ملخص
الاعتزال ليس نهاية ولا بداية، كما يُحب بعضهم أن يصوغها بلاغياً، هو ببساطة فقدان طقس يومي كان يمنح الحياة إيقاعها.
السادسة صباحاً ولا تدريب اليوم، لا حقيبة تُفتح، لا حذاء يُربط بإحكام معتاد، لا رائحة عشب رطب تستقبل القدمين عند الخطوة الأولى داخل الملعب.
هناك من يستيقظ في هذا الصباح، يجلس على حافة سريره وينتظر شيئاً تعوّد عليه جسده كل يوم منذ 20 عاماً، ولا يأتي.
لا أحد يناديه للإحماء، لا صافرة، لا زميل يمزح معه وهو يشد رباط الحذاء، لا ذلك الخوف الجميل الذي يسبق كل مباراة ويشبه الحب أكثر مما يشبه القلق.
هذا هو الاعتزال كما يعيشه الجسد، لا كما تكتبه الصحف، ليس قراراً يُعلن في مؤتمر، بل غياب يُكتشف كل صباح من جديد، يُكتشف أولاً في الجسد قبل أن يصل إلى الوعي.
العضلات التي كانت تستيقظ متيبسة من مجهود الأمس، تستيقظ الآن مرتاحة بصورة غريبة تكاد تكون مؤلمة، والوزن يتغير دون أن يلاحظه صاحبه في البداية.
الألم المعتاد، ذلك الألم اليومي في الركبة أو الكاحل، والذي كان يُعد دليلاً على أن الجسد لا يزال يعمل، يختفي فجأة ويترك مكانه فراغاً أغرب من الألم نفسه.
اللاعب الذي اعتاد أن يقيس يومه بساعة التدريب ووقت المباراة وصوت الجمهور، يجد نفسه فجأة أمام يوم بلا إيقاع، بلا معنى يُرتَب حوله الوقت، والأصعب من فقدان الملعب فقدان ذلك الشغف اليومي الصغير، ذلك الشيء البسيط الذي كان يجعل الاستيقاظ كل صباح يستحق العناء.
هذه ليست حكاية عن نهاية مجيدة، ولا عن بداية جديدة كما يُحب بعضهم أن يُجملها، إنها حكاية حسرة هادئة، حسرة من لا يعرف كيف يُسمي ما يفتقده لأنه لم يكن شيئاً واحداً، بل كان حياة بأكملها.
اعترف تيري هنري نفسه، أحد أعظم مهاجمي جيله، بعد اعتزاله أنه احتاج إلى تعلم شيء بسيط بدا له غريباً ومستحيلاً في آن: كيف يكون في بيته؟ ليست جملة عابرة، بل اعتراف رجل أمضى عمره يهرب من البيت نحو الملعب، ووجد نفسه فجأة محاصراً بجدران لم يتعلم يوماً كيف يسكنها.
جسد يبحث عن ملعب
يقولون إن العادة طبيعة ثانية، لكنهم لا يقولون ماذا يحدث حين تُسلب هذه الطبيعة الثانية فجأة، فقد أمضى زين الدين زيدان أكثر من 15 عاماً يبني علاقة حميمة مع كل تفصيل في الملعب: زاوية العارضة، ملمس الكرة قبل التماسها بالقدم الخارجية، اللحظة الدقيقة التي يقرر فيها أن يمرر بدلاً من أن يراوغ، وهذه ليست مهارة تُكتسب وتُنسى، بل لغة كاملة يتكلمها الجسد بطلاقة لم يعد يحتاج معها إلى تفكير.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
حين أعلن اعتزاله، توقف الكلام، لكن اللغة بقيت، يمشي زيدان اليوم في شارع هادئ، وكتفه ينحرف قليلاً حين يمر بجانبه أحدهم بسرعة، كأن جسده يحاول أن يقرأ تحركاً لا وجود له، يحاول أن يجد فراغاً ليملأه بتمريرة لن تُلعب أبداً، وهذا ليس حنيناً عابراً، بل وحشة حقيقية، وحشة جسد تعلّم لغة واحدة طوال حياته، ثم وجد نفسه في عالم لا يتكلمها أحد.
ثمة شيء مؤلم في أن تحمل كل هذه المعرفة، كل تلك الأعوام من التدريب والإصغاء الدقيق لكل عضلة، ولا تجد لها مكاناً، كأن أحدهم تعلّم لغة نادرة بإتقان فائق، ثم اكتشف ألا أحد حوله يتكلمها بعد الآن، وهكذا يعيش المعتزل أيامه الأولى: بكلمات كثيرة لا يسمعها أحد.
من يقرر النهاية؟
لم يكن زلاتان إبراهيموفيتش يوماً رجلاً يستسلم بسهولة لمنطق الأرقام، فقد كان يرى في كل عام إضافي تحدياً يستحق أن يُخاض، وفي كل عودة من إصابة انتصاراً يُضاف إلى أسطورته الشخصية.
عاد في الـ 37 بعد قطع رباطه الصليبي وكأن شيئاً لم يكن، عاد مجدداً إلى ميلان قرب الـ 40، يحمل الفريق على كتفيه بإرادة تشبه العناد أكثر مما تشبه الواقعية، وكان يقول بلا كلمات: لن أرحل قبل أن أقرر أنا، لا الزمن.
لكن الركبة لا تفهم العناد، فحين انهارت عام 2023، لم تكن تلك مجرد إصابة أخرى تُضاف إلى سجلّه الطويل من الإصابات والعودات، بل كانت كلمة الجسد الأخيرة، النهاية التي رفض زلاتان أن يكتبها فكتبها جسده بدلاً منه، وفي تلك اللحظة شعر بما شعر به كل من سبقه: أن الإرادة، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع أن تتفاوض إلى الأبد مع جسد أنهك نفسه من أجلها.
زيدان، من جهته، عاش النهاية بطريقة مختلفة لكنها تحمل المرارة ذاتها، فضربة الرأس في نهائي عام 2006 لم تكن مجرد لحظة غضب، بل كانت، فيما يبدو الآن، صرخة جسد متعب من الاحتراف الطويل، جسد قرّر أن يُنهي كل شيء بطريقته الخاصة، بعيداً من أي تخطيط أو حكمة، وكأن 20 عاماً من الانضباط والصبر تجمعت في لحظة واحدة، ورفضت أن تنتهي بهدوء.
في الحالين، لم يكن الإعلان الرسمي هو الاعتزال الحقيقي، فالاعتزال الحقيقي حدث قبل ذلك بكثير، في لحظة صامتة لم يرها أحد، حين أدرك الجسد أنه استنفد كل ما يملك، والإعلان جاء متأخراً دائماً، مجرد اعتراف علني بشيء عرفه الجسد منذ زمن.
أصعب ما في الاعتزال ليس فقدان المجد ولا التصفيق ولا حتى الأموال، الأصعب هو فقدان ذلك الشغف اليومي البسيط، ذلك الشعور الذي كان يملأ الصباح بمعنى قبل أن يبدأ اليوم فعلياً.
لاعب كرة القدم لا يعيش من أجل المباراة فقط، بل من أجل الطريق إليها: التدريب المتكرر، العرق، الضحكة مع الزملاء في غرفة الملابس، ذلك الشعور بأن هناك هدفاً واضحاً ينتظرك كل صباح، وحين يختفي هذا كله دفعة واحدة، لا يبقى فراغ بسيط، بل فراغ يشبه فقدان معنى الزمن نفسه.
بعض اللاعبين يجدون طريقاً جديداً يستوعب ذلك الشغف، كالتدريب، حيث يستطيعون أن يُعلموا الآخرين ما لا يستطيعون وصفه، أن يُترجموا حدسهم القديم إلى تعليمات يفهمها لاعبون جدد.
لكن آخرين لا يجدون هذا الطريق، وتشير دراسات في هذا المجال إلى أن نسبة كبيرة من اللاعبين المعتزلين، قد تصل إلى أكثر من ثلث الحالات، تمر بأزمة نفسية حقيقية في عامها الأول بعيداً من الملاعب.
وصف لاعب الوسط الانجليزي ديفيد طومسون الأمر ذات مرة بصورة لا تُنسى: كان يستيقظ صباح كل سبت وقلبه يخفق بسرعة غير مفهومة، فيخرج يمشي بكلبه باكراً محاولاً أن يُفرغ تلك الطاقة التي لم يعد لها مكان تذهب إليه، ولم يكن يعرف أنه كان يبحث، بلا وعي، عن بديل لأدرينالين المباراة التي لم تعد قائمة.
وهنا يكمن الحزن الحقيقي للاعتزال: ليس في الغياب عن الملاعب، بل في أن يحمل المرء كل تلك الأعوام من الشغف اليومي، كل ذلك الحب الصامت لتفصيل صغير كرائحة العشب أو صوت الجمهور، ولا يجد له مكاناً يستقر فيه بعد الآن.
يشبه الأمر من فقد لغته الأم في بلد لا يتكلم بها أحد، يحمل كل تلك الكلمات الجميلة في صدره، ولا يجد من يُسمعها.
الحسرة
حين سُئل زيدان مرة عما يفتقده أكثر، لم يتحدث عن الكؤوس ولا الأرقام القياسية، بل عن لحظة بسيطة: تلك الثانية التي تسبق التمريرة، حين يجتمع كل شيء في وعيه وجسده معاً، حين يشعر أن العالم كله توقف من أجل تلك الخطوة الواحدة، وهذا ما يفتقده المعتزل أكثر من أي شيء آخر: ليس المجد، بل ذلك الشعور اليومي بأن لحظته المقبلة تستحق الانتظار.
الاعتزال ليس نهاية ولا بداية، كما يُحب بعضهم أن يصوغها بلاغياً، هو ببساطة فقدان طقس يومي كان يمنح الحياة إيقاعها، وكل من عاش هذا الفقدان يعرف أن الحسرة لا تأتي دفعة واحدة، بل تأتي كل صباح، في تلك اللحظة الهادئة حين يستيقظ الجسد وينتظر نداء لن يأتي.
ربما لهذا يبقى بعض المعتزلين صامتين حين يُسألون عن شعورهم تجاه النهاية، ليس لأن الكلام صعب، بل لأن الحقيقة بسيطة وموجعة في آن: لقد أحبوا شيئاً كل يوم لـ 20 عاماً، وفي صباح واحد، توقف ذلك الشيء عن الحضور، من دون أن يتوقف الحب.