Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الذكاء الاصطناعي يهدد خريجي بريطانيا... واستقرار المهن

مع تعرض ثلاثة أرباع الوظائف في القطاع المالي والصناعات الإبداعية لخطر أن تحل محلها الأتمتة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، علينا مواصلة الترويج للتدريب المهني في السباكة بوصفه مساراً يستحق السعي إليه والإقبال عليه، وليس الشهادة الجامعية فحسب

خلصت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن ثلاثة أرباع الوظائف في لندن "معرضة بشدة" لتأثيرات الذكاء الاصطناعي (أ ف ب/ غيتي)

ملخص

بات الذكاء الاصطناعي يتولى مهمات كانت حكراً على أصحاب الخبرة، بعدما أدار صفقة بملايين الدولارات وأقصى المصرفيين الاستثماريين عنها. ومع تعرض ثلاثة أرباع وظائف لندن لتأثيراته وتقلص فرص الخريجين، تبرز السباكة والكهرباء مسارين مهنيين أكثر أمناً من كثير من الوظائف المكتبية.

كان أحد أصدقائي يحتفل، فقد تخرج ابنه وظفر بعقد تدريب في أحد مصارف حي المال في لندن. فتبادل الجميع التهاني والأنخاب وفاضت كؤوس النبيذ الفوار. عائلات كثيرة أخرى في أنحاء البلاد ستعيش أجواء مماثلة هذا الصيف، مع تسلّم الخريجين شهاداتهم الجامعية.

وفيما كان صديقي يمزح قائلاً إن ابنه سيتمكن من رعايته في شيخوخته، ظل سؤال مقلق يراودني: "نعم، لكن هل سيتمكن من ذلك حقاً؟". صحيح أن الابن حصل الآن على وظيفة مرموقة، لكن هل ستدوم؟ وهل ستكون كما وُعد بها؟ وهل تنتظره مسيرة مهنية لامعة؟ أم سيحل الذكاء الاصطناعي محله؟

لقد أصبح الأمر واقعاً؛ ففي صفقة حديثة بلغت قيمتها ملايين الدولارات، أفادت صحيفة "وول ستريت جورنال" بأن إدارة الصفقة لم يتولها مصرفيون استثماريون، كما جرت العادة، بل تولاها الذكاء الاصطناعي.

وفي التفاصيل، طرحت شركة "سي في سي" CVC، عملاق الاستثمار المباشر، شركة التجارة الإلكترونية اليونانية "سكروتز" Skroutz للبيع في وقت سابق من هذا العام. ووُجّه المهتمون إلى رابط لبوابة بيانات تعمل بمثابة كتيب تعريفي مفصل، فيما تولى روبوت محادثة (chatbot)، يؤدي دور محلل مالي، الإجابة عن الاستفسارات المتعلقة بالبيانات المالية وإجراءات التدقيق السابقة للشراء، وأحال المشتري المحتمل إلى فريق الإدارة إذا ما أراد المضي قدماً في المفاوضات.

عادةً ما تتقاضى المصارف الاستثمارية رسوماً بملايين الدولارات مقابل إدارة صفقات كهذه، إذ تمثل هذه الأعمال مصدراً رئيساً لدخلها. وفي هذه الحال، كان متوقعاً أن تتولى تلك المصارف تقديم المشورة إلى المالك في شأن عملية البيع، لكنها استُبعدت تماماً من المعادلة.

ومما سهل ذلك أن الشريك المؤسس لشركة "سكروتز"، جورج هادجيجورجيو، له إسهامات ابتكارية في مجال الذكاء الاصطناعي. ويبدو أنه هو من اقترح أن تتولى الآلة عملية البيع بدلاً من البشر. وكتب هادجيجورجيو أخيراً: "لقد بدأ عصر جديد في تطوير البرمجيات، فالبرمجيات المصممة حسب الطلب باتت واقعاً، وستكون أقل كلفة بكثير وأكثر ملاءمة لاحتياجات الشركات من أي وقت مضى".

في العادة، يتولى فريق من المصرفيين الأذكياء والمتمرسين جس نبض السوق عند طرح شركة للبيع، وتقييم المشترين المحتملين، وإثارة اهتمامهم مع الالتزام الصارم بالحقيقة، والرد على استفساراتهم. فهي عملية بالغة الحساسية تنطوي على مسؤولية جسيمة، وتتعلق بصفقة ضخمة تكون فيها مبالغ طائلة على المحك. وارتكاب أي خطأ قد ينفّر المشتري المحتمل، فتفشل الصفقة أو تضيع فرصة الحصول على سعر أعلى، مما يثير غضب العميل. كذلك، لا يمكنك قول أي شيء قد ترتد عليك تبعاته لاحقاً.

وتأتي هذه الأنباء بالتزامن مع صدور تقرير عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، خلص إلى أن لندن هي المدينة الأكثر عرضة في العالم للأتمتة الناجمة عن الذكاء الاصطناعي، إذ تواجه نحو ثلاث من كل أربع وظائف فيها الخطر "حالياً أو في المستقبل القريب".

وتأتي لندن في الصدارة، إن جاز التعبير، بين سائر المدن الكبرى حول العالم، بما فيها نيويورك وعاصمة التكنولوجيا سان فرانسيسكو، إضافة إلى مدن أوروبية مثل باريس وبرلين. ويعزى ذلك إلى تركز نسبة كبيرة من وظائف لندن في قطاعات التمويل والخدمات المهنية والصناعات الإبداعية.

وخلصت المنظمة إلى أن ثلاثة أرباع الوظائف في لندن "معرضة بشدة" لتأثيرات الذكاء الاصطناعي، وأن الروبوتات تستطيع إنجاز أكثر من نصف المهام اليومية التي يؤديها أصحاب هذه الوظائف.

وفي هذا السياق، يحذر "مكتب مسؤولية الموازنة" في المملكة المتحدة من أن 3.4 مليون شخص قد يفقدون وظائفهم بسبب الذكاء الاصطناعي خلال الأعوام الـ10 المقبلة؛ مشيراً إلى أن نحو 10 في المئة من القوى العاملة في البلاد "قد تواجه خطر الاستبدال بأنظمة الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2036".

ويوضح المكتب أن 30 في المئة من القوى العاملة (أي 10.2 مليون عامل) من المرجح أن تشهد تكاملاً بين أدوارها الوظيفية وتقنيات الذكاء الاصطناعي في غضون عقد من الزمن، وذلك مع تطور هذه التقنيات وقدرتها على تنفيذ المهام التي كان يؤديها هؤلاء الموظفون.

وبالفعل، بدأت البنوك وشركات المحاسبة والمحاماة في تقليص أعداد الموظفين الجدد (من فئة المبتدئين)، نظراً إلى أن أنظمة الحاسوب أصبحت قادرة على إنجاز المهام التي كانت تُسند عادةً إلى الخريجين الجدد عند تعيينهم.

وتخلص منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن المملكة المتحدة في وضع حرج على نحو خاص بسبب اعتماد اقتصادها الكبير على قطاع الخدمات المهنية القائم على العمل المكتبي، ويبلغ هذا التركز أشده في لندن.

وحذر عمدة لندن صادق خان من أن الذكاء الاصطناعي قد يفتح الباب أمام "عصر جديد من البطالة الجماعية" إن لم تُفرض عليه ضوابط كافية، بل وصفه بأنه "سلاح دمار شامل للوظائف".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي رسالته السنوية الأخيرة إلى المساهمين، قال رئيس "بلاك روك"، عملاق إدارة الأصول الأميركي، لاري فينك، الذي يدير أصولاً بقيمة 14 تريليون دولار حول العالم، إن الذكاء الاصطناعي يحتم علينا إعادة تقييم مكانة المهن الحرفية.

وأوضح أن التلفزيون اعتاد تصوير السباك العادي رجلاً بديناً يتدلى سرواله إلى ما دون خصره، فيما تحيط أعمال درامية مثل مسلسل "إندستري" المصرفيين الاستثماريين بهالة من الإعجاب.

وقال: "أعتقد أننا أخطأنا. فقد نظرنا إلى كثير من المهن والناس نظرة متحيزة، مع أن كثيرين ممن اتجهوا إلى المصارف أو الإعلام أو القانون ربما لم يكن ينبغي لهم سلوك ذلك الطريق، وربما كانوا سيصبحون حرفيين بارعين. وعلينا الآن إعادة التوازن إلى هذه النظرة".

وأضاف: "بعد الحرب العالمية الثانية، أرسينا في الولايات المتحدة دعائم التعليم وقلنا للشباب جميعاً: التحقوا بالجامعة، التحقوا بالجامعة، التحقوا بالجامعة. ولعلنا بالغنا في ذلك".

وتابع فينك: "علينا تصحيح هذا الاختلال، وأن نمنح مهناً كالسباكة والكهرباء ما تستحقه من تقدير، فهي توفر مساراً مهنياً لا يقل نجاحاً عن غيره".

أما صديقي، فلا تسعه الفرحة، فقد حقق ابنه بداية موفقة. ولعل مستقبلاً مشرقاً ينتظره، لكن لا شيء يضمن ذلك في ظل سرعة التحولات، على رغم البداية الواعدة التي ظفر بها.

ومن يدري؟ ربما يأتي قريباً يوم يصبح فيه الحصول على فرصة تدريب مهني في السباكة، لا وظيفة للخريجين في حي المال بلندن، هو ما يستحق فتح زجاجات الشمبانيا.

© The Independent

المزيد من تحلیل