Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الوجه الآخر للهداف

كل مباراة تضيف إليه رقماً أو تتركه مكانه

الهولندي الطائر ماركو فان باستن (حسابه على انستغرام)

ملخص

يقضي المهاجم المباراة كلها وهو ينتظر لحظة واحدة، لحظة تمنحه حق أن يبقى كما يعرف نفسه.

في الـ17 من يوليو (تموز) عام 1994، سار روبرتو باجيو نحو نقطة الجزاء في ملعب روز بول بكاليفورنيا، بينما كان أكثر من 70 ألف متفرج يراقبونه، وملايين آخرون يتابعونه عبر الشاشات.

كانت ركلات الترجيح بين إيطاليا والبرازيل وصلت إلى لحظتها الأخيرة، ولم يعُد أمام المنتخب الإيطالي سوى احتمال واحد، أن يسجل باجيو لتبقى الآمال قائمة.

كان المشهد يحمل مفارقة يصعب تصوّرها. الرجل الذي وقف أمام الكرة لم يكُن اللاعب الذي نجا حتى تلك اللحظة بصعوبة، بل اللاعب الذي أوصل إيطاليا إليها.

هدف متأخر أمام نيجيريا أنقذها من الإقصاء، هدف الحسم أمام إسبانيا منحها بطاقة نصف النهائي، وثنائية أمام بلغاريا وضعتها في النهائي. خلال أسبوع واحد، بدا كأن المنتخب الإيطالي بأكمله يستند إلى قدمه اليمنى.

ثم ارتفعت الكرة فوق العارضة.

لم تستغرق الرحلة بين قدم باجيو والسماء أكثر من ثانية، لكنها كانت كافية لتغيّر الطريقة التي يتذكره بها العالم. بقيت الصورة، رأس منحنٍ، ذيل حصان يتدلى خلفه، وعينان لا تنظران إلى المرمى، بل مساحة فارغة يصعب وصفها.

اختفت المباريات السابقة، وتلاشت الأهداف التي سبقتها، وبقيت تلك الركلة وحدها كأنها اختزال لمسيرة كاملة.

 

 

بعد أعوام، قال باجيو إن تلك اللحظة لم تغادره قط، وإنها جرح لم يلتئم بالكامل. لم يكُن يتحدث عن خسارة بطولة، بل عن لحظة اكتشف فيها أن ذاكرة كرة القدم لا تعمل بالعدل دائماً. قد تمنحك أعواماً من المجد، ثم تختزلها كلها في ثانية واحدة.

هذه هي المفارقة التي يعيشها الهدافون أكثر من غيرهم. فمن الممكن أن يخطئ المدافع 10 مرات ثم يُذكر بتدخل أخير أنقذ فريقه، ولاعب الوسط يمكن أن يمر بمباراة عادية من دون أن يُحاكم.

حتى حارس المرمى يجد فرصة جديدة بعد هدف استقبله. أما الهداف، فيعيش داخل عداد لا يتوقف. كل مباراة تضيف إليه رقماً أو تتركه مكانه، ومع مرور الوقت، لا يعود الرقم مجرد إحصاء، بل يتحول إلى اللغة التي يُعرَّف بها، ثم إلى اللغة التي يعرّف بها نفسه.

يميز الباحثون في علم النفس الرياضي، بين الهوية الشخصية والهوية الأدائية. فالأولى هي ما يعتقد الإنسان بأنه عليه، أما الثانية فهي ما يعتقد بأنه يساويه بما ينجزه. والخطر يبدأ عندما تبتلع الثانية الأولى. عندها، لا يعود السؤال، كم هدفاً سجلت؟ بل من أكون إذا لم أسجل؟

لهذا لا يكون الجفاف التهديفي مجرد أزمة فنية. إنه أزمة هوية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لا أحد يرى ذلك في المدرجات. يرى الجمهور مهاجماً أهدر فرصة، أو مهاجماً صام عن التسجيل خمس مباريات. أما الهداف نفسه، فيعيش التجربة بطريقة مختلفة تماماً.

الكرة التي كانت تصل إلى قدمه فتغادرها بلا تفكير، تصبح فجأة موضوعاً للتفكير. والحركة التي تكررت آلاف المرات تتحول إلى قرار واعٍ، والقرار الواعي أبطأ دائماً من الغريزة التي صنعت صاحبها.

لهذا تبدو أطول فترات الصيام التهديفي، في كثير من الأحيان، أقل ارتباطاً بالقدم منها بالرأس.

آلان شيرر

قبل انطلاق بطولة أوروبا عام 1996، خاض آلان شيرر 12 مباراة متتالية مع المنتخب الإنجليزي من دون تسجيل هدف واحد. بدأت الصحافة تتحدث عن مهاجم فقد حدسه، والجمهور راح يتساءل إن كان أفضل هداف في الدوري الإنجليزي ترك أفضل أيامه وراءه.

كانت الصورة مختلفة داخل معسكر المنتخب. روى زميله روب لي لاحقاً أن شيرر لم يتصرف يوماً كما لو أنه يعيش أزمة. كان يتدرب بالطريقة نفسها، ويتحرك بالطريقة ذاتها، ويتحدث بثقة كبيرة. لم يكُن يتظاهر بالهدوء، بل كان مقتنعاً بأن الأهداف لا تختفي، وإنما تتأخر أحياناً.

وفي المباراة الافتتاحية أمام سويسرا، سجل أخيراً.

 

 

لم يحتفل كما يحتفل لاعب أنهى مباراة جيدة، بل كما يحتفل رجل خرج من غرفة ظل بابها مغلقاً لأشهر. ومن ثم واصل التسجيل حتى أنهى البطولة هدافاً لها.

لكن أكثر ما يكشف عن طبيعة علاقة شيرر بالتسجيل لم يقُله أثناء مسيرته، بل بعدها بأعوام. عندما سُئل عما يفتقده بعد الاعتزال، لم يتحدث عن الأضواء أو الملاعب أو الشهرة. قال إنه يفتقد شعور يوم المباراة، وتلك اللحظة التي تهتز فيها الشباك ويشعر بأن كل شيء استقام في مكانه.

كان يفتقد الإحساس، لا الرقم. وربما لهذا السبب كان الرقم قادراً على امتلاكه كل تلك الأعوام.

الاعتزال

إذا كان باجيو يمثل اللحظة التي تستطيع فيها كرة واحدة أن تعيد كتابة الماضي، وإذا كان شيرر يمثل الإيمان بأن الهداف يستطيع استعادة نفسه بعد أن يضيعها موقتاً، فإن غيرد مولر يقدّم وجهاً ثالثاً أكثر تعقيداً، هو الرجل الذي قرر أن يغادر قبل أن يصبح أسيراً لما صنعه.

خلال صيف عام 1974، لم تكُن ألمانيا الغربية تستضيف كأس العالم وحسب، بل كانت تستضيف أيضاً التوقعات التي رافقت أفضل هداف عرفته البلاد.

قبل أربع سنوات، سجّل مولر 10 أهداف في مونديال المكسيك، ومن ثم واصل تسجيل الأهداف بالمعدل نفسه تقريباً مع المنتخب وناديه. لم يعُد يُنتظر منه أن يلعب جيداً، بل أن يسجل. وكأن المباراة لا تبدأ بالنسبة إليه إلا عندما تهتز الشباك.

في النهائي أمام هولندا، بدا كل شيء مهيأً لاختبار جديد. تقدمت هولندا بركلة جزاء قبل أن يلمس أي لاعب ألماني الكرة، ثم عادل بول برايتنر النتيجة، وقبل نهاية الشوط الأول تسلم مولر الكرة داخل منطقة الجزاء، ظهره إلى المرمى، في مساحة لا تسمح عادةً بالتسديد. احتاج إلى لمسة واحدة فقط ليدور حول نفسه، ثم أخرى ليرسل الكرة إلى الشباك.

 

 

أصبح ذلك الهدف عنوان المباراة، وأصبح كأس العالم من نصيب ألمانيا الغربية.

بعد ساعات قليلة، أعلن مولر اعتزاله اللعب الدولي.

لم يكُن الاعتزال نتيجة إصابة، ولا تراجع في المستوى، ولا خسارة مكانه في التشكيلة. كان في ذروة عطائه، ومع ذلك اختار المغادرة. تحدّث لاحقاً عن الإرهاق الذي يصنعه العيش تحت سقف التوقعات، حين يصبح ما فعلته بالأمس هو الحد الأدنى المطلوب منك اليوم.

بالنسبة إلى الهداف، لا يوجد رصيد يمكن الادخار فيه. الهدف الذي سجلته الأسبوع الماضي لا يمنحك أي امتياز في المباراة التالية، بل يرفع سقف ما ينتظره الجميع منك.

كان مولر يدرك أن الأهداف التي صنعت اسمه بدأت أيضاً تصنع سجنه.

أما غاري لينيكر، فعرف وجهاً مختلفاً تماماً من العلاقة بين الهداف ورقمه. أنهى مسيرته الدولية وفي رصيده 48 هدفاً، بفارق هدف واحد فقط عن الرقم القياسي الذي كان يحمله بوبي تشارلتون.

خلال مباراة إنجلترا أمام السويد في بطولة أوروبا عام 1992، احتاج إلى هدف واحد ليعادل الرقم، لكن المدرب غراهام تايلور استبدله في الدقيقة 68 بينما كانت إنجلترا تبحث عن التسجيل.

لم يكُن أحد في الملعب يعلم أنها ستكون آخر دقائق لينيكر بقميص المنتخب.

هناك أرقام ناقصة لا يلتفت إليها أحد، وهناك أرقام تبقى معلقة لأنها جاءت على بعد خطوة واحدة من الاكتمال. هدف واحد فقط كان يفصل لينيكر عن معادلة الرقم التاريخي، لكن كرة القدم لا تمنح نهايات مكتملة دائماً. بعض المسيرات تنتهي بجملة أخيرة، وبعضها الآخر ينتهي بنقاط حذف.

وربما لهذا بقي ذلك الهدف الغائب جزءاً من قصة لينيكر أكثر من عشرات الأهداف التي سجلها بالفعل.

الهولندي الطائر

يقدم ماركو فان باستن، الوجه الأكثر قسوة في الحكاية كلها. لم يخسر سباقاً مع الزمن، بل خسر القدرة على دخوله من الأساس.

بين عامي 1988 و1992، بدا المهاجم الهولندي كأنه يعيد تعريف معنى المهاجم المتكامل.

ثلاثة ألقاب للكرة الذهبية، ومئات الأهداف، وموهبة جعلت كثراً يضعونه بين أعظم من لمس الكرة. لكن الكاحل الذي حمل كل ذلك المجد لم يعُد قادراً على حمل صاحبه.

ثلاث عمليات جراحية لم تكُن كافية. اعتزل في الـ30 من عمره، بينما كان معظم المهاجمين لا يزالون يعيشون سنواتهم الذهبية.

بعد اعتزاله بأعوام، وصف يوم وداعه بأنه أشبه بجنازة. لم يكُن ينعى إنساناً، بل ينعى النسخة التي عرفها من نفسه طوال حياته. فجأة، اختفى الشخص الذي كان يعرف كيف يجيب عن الأسئلة كلها بلمسة واحدة داخل منطقة الجزاء، واضطر إلى اكتشاف رجل آخر لم يتعلم كيف يعيش بعيداً من المستطيل الأخضر.

تبدو هذه القصص متباعدة في ظاهرها. باجيو أضاع ركلة جزاء، وشيرر خرج من صيام تهديفي، ومولر اعتزل في القمة، ولينيكر توقف على بعد هدف، وفان باستن أُجبر على الرحيل.

لكنها جميعاً تدور حول السؤال نفسه. متى يتوقف الهداف عن كونه هدافاً؟

ليس عندما يتوقف عن التسجيل، بل عندما يتوقف عن الاعتقاد بأن التسجيل هو الطريقة الوحيدة لإثبات وجوده.

بعد أكثر من ثلاثة عقود، لا يزال العالم يتذكر روبرتو باجيو واقفاً في ملعب روز بول، رأسه منحنياً، وعيناه معلقتان في نقطة لا يراها أحد سواه.

قليلون يتذكرون كيف حمل إيطاليا إلى النهائي، أو أن أهدافه في الأدوار الإقصائية كانت السبب الأول في وجودها هناك. أما الركلة التي ارتفعت فوق العارضة، فلا تزال حاضرة في كل مرة يُذكر فيها اسمه.

تلك ليست قسوة الذاكرة وحدها، بل قسوة الدور الذي اختاره لنفسه منذ أن قرر أن يكون هدافاً.

فالهداف لا يعيش المباراة كما يعيشها الآخرون. يستطيع المدافع أن يختفي 90 دقيقة ثم يفتك الكرة في اللحظة الأخيرة فيصبح بطلاً. لاعب الوسط يمكن أن يصنع الإيقاع من دون أن يلتفت إليه أحد.

أما المهاجم، فيقضي المباراة كلها وهو ينتظر لحظة واحدة، لحظة تمنحه حق أن يبقى كما يعرف نفسه. ولهذا تبدو الدقيقة التي يسجل فيها أطول من زمنها الحقيقي، وتبدو الدقيقة التي يهدر فيها أثقل من أي خطأ آخر.

لهذا أيضاً يبكي بعض الهدافين بعد هدف في مباراة عادية، بينما يظن الجمهور أن الاحتفال مبالغ فيه.

ما يراه المشجع هدفاً في شباك المنافس، يراه صاحبه دليلاً على أنه لم يفقد نفسه بعد. بعد أسابيع أو أشهر من الصيام، لا تكون الكرة قد عادت للشباك فقط، بل يكون هو عاد للصورة التي ظل يطاردها في داخله.

وربما لهذا السبب يصعب على كثير من المهاجمين اعتزال اللعبة أكثر من غيرهم. لا يوقف الاعتزال المباريات وحسب، بل يوقف السؤال الذي اعتادوا الإجابة عنه كل أسبوع.

من دون صافرة البداية، ومن دون منطقة الجزاء، ومن دون الشباك، يصبح عليهم أن يبحثوا عن تعريف جديد لأنفسهم، بعد أعوام كان تعريفهم فيها يُكتب على لوحة النتائج.

نحب الأرقام لأنها تمنحنا شعوراً باليقين. 30 هدفاً تبدو أوضح من موسم جيد، و200 تبدو أكثر حسماً من كلمة "عظيم". لكنها، في النهاية، لا تحكي سوى جزء صغير من الحكاية.

ما لا يظهر في جداول الإحصاءات هو الثمن الذي يدفعه أصحابها، والعبء الذي يتراكم مع كل هدف جديد، والخوف الذي يبدأ في اليوم الذي يتوقف فيه العداد عن الحركة.

ربما لم تكُن أكثر صورة صدقاً في تاريخ الهدافين صورة لاعب يحتفل بهدف، بل صورة لاعب لم يسجل.

صورة روبرتو باجيو، واقفاً وحده أمام المرمى الذي لم يعُد موجوداً.

في تلك اللحظة، لم يكُن ينظر إلى ركلة جزاء ضاعت، بل إلى الحقيقة التي يكتشفها كل هداف، عاجلاً أو آجلاً.

أن الأهداف تصنع مجدك.

لكنها، إذا سمحت لها، ربما تصبح الطريقة الوحيدة التي تعرف بها نفسك.

اقرأ المزيد

المزيد من رياضة