ملخص
يواجه المهنيون من الطبقة الوسطى خطر فقدان وظائفهم مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، بينما تستعيد المهن اليدوية والحرفية قيمتها بوصفها الأقل عرضة للاستبدال، في وقت تفرض فيه الأتمتة السريعة إعادة التفكير في معنى العمل الحقيقي وقيمته في المجتمع.
خلال مقابلة أجريت معه حديثاً، قال الحائز وسام الإمبراطورية البريطانية (CBE)، الرئيس التنفيذي ورئيس مجلس إدارة شركة ريد للتوظيف Reed Employment، جيمس ريد، "إن [الوضع عبارة عن] جفاف في الوظائف بل هو أقرب إلى صحراء قاحلة"، مضيفاً أنه "لم ير شيئاً كهذا" منذ ما يقارب أربعة عقود عمل خلالها في هذا المجال، إذ وصلت البطالة إلى أعلى مستوى لها في أربعة أعوام، ولا سيما بين الشباب الذين يتخرج منهم عشرات الآلاف ليتجهوا مباشرة إلى الهاوية، فلماذا يحصل ذلك؟ حسناً، لأن الروبوتات قادمة.
الذكاء الاصطناعي يقتحم غرف الاجتماعات بسرعة مذهلة وقدراته الخارقة بات من الصعب تجاهلها، بخاصة من قبل أصحاب العمل الذين يواجهون تشديداً في سياسات التوظيف مع اقتراب صدور مشروع "قانون حقوق العمال" الذي تقوده أنجيلا راينر، ومع تسارع التقدم فلا شك في أن اقتصاد المكاتب يترنح، فقد أعلنت "أمازون" أخيراً تسريح 14 ألف موظف من وظائفها الإدارية، وهو أكبر عدد من التسريحات في تاريخ الشركة، مشيرة إلى الذكاء الاصطناعي كسبب رئيس، ضمن خطة يتوقع أن تؤثر في نحو 30 ألف وظيفة.
وإذا صحت التوقعات الكارثية فقد يجري فقدان أو تقليص ما يصل إلى 300 مليون وظيفة بدوام كامل بسبب الذكاء الاصطناعي خلال الأعوام المقبلة، إذ تُعد ما بين 10 و 30 في المئة من الوظائف في المملكة المتحدة قابلة للأتمتة بدرجة عالية، أما حل ريد؟ "ابحث عن وظيفة تتطلب العمل اليدوي".
يرى بعضهم أن هذا قد يكون بداية ثورة من نوع مختلف تماماً، وهذا ليس جديداً، فمنذ أوائل القرن الـ 19 حين اشتهر "اللوديون" [حركة من العمال المهرة في إنجلترا ظهرت في بداية القرن الـ 19 خلال الثورة الصناعية واشتهروا بمعارضتهم إدخال الآلات الحديثة] بمقاومتهم للآلات خلال الثورة الصناعية، ارتبط الخوف دائماً بالتقدم التكنولوجي، لكن نوعاً آخر هذه المرة من الوظائف يقف بثبات في وجه الموجة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لطالما اعتقد المهنيون البيض من الطبقة الوسطى أنهم في مأمن من التقدم التكنولوجي الذي بدا في الماضي وكأنه يهدد العمالة اليدوية الماهرة، فعلى مر السنوات استولت الآلات تدريجياً على وظائف تقليدية للطبقة العاملة في خطوط الإنتاج والأعمال الكتابية، مثل آلات الدفع الذاتي أو الروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي التي تدير المصانع، لكن الآن، ومع سيطرة الذكاء الاصطناعي، باتت الطبقة الوسطى هي التي تواجه التهديد، بل بدأت فعلياً تخسر وظائفها لمصلحة التكنولوجيا.
تادغ أوماهوني (30 سنة)، وهو كهربائي من غرب كورك، يقول إن "المسألة هي أنني لا أستطيع أن أتصور الذكاء الاصطناعي وقد تعلم كيفية إعادة توصيل القابس في أي وقت قريب"، ولا يمكنك أن تدرب خوارزمية على تركيب الألواح الشمسية، وليس بوسع " تشات جي بي تي" أن يقوم برعاية والدتك، كما أن روبوت الدردشة لا يستطيع إصلاح سخان المياه ولا يوجد تطبيق للسباكة، ومع تسارع وتيرة نمو الاقتصاد ثمة إدراك مهم وهادئ يلوح في الأفق، مفاده أن هناك حاجة مستمرة إلى من يضع الطوب.
هل يبشّر عصر الذكاء الاصطناعي بعصر جديد للطبقات العاملة؟ ربما، لقد حان الوقت لذلك، يتابع أوماهوني "أعتقد أن المهن الحرفية ستتأثر على الأرجح بصورة أقل بكثير من أنواع أخرى من الوظائف المكتبية"، لقد تمتع ببعد نظر دفعه إلى تعلم مهنة منذ نعومة أظفاره، واعتمد على مزاولة عمل مستقر إضافة إلى مواصلة الدراسة للحصول على شهادة في الكيمياء وعلوم الطب الشرعي، وقد درس أخيراً لنيل درجة الماجستير في الاستدامة وتوفير الطاقة، ويقول "أعرف كثيراً من المحامين والعاملين في مجال الفنون الإبداعية، مثل مصممي الغرافيك، الذين أصبحوا سلفاً إلى حد ما من مخلفات الماضي التي ولّى زمنها".
ويتابع أوماهوني "لذا فإن العمل في مجال الكهرباء أو في أي مهنة حرفية أخرى يعتبر وظيفة آمنة نسبياً، وأعتقد أنه حتى الخوادم التي يجب بناؤها من أجل تشغيل الذكاء الاصطناعي ستكون بمثابة عمل مربح للكهربائيين، لأن الذكاء الاصطناعي يتطلب كميات هائلة من الطاقة والبرمجيات لتشغيله بصورة فعلية، ولن يكون هذا مفيداً للبيئة ولكنه سيكون مفيداً على المدى القصير، في الأقل بالنسبة إلى صناعة توليد الكهرباء".
ارتبطت المملكة المتحدة منذ فترة طويلة بعلاقة معقدة مع الطبقة العاملة التي يجري تصويرها في كثير من الأحيان في أفلام "جريئة"، بينما تستخدم كطعم في وستمنستر، وعلى مدى فترة طويلة وتحت شعار التقدم، جرى تفكيك الصناعات التقليدية التي كانت تاريخياً المصدر الرئيس لوظائف أبناء الطبقات العاملة، إذ أغلقت المناجم وبِيعَت المصانع وطلب من مجتمعات بأكملها إعادة التدرب والتطلع إلى الالتحاق بالطبقة المتوسطة، والمضي قدماً في ركابها.
يمكن القول إن جائحة كورونا قد بدأت في إعادة صياغة بعض هذه الأمور، فعندما جرى حصر كل شيء في الأساسات، من مأوى وغذاء والبقاء على قيد الحياة، صار ينظر إلى العمال "الضروريين"، مثل مقدمي الرعاية وسائقي التوصيل و[العمال الذين يقومون] بوضع البضاعة على رفوف العرض وما شابه ذلك، في ضوء مختلف تماماً، فلقد أدى الإغلاق إلى زعزعة تعريفاتنا للقيمة، ليس اقتصادياً وحسب، بل أيضاً على المستوى الثقافي.
وعلى نحو مماثل ومع تحول مزيد من المهمات الرقمية للأتمتة، فإن الوظائف التي كثيراً ما جرى تجاهلها باعتبارها ذات مكانة متدنية، مثل الوظائف الجسدية واليدوية والحرف التي تتطلب مهارات، تبدو في الوقت الحالي فجأة أقل قابلية للاستبدال وأكثر أهمية، كما أنها اكتسبت قيمة اجتماعية.
في مرحلة ما أصبح كونك مفيداً وضرورياً أقل قيمة من مجرد امتلاك شهادة جامعية، بغض النظر عن التخصص أو التقدير، فهل يمكن أن يتغير هذا قريباً؟ ربما، بيد أن هذا قد يكون مجرد جزء من المشكلة كما يقول الاقتصادي البريطاني غاي ستاندينغ، مؤلف كتب عدة منها "سياسة الزمن: استعادة السيطرة في عصر اللايقين" The Politics of Time: Gaining Control in the Age of Uncertainty.
ويشرح ستاندينغ أن "كثيراً من التعليقات حالياً حول الذكاء الاصطناعي سطحية، بمعنى أنها تتحدث عن استبدال الروبوتات بالبشر وما شابه ذلك، لكنني أعتقد، كما هو الحال مع كل التحولات التكنولوجية عبر التاريخ، أن الذكاء الاصطناعي سيخلق وظائف بقدر ما يدمرها، إن لم يكن أكثر، والأهم من ذلك أنه سيغير طبيعة عملية العمل نفسها، وما نحتاج إليه هو إعادة تصور كاملة لما يعنيه أن تكون ضمن طبقة 'البركاريا' [عدم استقرار وظيفي]".
قبل أكثر من عقد صاغ ستاندينغ مصطلح "البركاريا" لوصف طبقة اجتماعية جديدة تتسم بانعدام الأمن الوظيفي والاجتماعي، بعد عقود من الأزمات الاقتصادية وسياسات التقشف، واليوم أصبحت هذه الطبقة موضوعاً ساخناً في مختلف أنحاء العالم، وحتى الآن فغالباً ما كانت هذه الطبقة، وإن لم تكن حصراً، تضم أولئك الذين جرى تهميشهم وتجاهلهم من قبل السياسة السائدة، خصوصاً اليسار، وهم يشكلون القوة الدافعة للشعبوية ويصوتون لترمب ويهتفون لفاراج، ويقول ستاندينغ إن الذكاء الاصطناعي والثورة الصناعية الجديدة سيزيدان حدة التفاوت، ولهذا "يجب النظر إلى هذه القضية ضمن سياق سياسي واقتصادي أوسع".
لقد أصبحنا ندرك جيداً كيف تمجد الحركات الشعبوية الطبقة العاملة على حساب النخب العالمية، لكنها، باستثناء إيلون ماسك طبعاً، تركز أيضاً على سياسات مناهضة للتكنولوجيا وتدعم الصناعات المحلية التقليدية التي تعطي الأولوية للعمل اليدوي.
ويشرح ستاندينغ أن "لدينا الآن مزيج من حكم الأثرياء والعولمة وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، مما يجعل علاقات العمل أقل أماناً واستقراراً ويخلق ظاهرة جديدة، وهي أن الناس يواجهون حالاً من اللايقين المزمن، فقد بنيت دولة الرفاه على مبدأ التعامل مع الأخطار المتوقعة، مثل فقدان الوظيفة أو المرض أو الحمل أو الحوادث، لكن لا يمكنك تصميم نظام تأمين لمواجهة عدم اليقين".
قد نكون في الأساس عند مفترق طرق إذا ما أساءت الحكومة التعامل مع هذا الغموض المضلِل، ومن خلال نقص الاستثمار في تطوير المهارات وعدم كفاية برامج التدريب المهني ونقص التعليم في مجال التكنولوجيا والعمل، فقد يرسّخ هذا الغموض الذي يمضي على غير هدى شكلاً جديداً من الطبقية الرقمية، بل وربما يغذي ذلك النوع من السياسات الخطرة التي تثير الفوضى سلفاً على جانبي الأطلسي، وعلى رغم هذا، إذا أصغينا جيداً، فلن يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة عملنا وحدها وإنما رؤيتنا للعمل القيم أيضاً.
يقول أوماهوني إن التغيير بدأ بالفعل، وخلال العقود الماضية أثبتت الوعود بـ "الحراك الاجتماعي التقليدي"، أي أن الذهاب إلى الجامعة يعني تلقائياً الصعود في السلم الطبقي، أنها فارغة بالنسبة إلى كثيرين، وتأثير الذكاء الاصطناعي في الأجيال التي سلكت هذا الطريق سيزيد ترسيخ هذا الواقع، مضيفاً "كثيراً ما اعتقدت أن الدفع بالجميع نحو التعليم الجامعي، حتى لو لم يكن مفيداً، أمر سخيف"، مشيراً إلى أنه يعتقد أن على الجميع تعلم حرفة أثناء تحديد مسار حياتهم المهنية، ويتابع "وقد أدى ذلك إلى نقص كبير في الحرفيين، والمثير الآن أن الشخص الذي أعمل معه يمكنه أن يطلب أي أجر لأنه لا يوجد كهربائيون متاحون، وهو يربح مالاً أكثر بكثير من كثر يعملون في وظائف تقليدية للطبقة الوسطى، فمكانته الاجتماعية تغيرت خلال الأعوام الـ15 الماضية من مجرد عامل بناء إلى شخص يقود سيارة طراز 'أودي'، والأمر لا يتعلق فقط بزيادة الدخل بل هنا يكمن الحراك الاجتماعي، وأعتقد أن الذكاء الاصطناعي سيسهم في ذلك أيضاً".
ومهما كان ما سيحدث فإنه سيحدث بسرعة، فمن الصعب تصديق أن "تشات جي بي تي" الذي طرح للاستخدام أمام الجمهور في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 فقط، بالنظر إلى مدى اندماجه في حياتنا اليوم، ولهذا يقول ستاندينغ إنه حان الوقت للنظر ليس فقط في قيمة الوظائف، بل في سبب قيامنا بها، ففي سعي المجتمع المحموم نحو النمو الاقتصادي فقدنا الإحساس بمعنى هذا النمو في سياق المجتمع.
ويوضح "أنا أستاذ اقتصاد، وأعتقد أن فكرة النمو ضرب من الجنون، وأمر ينبغي أن نسخر منه"، وعلى مدى نحو قرن من الزمن، ومنذ بدء حساب الناتج المحلي الإجمالي في ثلاثينيات القرن الماضي، أرسى هذا المفهوم سابقة لما نقدر قيمته في العمل، ويتابع "كان مقياساً للموارد التي جرى حشدها من أجل الحرب، فعلى سبيل المثال لم تكن النساء اللواتي كنّ يقمن بأعمال الرعاية قابلات للتعبئة في الحرب، لذا جرى اعتبار عملهن بلا قيمة"، مضيفاً "كان ذلك تفكيراً ذكورياً غبياً، لكنه كان افتراضاً أساسياً اعتمدوا عليه عند تصميم هذا المفهوم، ويجب أن نطالب بتغييره".
كثير من الأعمال التي كانت تعتبر سابقاً جزءاً من النشاط المجتمعي أصبحت اليوم وظائف منخفضة القيمة تسند إلى الطبقة العاملة، تؤدى بأجور زهيدة وتعامل بتقدير ضئيل، ومن المؤكد أن ثورة الذكاء الاصطناعي ستحدث تحولاً عميقاً في أنماط العمل، كما ستثير تساؤلات جوهرية حول نوع الوظائف التي يقدرها المجتمع، فنحن الآن في لحظة فارقة تستدعي إعادة التفكير.
© The Independent