Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الجماعات المتشددة في الساحل الأفريقي تتمدد وتهدد شمال القارة

تشير التقديرات إلى أن 60% من أراضي بوركينا فاسو باتت خارج سيطرة الدولة بينما فقدت مالي السيطرة على 50% من أراضيها

تشمل خريطة التمدد المتطرف دول مالي وبوركينا فاسو وتشاد والنيجر إلى الحدود الشمالية لغينيا (غيتي)

ملخص

تنشط في الساحل الأفريقي حركات مسلحة أخرى، تطالب بالحكم الذاتي عن مالي، كالحركات المسلحة التابعة للطوارق، وفي ظل ضعف سلطة الدولة أنشأ السكان "مجموعات الحماية الذاتية"، وهي جماعات مسلحة تنشط في نيجيريا وبوركينا فاسو، والنيجر، من أجل حماية السكان.

بعد تلقيها ضربة موجعة في كل من العراق وسوريا، اتخذت الجماعات المتشددة المتطرفة من الساحل الأفريقي مركزاً للتمدد، مستغلة غياب الاستقرار السياسي والهشاشة الاقتصادية والاجتماعية إثر موجة الانقلابات العسكرية التي شهدتها دول مالي وبوركينا فاسو والنيجر وغينيا، التي أعادت تشكيل الخارطة السياسية في المنطقة بعد تراجع النفوذ الغربي، وبخاصة الفرنسي، مقابل قوى جديدة على الأرض تتمثل في الوجود العسكري الروسي من خلال مجموعات "فاغنر" ثم الفيلق الأفريقي، وصراع محموم بين قوى اقتصادية كبرى.

هذه الأرضية الجيوسياسية الرخوة والمتحركة في المنطقة استثمرتها المجموعات المتشددة لاستقطاب مزيد من المقاتلين، وبخاصة من الشباب الباحث عن الشغل وموارد الرزق، وتمكنت من السيطرة على عدة مدن وقرى، وباتت تشكل تهديداً حقيقياً لدول المنطقة، على غرار مالي التي تواجه مجموعات متطرفة تحاصر قرى ومدناً وتقطع الإمدادات عن العاصمة باماكو، وتواجه بوركينا فاسو جماعات مسلحة عنيفة تسيطر على مساحات شاسعة، تسببت في موجات نزوح وأزمة غذاء حادة، بينما تشهد النيجر تمدداً لنفوذ التنظيمات المتطرفة في الجنوب الشرقي للبلاد، وفي مناطق المثلث الحدودي مع مالي وبوركينا فاسو، كما تتعرض تشاد بدورها لهجمات متكررة من جماعة "بوكو حرام" وتنظيم "داعش"، في مناطق بحيرة تشاد الاستراتيجية.

ولمواجهة هذا الوضع الطارئ في المنطقة، أسست كل من النيجر وبوركينا فاسو ومالي "كونفدرالية دول الساحل" لتعزيز التعاون العسكري والاقتصادي في مواجهة هذه التهديدات، بعد إنهاء التعاون الأمني مع فرنسا الذي استمر 10 أعوام في مواجهة المجموعات المسلحة المتطرفة.

القبائل والعشائر حاضنة اجتماعية

يرى فيصل الشريف، الأكاديمي وأستاذ التاريخ العسكري في الجامعة التونسية، في تصريح إلى "اندبندنت عربية"، أن "البيئة الاجتماعية في تلك المناطق ملائمة لتمدد الجماعات المتطرفة، لوجود قبائل وتجمعات عائلية وعشائرية، باتت حاضنة اجتماعية لهذه الجماعات، علاوة على أن ضعف الدولة المركزية، وهشاشة المؤسسة العسكرية والأمنية، أسهما في ازدهار تلك الجماعات الناشطة في فضاءات صحراوية شاسعة، بينما تفتقد دول المنطقة إلى قوات عسكرية قادرة على تمشيط كل المناطق وبسط سلطة الدولة فيها".

ويضيف الشريف أن "هذه المجموعات تتحرك في ما بينها ولا تعترف بالحدود السياسية بين الدول، وهو ما سمح لها بأن تتنامى انطلاقاً من نيجيريا إلى حدود بوركينا فاسو ومالي والنيجر، وباتت تتحرك بحرية في فضاء شاسع في أكبر صحراء في العالم، وهو ما يصعب عملية مراقبتها والتحكم فيها".

ويلفت أستاذ التاريخ العسكري إلى أن "هذه المجموعات تملك موارد مالية مهمة، متأتية أساساً من التهريب والتجارة بالبشر، وعمليات الخطف والمطالبة بالفدية، لذلك تلعب هذه الجماعات دور الدولة أحياناً في توفير موارد الرزق لمنتسبيها، مستغلة الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية للسكان".

من جهة أخرى، يعد الشريف أن "التهديد الأساس لدول شمال أفريقيا قد يأتي من ليبيا في ظل الانقسام السياسي، ووجود حدود مترامية مع كل من النيجر وتشاد والسودان، وهي بلدان تواجه جميعها مشكلات أمنية وعدم استقرار سياسي، بينما تعول تونس على التنسيق الأمني مع الجزائر لمنع تسلل هذه الجماعات المتطرفة، رغم نجاح بعضها في الوصول إلى الجبال الغربية لتونس بين سنتي 2011 و2024".

 

غياب التنسيق الأمني بين دول شمال أفريقيا

في المقابل، يعد طارق الكحلاوي، أستاذ التاريخ والعلاقات الدولية، والمدير العام السابق للمعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية، أن "الأزمة الراهنة بين كل من الجزائر والمغرب، والوضع الأمني المتدهور في ليبيا، علاوة على الانقسام السياسي، عوامل لا توفر تنسيقاً أمنياً مشتركاً من أجل رؤية أمنية موحدة تجاه التحديات الأمنية الكبيرة في منطقة الساحل والصحراء".

ويرى الكحلاوي، في تصريح خاص، أن "وجود أنظمة عسكرية في دول الساحل الأفريقي خلق حالة من عدم الاستقرار السياسي، بتغييب فئات واسعة من مجتمعات تلك الدول عن المشهد السياسي وعن إدارة الشأن العام، كما تعاني فئات واسعة من السكان التهميش وغياب العدالة الاجتماعية، مما جعلها فريسة سهلة للجماعات المتشددة والمتطرفة التي شكلت تحالفات في ما بينها، نتج عنها صراعات سياسية داخلية، وفتح الباب أمام أطراف دولية للتدخل مثل الفيلق الروسي الذي باتت تحتاج إليه دول المنطقة، وبخاصة حكومة مالي، لمواجهة التحديات الأمنية الممتدة إلى النيجر وتشاد وبوركينا فاسو".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتعد مالي أنموذجاً حياً لتهديد الجماعات المتطرفة للدولة وللمنطقة، وأصبحت هذه الجماعات تستغل ضعف الدولة ومؤسساتها الأمنية والعسكرية والهشاشة الاقتصادية والاجتماعية لتعزيز نفوذها.

وتشمل خريطة التمدد المتطرف دول مالي وبوركينا فاسو وتشاد والنيجر إلى الحدود الشمالية لغينيا، وتعتبر "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"، وهي الذراع الرسمية لتنظيم "القاعدة" في المنطقة، واحدة من أبرز تلك المجموعات التي تسيطر على مساحات واسعة من مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وتفرض الإتاوات على السكان، وتتحكم في تجارة الذهب، إضافة إلى "تنظيم 'داعش' في الصحراء الكبرى" الذي يتبع "داعش"، ويتخذ من الحدود الثلاثية بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وصولاً إلى أطراف العاصمة النيجيرية ميامي، منطقة نفوذ استراتيجي، ويتنافس التنظيم بقوة مع "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" في السيطرة على الأراضي واستقطاب مزيد من المقاتلين، أما "بوكو حرام" التي تأسست في نيجيريا عام 2002، وصنفتها الولايات المتحدة سنة 2013 جماعة إرهابية، وأعلنت البيعة والانضمام لتنظيم "داعش"، وغيرت اسمها إلى "ولاية غرب أفريقيا"، فتمتلك أسلحة متطورة تفوق قدرات الجيش في نيجيريا.

كما تنشط في الساحل الأفريقي حركات مسلحة أخرى، تطالب بالحكم الذاتي عن مالي، كالحركات المسلحة التابعة للطوارق، وفي ظل ضعف سلطة الدولة أنشأ السكان "مجموعات الحماية الذاتية"، وهي جماعات مسلحة تنشط في نيجيريا وبوركينا فاسو، والنيجر، من أجل حماية السكان.

السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي

تشير التقديرات إلى أن 60 في المئة من أراضي بوركينا فاسو باتت خارج سيطرة الدولة، بينما فقدت مالي السيطرة على 50 في المئة من أراضيها، وتحاصر الجماعات المتشددة عدة مدن وقرى وتقطع عنها الإمدادات الغذائية والإنسانية، مما خلف أزمة إنسانية حادة وموجات هجرة قسرية كبيرة.

واستفادت هذه المجموعات المتطرفة من الفضاء الصحراوي الواسع والحدود المفتوحة بين الدول، التي تتيح للمسلحين إمكانية التحرك والانتشار، علاوة على النزاعات العرقية والقبلية بين شعوب المنطقة، وهو ما سهل على تلك المجموعات بناء تحالفات مع بعضها، في المقابل تعاني الحكومات ضعفاً في قدراتها الأمنية والعسكرية، وانتشاراً للفساد، مما فتح الباب أمام الأطماع الأجنبية رغم امتلاكها ثروات اقتصادية قادرة على تلبية حاجات السكان.

تتميز القارة الأفريقية بتنوع عرقي وديني كبيرين، مما نتج عنه صراعات عرقية ودينية مسلحة بين مختلف هذه المجموعات بسبب الصراع على الهوية، واستغلت الجماعات المتطرفة هذه الثغرات لتجنيد مزيد من المقاتلين، وبخاصة من الفئات المهمشة، وقدمت نفسها مدافعاً عنهم ومناصرة لمطالبهم.

يتطلب تطويق هذا الوضع مزيداً من التعاون الدولي، حيث أثبتت التجربة أن الفيلق الأفريقي الروسي، الذي يبلغ عدد أفراده نحو 50 ألف جندي، ويتبع وزارة الدفاع الروسية، وينتشر في أفريقيا الوسطى ومالي والنيجر، ويتخذ من ليبيا مقراً مركزياً، لم يعد قادراً لوحده على كبح جماح المجموعات المتطرفة في دول الساحل الأفريقي، علاوة على ضرورة إرساء أسس حوكمة رشيدة وتوجيه مجهودات تلك الدول إلى التنمية.

المزيد من تقارير