Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحكومة السودانية تدرس خططا تنموية تنهض بملايين العائدين لمناطقهم

اصطدم أكثر من 4.1 مليون شخص بواقع اقتصادي ومعيشي مرير

غياب تام للوظائف والأعمال اليومية التي يعتمد عليها العائدون إلى المناطق السودانية الأمنة نسبياً لتأمين قوتهم (أ ف ب)

ملخص

كان وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية في السودان معتصم أحمد صالح قد أعلن في وقت سابق توفير 40 ألف وظيفة حكومية، في إطار برامج الإنعاش المبكر.

يواجه ملايين السودانيين العائدين لمناطقهم الأصلية أو ولايات الملاذ الآمن أوضاعاً إنسانية وحياتية بالغة التعقيد، تتسم بانعدام شبه تام لفرص العمل، وانهيار كامل للخدمات الأساسية. فعلى رغم تحسن الأوضاع الأمنية نسبياً في بعض المناطق، الذي دفع بأكثر من 4.1 مليون شخص للعودة، وفقاً لبيانات المنظمة الدولية للهجرة (IOM)، إلا أنهم اصطدموا بواقع اقتصادي ومعيشي مرير.

وتتمثل الملامح الرئيسة لأوضاع العائدين والأزمة المترتبة عليها في أزمة سبل العيش وانعدام الأعمال، إذ توقفت الأنشطة التجارية والصناعية تماماً في المدن الكبرى، مما أدى إلى غياب تام للوظائف والأعمال اليومية التي يعتمد عليها العائدون لتأمين قوتهم، فضلاً عن تعرض الأسواق والمحال التجارية لعمليات تخريب ونهب واسعة، مما منع أصحاب المهن الحرة والتجار من استئناف أعمالهم. في حين واجه العائدون في المناطق الريفية صعوبات بالغة في اللحاق بالمواسم الزراعية، بسبب نقص التمويل وغلاء المدخلات وصعوبة الوصول إلى الأراضي.

تدابير حكومية

في المقابل، تسعى الحكومة السودانية لتخفيف الضغوط الاقتصادية على المواطنين العائدين لمناطقهم عبر خطط تستهدف إشراك القطاع الخاص في توفير فرص عمل ومصادر دخل جديدة لهم، بعد أن فقد كثيرون أعمالهم ومواردهم بسبب النهب والسرقة خلال فترة الحرب.

وبحسب وزيرة الدولة بوزارة الرعاية والتنمية الاجتماعية والعمل سليمى إسحاق، فإن "هذه التحركات تأتي بالتزامن مع جهود رسمية لمعالجة آثار الحرب والانتقال تدريجاً من المساعدات إلى التعافي الاقتصادي والاجتماعي".

وأضافت أن "معظم العائدين فقدوا مواردهم ومصادر دخلهم نتيجة أعمال النهب والسرقة التي شهدتها المدن خلال فترة الحرب، مما يجعل توفير فرص عمل أحد أبرز الاحتياجات المطروحة أمام الحكومة في المرحلة الحالية".

 

وأوضحت إسحاق أن "الوزارة تدرس تدابير جديدة يمكن أن تساعد العائدين في تأمين وسائل العيش من خلال حث الشركات والقطاع الخاص على توفير وظائف لهم، لا سيما أن المشروع لا يزال يخضع للنقاش والإجراءات السريعة التي تمثل، في تقديري، المخرج الأساس لمعالجة أزمة شح فرص العمل".

وترى أن "عودة المواطنين لمناطقهم ينبغي أن تترافق مع استئناف أنشطتهم المعتادة، سواء كانت اقتصادية أم خدمية أم مرتبطة بالعمل العام، مع إدراك أهمية إشراك القطاع الخاص في إعادة تنشيط هذه القطاعات، لجهة أن الأخير قادر على أداء دور مؤثر في خلق وظائف جديدة للعائدين".

ولفتت إلى أن "التكايا التي تنشط في تقديم الطعام للمتضررين من الحرب تعد وضعاً موقتاً، في انتظار انتقال الحكومة إلى مرحلة التعامل التدريجي مع الآثار الاقتصادية والاجتماعية للنزاع".

وشددت وزيرة الدولة في وزارة الرعاية والتنمية الاجتماعية والعمل في ختام حديثها على "ضرورة توفير بيئة مناسبة للقطاع الخاص، حتى يتمكن من الاستثمار وخلق فرص عمل، مع أهمية إبعاده من الضغوطات والملاحقات وتشجيعه على توسيع نشاطه الاستثماري خلال المرحلة المقبلة".

فقدان ووعود

يقول المواطن جلال عبدالقادر أحد العائدين لمدينة أم درمان "عدت الآن لمنزلي في ضاحية الفتيحاب بأم درمان بعد رحلة نزوح طويلة امتدت لنحو ثلاث سنوات في مراكز الإيواء بولاية كسلا، وأعلم أن الحياة لن تكون سهلة مع فقدان وظيفتي وقلة فرص العمل وارتفاع الكلف المعيشية، ومنذ عودتي في حال بحث متواصل عن عمل، غير أن المتوفر منها أعمال هامشية شاقة بالكاد تكفي لتوفير وجبة واحدة في اليوم لأسرتي المكونة من ستة أفراد، ناهيك بالخدمات الأخرى التي يجب توفرها عبر إيجاد عمل مستقر".

وتابع عبدالقادر "الحياة في المعسكرات كانت قاسية على رغم ممارسة أعمال في الأسواق، إذ كنت أفترش الأرض بالخضروات، وأحياناً عندما لا تكفي دخولها أمتهن أعمالاً أخرى في نقل البضائع والنظافة وغيرها لتوفير المال، وما يهون الأمر المساعدات الإنسانية التي نتلاقاها عبر المنظمات الدولية والمحلية، ومع ذلك الضغوطات المعيشية كانت متفاقمة بسبب فقدان الوظيفة الأساس التي تساعد إلى حد كبير في الاستقرار وتلبية متطلبات الحياة".

وأشار المواطن إلى أنه "يجب أن تفي السلطات المعنية في الخرطوم في ضوء استجابة المواطنين للعودة غير المسبوقة للعاصمة، بوعودها في توفير سبل عيش للعائدين لتطبيع حياتهم بعد أن فقدوا كل ممتلكاتهم".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

جحيم لا يطاق

من جانبه، أوضح المواطن عز الدين إبراهيم، وهو تاجر في المواد الغذائية، قائلاً "الحرب في السودان جردتنا من أعمالنا، وحولت حياتنا إلى جحيم لا يطاق نتيجة البطالة، وعدم القدرة على تلبية الحد الأدنى من مقومات الحياة".

وأضاف "قبل الحرب كان النشاط الاقتصادي مستقراً وفرص العمل متوفرة، لكن الحرب التي طال أمدها أدت إلى تراجع الأنشطة حتى في الولايات الآمنة، مما تسبب في انعكاسات مباشرة على الحياة، ومعاناة متفاقمة في تدبير كلفة الغذاء والتنقل، والآن عقب العودة وفي ظل تدمير المنازل والمرافق الحكومية، باتت الحاجة ملحة إلى الترميم والصيانة، إلى جانب أن هناك بعض المصانع والشركات والقطاعات التجارية استعادت حركتها، لذلك من المتوقع أن تتوفر فرص عمل جديدة لملايين العمال في القطاع الخاص والمجال الحر".

ومضى التاجر في القول إن "كلف الحياة تزداد يومياً في ظل التضخم الاقتصادي وارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية والخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم، مما يشكل ضغوطاً إضافية على الأوضاع النفسية والاجتماعية، إذ إن الأمر يستدعي تدخلات الحكومة وتسريع إجراءات فرص للعمل".

تداعيات متفاقمة

في السياق، أوضح المحلل الاقتصادي وائل فهمي أن "تفاقم تداعيات الحرب، لا سيما في ما يتعلق بفقدان المواطنين وظائفهم نتيجة تركز النشاط الاقتصادي في العاصمة الخرطوم، التي شهدت تعطيل أكثر من 95 في المئة من مصانعها وقطاعاتها الإنتاجية والمالية والخدمية، سبب معاناة حياتية كبيرة للغالبية العظمى".

وأشار فهمي إلى أن" القطاعات الاقتصادية في الخرطوم ترتبط مباشرة بالقطاعات في الولايات الأخرى، وفي ظل توقف خدمات الحكومات الإتحادية وحكومة ولاية الخرطوم بالكامل، تأثرت القطاعات التجارية والصناعية والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وسلاسل الإمداد كافة التي كانت تستوعب أكثر من 60 في المئة من الشريحة السكانية العاملة".

وزاد "مع تآكل مدخرات الأفراد وفقدان الجنيه قيمته تزداد معاناة المواطنين، وبالتالي يظهر الأثر السلبي، مما يتطلب توفير سبل كسب جديدة للعيش حتى يتحقق الاستقرار النسبي في ظل الظروف الاستثنائية التي تشهدها البلاد".

ولفت المحلل الاقتصادي إلى أن "الحكومة تبذل قصارى جهدها لإعادة المواطنين لسوق العمل والمساهمة في توفير الفرص المناسبة، فضلاً عن التركيز على تدريب الكوادر الذين فقدوا وظائفهم بالكامل وخلق فرص عمل جديدة لهم".

هشاشة اقتصادية

وكان وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية في السودان معتصم أحمد صالح قد أعلن في وقت سابق توفير 40 ألف وظيفة حكومية في إطار برامج الإنعاش المبكر، موضحاً أن ألفي وظيفة منها نفدت بالفعل في ولاية الخرطوم.

وقال صالح إن "هذه الوظائف تتركز في قطاعات حيوية مرتبطة مباشرة بجهود إعادة الإعمار، مثل الكهرباء وتوصيلات المياه والنظافة والترميم والبناء، كونها المجالات الأكثر طلباً في المناطق المتأثرة بالحرب".

وأشار إلى أن غياب قاعدة بيانات دقيقة للأسر الفقيرة نتيجة ظروف الصراع يجعل الأولوية حالياً لتهيئة بيئة كسب عبر مؤسسات متعددة، لضمان وصول الدعم إلى الشرائح التي تعاني هشاشة اقتصادية.

وأكد أنه في سياق دعم سبل العيش جرى تنفيذ مشاريع صغيرة في عدد من الولايات، من بينها مشروع التمويل عبر الجمعيات الزراعية بولاية القضارف ومشروع مزارع الأسماك بولاية نهر النيل، منوهاً إلى أن هذه المشاريع تمثل بناء قدرات المجتمعات المحلية وتخفيف آثار الحرب عبر حلول اقتصادية سريعة وواقعية.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير