خصوصاً إذا لم تتمكن الأسواق من تعويض البراميل المفقودة من منطقة الخليج بإمدادات إضافية من مصادر أخرى.

في الوقت ذاته يعرض مراقب السفن عبور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز (المتوسط المتحرك لـ7 أيام للناقلات التي تتجاوز حمولتها الساكنة 10 آلاف طن) استناداً إلى بيانات LSEG الممتدة من أواخر عام 2025 حتى منتصف عام 2026.
 

اقرأ المزيد

المزيد من البترول والغاز