ملخص
سيطرة الجماعات المسلحة على محيط عواصم الساحل الأفريقي ومدن كبرى تُعد خطراً أمنياً داهماً يقوض سيادة الدول المعنية، بخاصة مع ضعف القوات الحكومية تحت وطأة كثير من العوامل، مما يضع هذه الحكومات أمام اختبار أمني حقيقي.
طوال العقد الماضي، ركزت الجماعات المسلحة التي تنشط في الساحل الأفريقي على ملء الفراغ الذي تتركه القوات الحكومية في البلدات والأرياف، عبر هجمات خاطفة مكنتها من السيطرة على مساحات واسعة، لكنها في الآونة الأخيرة لجأت إلى تكتيكات جديدة لافتة، تتمثل في الانتقال من الاعتداءات الخاطفة في الأرياف والبلدات وهي عادة ما تكون دموية وتستهدف المدنيين والقوات الحكومية على حد السواء، إلى الحصار الممنهج للعواصم على غرار عاصمة مالي، باماكو التي تتعرض منذ أشهر لحصار خانق تشنه عليها جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" المرتبطة بتنظيم "القاعدة" الإرهابي.
ونجحت الجماعات المسلحة في النيجر بتحقيق اختراق لمؤسسات حصينة في العاصمة، النيجر، على غرار مطار "ديوري هاماني" وقواعد عسكرية متقدمة، مما كرس نفوذاً غير مسبوق لهذه الجماعات.
خطر أمني داهم
وفي مالي، تواجه العاصمة باماكو ضغوطاً غير مسبوقة نتيجة قطع طرق الإمداد الرئيسة وإقامة نقاط تفتيش عشوائية للمسلحين على المحاور المؤدية إليها، بالتزامن مع تحالفات ميدانية بين الحركات الانفصالية في الشمال والجماعات المتشددة. أما في بوركينا فاسو، فتسيطر الجماعات المسلحة على مساحات شاسعة من البلاد، وتفرض حصاراً على مدن رئيسة في الوسط والشمال، مما أدى إلى أزمة نزوح داخلي غير مسبوقة وكارثة غذائية حادة.
وفي النيجر، على رغم الصمود النسبي، أصبحت مناطق المثلث الحدودي ومحيط العاصمة حقولاً لاختبار الهجمات المباغتة قصيرة الأمد التي تستهدف زعزعة الثقة بالنظام الحاكم.
وعدّت الباحثة السياسية المتخصصة في الشؤون الأفريقية ميساء نواف عبدالخالق أن "سيطرة الجماعات المسلحة على محيط عواصم الساحل الأفريقي ومدن كبرى تُعد خطراً أمنياً داهماً يقوض سيادة الدول المعنية، بخاصة مع ضعف القوات الحكومية تحت وطأة كثير من العوامل، مما يضع هذه الحكومات أمام اختبار أمني حقيقي".
وأضافت خلال تصريح خاص أن "ما يحدث يقوض هيبة الدولة ويضعف ثقة المواطنين بالحكومات وبقدرتها على حمايتهم، مما يؤدي إلى تغلغل الجماعات الإرهابية والمسلحة".
ولفتت إلى أنه "بالتالي هذا يعود لتراجع الجيوش وعجز الدولة عن تحصين العواصم، وأعتقد بأن التكتيكات القتالية للجماعات المسلحة مكنتها من الزحف نحو عواصم الساحل الأفريقي واعتمادها حرب الاستنزاف واستخدامها أدوات عسكرية حديثة ومتقدمة مثل الطائرات المسيّرة والعبوات الناسفة، وأيضاً تراجع الدولة في ظل الانقلابات العسكرية المتكررة، مما يضعف جاهزية المؤسسات الأمنية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
عجز عسكري وانقسام
وتأتي هذه التطورات الميدانية التي تثير قلقاً واسعاً على الصعيد الدولي، في وقت طردت دول الساحل الأفريقي القوات الفرنسية إثر موجة من الانقلابات العسكرية، أثمرت تقارباً مثيراً للجدل مع روسيا.
ويعتقد الباحث الأمني والسياسي المتخصص في الشؤون الأفريقية محمد أوال بأن هناك عجزاً عسكرياً وانقساماً سياسياً في منطقة غرب أفريقيا سهّلا على الجماعات المسلحة التقدم ميدانياً في دول مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو.
وقال إن "الجماعات المسلحة نجحت كذلك في بناء إمبراطورياتها الاقتصادية الخاصة القائمة على التهريب واستغلال مناجم الذهب العشوائية وفرض الإتاوات وغير ذلك، مما جعلها قادرة على تطوير ترسانتها العسكرية بصورة غير مسبوقة، لذلك نحن أمام منعطف حقيقي للصراع في الساحل الأفريقي".
ولفت إلى أنه "في ظل الفراغ الاستخباراتي الذي تركه انسحاب القوات الغربية، فمن المرجح أن تتفاقم الأزمة الأمنية مما يشكل تهديداً للإقليم برمته، خصوصاً أن تنظيمات مثل ’داعش‘ و’القاعدة‘ تعيد بناء نفسها وقدراتها في هذه الدول".
رسالة سياسية
ولمواجهة هذه التهديدات الأمنية، لجأت دول الساحل الأفريقي إلى تشكيل قوة عسكرية موحدة هدفها شن عمليات مشتركة لقصقصة أجنحة الجماعات المسلحة، لكن خبراء ومحللين يرون أن الاكتفاء بالرد العسكري لوحده لن يكون كافياً، خصوصاً أن هذه الجماعات تراهن على حرب استنزاف طويلة الأمد تقود إلى تآكل شرعية الحكومات عبر شل وظائفها الاقتصادية والخدمية.
وعلى رغم استعانتها بقوات من مجموعة "فاغنر" العسكرية الروسية الخاصة في البداية، ثم قوات "الفيلق الأفريقي" لاحقاً، فإن هذه الدول ظلت عاجزة عن تحقيق مكاسب ميدانية حاسمة، مما وضعها أمام انتقادات كبيرة، ولا سيما أن قادة الساحل الذين وصلوا إلى الحكم عبر انقلابات عسكرية تعهدوا في السابق باستعادة الأمن والاستقرار.
وشرحت عبدالخالق أن "محاصرة مدن كبرى مثل باماكو تحمل دلالات سياسية، وهي ليست دلالات على قدرة الجماعات المسلحة على السيطرة على كل الدولة، لكنها رسالة من الجماعات بأنها قادرة على حماية مراكز حيوية أو السيطرة عليها، مما يضع الحكومات أمام تحدٍّ يتعلق بشرعيتها وقدرتها على ممارسة سيادتها على جميع أراضيها، وهو تحدٍّ عسكري وسياسي لفقدان هيبة الدولة".
وأفادت بأنه "على حكومات الساحل العمل على تعزيز وجود الدولة وتحسين أداء المؤسسات والأجهزة الاستخباراتية والتنسيق الإقليمي. لا يجب حل مثل هذه الأزمات من منطلق أمني فقط، بل يجب العمل على مقاربة تنموية واقتصادية والتوجه نحو معالجة شاملة لكبح جماح الجماعات المُسلحة".