ملخص
طرحت الأرقام الواردة عن تلوث مياه الشرب في ليبيا تساؤلات حول سلامة المياه الجوفية، وهل أن رصد بكتيريا "إي كولاي" يكشف عن أزمة في طريقة حفر الآبار وإدارة الصرف الصحي؟ وما مدى الرقابة على مصادر المياه؟
تتوالى الأزمات على المواطنين الليبيين، فمن الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي وغلاء المعيشة إلى تلوث مياه الشرب ببكتيريا الـ"إي كولاي" التي كشف عنها تقرير المسح العنقودي.
ويؤكد التقرير الصادر عن مصلحة الإحصاء والتعداد لعامي 2024-2025، بدعم فني ومالي من منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف" والاتحاد الأوروبي، أن 46.4 في المئة من أفراد الأسر استخدموا مياه شرب ثبت تلوثها ببكتيريا "إي كولاي" المرتبطة بالتلوث البرازي عند نقطة الاستخدام، فيما بلغت نسبة تلوث مصادر المياه عند نقطة التجميع 28 في المئة.
التقرير أظهر أن استبيان فحص جودة المياه شمل أسراً جرى اختيارها عشوائياً من عناقيد المسح لقياس جودة مياه الشرب ومصادرها ونسبة توفرها، وقد كشفت النتائج أن 99.1 في المئة من أفراد الأسر يستخدمون مصادر مياه شرب محسنة، بينما بلغت نسبة من يحصلون على خدمات مياه الشرب الأساسية على الأقل 95.9 في المئة، وتشمل استخدام مصدر مياه محسن داخل المسكن أو فنائه.
جودة المياه
وناهزت نسبة استخدام مصادر المياه المكررة داخل المسكن 58.3 في المئة، فيما لم تتجاوز نسبة الأسر التي تحصل على خدمات مياه شرب بصورة آمنة 38 في المئة، ويشترط هذا المؤشر وجود مصدر مياه محسن داخل المسكن وخلوه من بكتيريا "إي كولاي" وتوفر المياه عند الحاجة، وفق تقرير المسح العنقودي.
وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، ركز مشروع "ريبلد" الممول من الاتحاد الأوروبي على تحسين جودة مياه الشرب في خمس بلديات ليبية وهي الزاوية وسبها وبني وليد والزنتان وغريان.
وعمل المشروع على بناء قدرات العاملين في البلديات المذكورة لحماية المياه بيئياً ومراقبة شبكات توزيع المياه وإدارة بيانات الموارد المائية وتشغيل محطات معالجة المياه.
وطرحت الأرقام الواردة عن تلوث مياه الشرب في ليبيا تساؤلات حول سلامة المياه الجوفية، وهل أن رصد بكتيريا "إي كولاي" يكشف عن أزمة في طريقة حفر الآبار وإدارة الصرف الصحي؟ وما مدى الرقابة على مصادر المياه؟
انتقال البكتيريا للمياه
وحول كيفية انتقال البكتيريا الملوثة من حفر الصرف الصحي إلى المياه الجوفية ثم إلى آبار الشرب، يوضح الباحث الجيولوجي نوري محمّد فلّو، أنه بالإمكان أن تنتقل البكتيريا الخطرة من حفر الصرف الصحي إلى المياه الجوفية ثم إلى آبار الشرب، رابطاً ذلك بتوافر ظروف هيدرولوجية وجيولوجية مناسبة.
ويقول إن عملية انتقال البكتيريا الملوثة تحصل عبر حفر الصرف الصحي المعروفة في ليبيا بـ"الآبار السوداء" لتتسرب مياه الصرف إلى التربة ثم تنتقل الملوثات عبر المسام والشقوق لتصل إلى منسوب المياه الجوفية، لتدخل بعدها إلى بئر الشرب مدفوعة بحركة المياه الجوفية.
وعن العوامل التي تجعل بعض الآبار أكثر عرضة للتلوث البرازي، يوضح الباحث الجيولوجي أن السبب الأبرز يعود إلى قرب البئر من حفر الصرف الصحي، إذ كلما قلت المسافة زاد احتمال التأثر، مع ضرورة النظر أيضاً إلى اتجاه حركة المياه الجوفية، إضافة إلى ضحالة منسوب المياه الجوفية. فالآبار القريبة من سطح الأرض تكون عادة أكثر تعرضاً للمصادر السطحية.
ويتابع فلو أن نوع التربة والصخور والرمال والحصى تسمح بحركة مياه أسرع من التربة الطينية، بينما تزيد الشقوق والفواصل في الصخور الكربوناتية من سرعة انتقال الملوثات. ويكشف أيضاً عن دور كثافة الطبقة غير المشبعة، التي قد توفر وقتاً ومسافة أكبر لاحتجاز أو موت جزء من البكتيريا.
ويرى أن اتجاه وسرعة حركة المياه الجوفية من بين الأسباب أيضاً، فالبئر الموجودة هيدرولوجياً قرب مصدر الصرف تكون أكثر خطورة من بئر تقع عكس اتجاه الجريان، مضيفاً أن عمق البئر وتصميمها له تأثير أيضاً، لأن الآبار الضحلة أو سيئة التغليف والعزل أكثر قابلية للتلوث، منوهاً أن الأمطار والسيول الغزيرة قد تزيد من تغذية المياه الجوفية وتدفع الملوثات إلى الأسفل.
ويوضح أنه عندما يرتفع المنسوب تقل المسافة بين مصدر التلوث والمياه الجوفية. ويقول إن لكثافة حفر الصرف الصحي المعروفة محلياً بـ"الآبار السوداء" دخل أيضاً، فوجود عدد كبير منها في منطقة صغيرة يرفع الحمل الميكروبي على الخزان الجوفي، مشيراً إلى أن تسرب مياه الصرف لفترة طويلة يسمح بتكوين مصدر تلوث مزمن بدل حدوث تلوث عابر.
ويستردك فلّو "أن المسافة الأفقية لا تكفي وحدها للحكم على سلامة البئر، فقد تكون بئر بعيدة نسبياً عن حفرة الصرف (الآبار السوداء)، لكنها تقع في اتجاه حركة المياه الجوفية، وبالتالي تكون أكثر عرضة للتلوث من بئر أقرب لكنها تقع عكس اتجاه الجريان".
وفي حالة ليبيا، يؤكد الباحث الجيولوجي أن المسألة تصبح أكثر أهمية في المناطق التي تعتمد على الآبار، خصوصاً مع انتشار خزانات وحفر الصرف الصحي (الآبار السوداء) في بعض المناطق واختلاف طبيعة الخزانات الجوفية بين المناطق الساحلية والداخلية.
الآبار العشوائية
وفي ما يتعلق بتأثير انتشار الآبار العشوائية في ليبيا مع عدم الالتزام بمسافات الأمان عن مصادر الصرف الصحي، يقول المتخصص الجيولوجي إن هذه الظاهرة يمكن أن تفسر هذه النسبة المرتفعة من تلوث مياه الشرب ببكتيريا "إي كولاي" المرتبطة بالتلوث البرازي، منوهاً أن التقارير السنوية والمسح الميداني والدراسات البيئية تؤكد أن انتشار الآبار العشوائية والمجاورة لبعضها البعض يعد من أخطر مصادر الصرف الصحي والتي يمكن أن تكون أحد التفسيرات المهمة لارتفاع تلوث مياه الشرب ببكتيريا E. coli، لكنه ليس بالضرورة السبب الوحيد.
ويوضح أن بكتيريا "إي كولاي" تُستخدم كمؤشر إلى التلوث البرازي، وبالتالي فإن وجودها في مياه بئر للشرب يستدعي البحث عن مسار لوصول مياه الصرف أو الفضلات الحيوانية إلى الخزان الجوفي. ويقول إن هناك دراسات محلية تدعم هذا الاحتمال، على غرار دراسة حديثة في المنطقة الغربية (بمدينة العجيلات) وجدت ارتباطاً بين تلوث بعض الآبار وقربها من الحفر الامتصاصية غير المبطنة (غير مغلفة)، وسجلت E. coli في عدد من هذه الآبار.
ويقول إن هذا الأمر يكون أكثر وضوحاً في مناطق غرب طرابلس، فقد أظهرت دراسة منشورة في عام 2025 شملت آباراً منزلية في مناطق السراج وجنزور والسواني، أن نحو 60 في المئة من الآبار الضحلة التي دُرست كانت لديها أعلى معدلات التلوث، ووصل تركيز "إي كولاي" في بعض العينات إلى 129 وحدة/100 مل، كون غالبية الآبار غير صالحة للشرب.
المواقع الأشد تضرراً
وبالنسبة بالمناطق الأكثر هشاشة أمام هذا الخطر البكتيري، يقول الباحث الجيولوجي نوري محمد فلّو إن المناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة التي تعتمد على الآبار الخاصة والصرف الصحي المحلي هي الأكثر عرضة لهذا التلوث، لأنها تعتمد على الآبار الضحلة التي تكون أكثر تعرضاً لتسرب الملوثات من سطح الأرض مقارنة بالآبار الأعمق، مع أن العمق وحده لا يضمن السلامة، مضيفاً أن المناطق التي تنتشر فيها خزانات الصرف الصحي غير المحكمة بالقرب من الآبار هي الأخرى معنية بهذا الإشكال.
ويواصل حديثه قائلاً إن المناطق ذات التربة أو التكوينات الجيولوجية النفاذية والشقوق تسمح بانتقال الملوثات بسرعة إلى المياه الجوفية، كذلك المناطق التي تعاني ضعف شبكات الصرف الصحي أو غيابها ومن سوء تصريف مياه الأمطار، كلها عوامل تفاقم المشكلة.
ويلفت إلى أن المناطق التي تزداد فيها هذه المشكلة وفق دراسة تاريخية لآبار طرابلس وسوق الجمعة، تؤكد أن الأمطار قد تزيد التلوث البكتيري الموسمي، خصوصاً في الخزانات الضحلة.
وأوضح أن المشكلة ليست مجرد وجود بئر قريبة من حفرة صرف صحي، وإنما هي منظومة كاملة تشمل موقع البئر وعمقه وطريقة عزله والمسافة عن مصدر التلوث وطبيعة الطبقات الجيولوجية واتجاه حركة المياه الجوفية وحالة الصرف الصحي.
ويذكر أن حملة مواجهة "إي كولاي" تتطلب حصر الآبار العشوائية ووضع مناطق حماية حول آبار الشرب وإلزام الآبار والحفر الصحية (الآبار السوداء) بمعايير هندسية واضحة، إلى جانب برنامج وطني منتظم لفحص المياه. وبالنسبة لليبيا تحديداً، فإن الرقابة على الآبار ومصادر الصرف يجب أن تتحول من إجراء بعد ظهور التلوث إلى نظام وقائي مستمر، بحسب رأيه.
الحق في مياه آمنة
وبشأن حق المواطن الليبي في الحصول على مياه نظيفة وآمنة، بعد ثبوت تلوث مياه الشرب بـ بكتيريا "إي كولاي"، تقول الحقوقية الليبية مونا توكا إن توفير مياه آمنة ليس ترفاً ولا خدمة يمكن التعامل معها على أنها مسألة ثانوية، بل هو حق أساس يرتبط بصحة الإنسان وكرامته وحياته.
وتوضح أن التشريع الليبي كان واضحاً في هذه المسألة، إذ ينص القانون رقم 15 لسنة 2003 في المادة 39 على أن لكل شخص الحق في الحصول على مياه صالحة للشرب والاستعمالات الأخرى المسموح بها قانوناً، بكمية وضغط كافيين ووفق المواصفات والمعايير الصحية، كذلك يلزم القانون الجهات المزودة بمياه الشرب بتطهير المياه ومعالجتها ومراقبة جودتها والتأكد من سلامتها الطبيعية والكيميائية والحيوية قبل وصولها إلى المستهلك.
وتذهب توكا إلى أن الحق في المياه يمكن قراءته ضمن منظومة أوسع من الحقوق التي التزمتها ليبيا دولياً، وعلى رأسها الحق في مستوى معيشي ملائم والحق في الصحة، منوهة بأن ليبيا دولة طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية منذ السبعينيات.
وتذكر أن مشروع مسودة الدستور 2016 نص بصورة صريحة في المادة 56 على أن الدولة تضمن للمواطنين الحق في مياه وغذاء آمنين وكافيين، وإن كان هذا النص جزءاً من مشروع دستور لم يدخل حيز النفاذ كدستور دائم. لذلك حتى لو كانت نسبة 46.4 في المئة صحيحة وفق الدراسة، فالمشكلة ليست مجرد وجود بكتيريا في المياه، وإنما في تبدأ عندما يصبح المواطن مضطراً إلى الاختيار بين العطش واستهلاك مياه قد تهدد صحته.
أما في ما يخص الالتزامات القانونية الواقعة على الدولة لضمان الحصول على مياه نظيفة، خصوصاً أنه في ظل انقطاع المياه لمدة طويلة تلجأ الأسر الليبية لحفر آبار المياه العشوائية، التي عادة ما تختلط بحفر الصرف الصحي، تؤكد الحقوقية أنه يجب التفريق بين مسؤولية المواطن عن حفر بئر عشوائية ومسؤولية الدولة عن الظروف التي دفعته إلى ذلك. فالدولة ملزمة قانوناً باتخاذ إجراءات تمنع وصول المواطن إلى مرحلة يضطر فيها إلى البحث عن مصدر مياه مجهول أو حفر بئر بجوار حفرة صرف صحي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
دور الدولة
وتضيف أن الالتزامات الأساسية يمكن تضمينها في جملة من النقاط منها ضمان الإتاحة والاستمرارية، فلا يكفي أن تكون المياه نظيفة عندما تصل بل يجب أن تكون أيضاً متاحة بصورة منتظمة ومعقولة، لأن الانقطاع الطويل يدفع المواطنين إلى حلول اضطرارية قد تكون أكثر خطورة.
وتواصل حديثها قائلة إن القانون الليبي يلزم الجهات المزودة بالمياه، بالمعالجة والتطهير ومراقبة الجودة والتأكد من السلامة البيولوجية والكيميائية والطبيعية قبل وصولها للمستهلك، ومن ثم حماية مصادر المياه من التلوث، مشددة على أن القانون يحظر التخلص من المخلفات بطريقة تؤدي إلى تلوث مصادر المياه، ويضع قواعد للتعامل مع المخلفات السائلة في المناطق غير المرتبطة بشبكات الصرف الصحي.
وتذهب توكا إلى أن وجود بئر مياه جوفية بجوار حفرة صرف صحي عشوائية ليست مجرد مشكلة خدمية، بل قد تتحول إلى خطر صحي وبيئي مباشر، خصوصاً إذا لم تكن هناك رقابة على مواقع الآبار ونوعية المياه والمسافات الآمنة بين مصادر المياه ومصادر التلوث.
وتنوه على أهمية الرقابة والشفافية إذ لا يكفي أن تفحص الدولة المياه داخلياً وفق قولها، بل يجب أن تكون هناك آليات منتظمة للرصد والإعلان عن نتائج الفحوصات خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمياه الشرب، إضافة إلى عدم ترك المواطنين وحدهم أمام الخطر إذا كان الانقطاع طويلاً، فعلى الدولة توفير بدائل آمنة مثل صهاريج مياه مطابقة للمواصفات ومراقبة جودتها إلى حين معالجة الخلل في شبكة المياه.
وتقول إنه إذا كانت الدولة تعرف أن انقطاع المياه يدفع السكان إلى استخدام آبار غير منظمة، وأن الصرف الصحي العشوائي قد يلوث المياه الجوفية، ولا تتدخل لمنع هذا الخطر أو توفير بديل آمن، فنحن أمام إخفاق في واجب الحماية والوقاية وليس مجرد مشكلة بنية تحتية.
وتؤكد الحقوقية أن قضية المياه في ليبيا يجب ألا تطرح فقط كونها قضية خدمات عامة فقط، بل هي قضية حقوق إنسان وصحة عامة ومسؤولية قانونية للدولة، فالمواطن لا يطلب من الدولة رفاهية بل بشيء نص عليه القانون الليبي نفسه، وهو مياه صالحة للشرب وبكمية وضغط كافيين ووفق المعايير الصحية.