Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الوقت الضائع في كرة القدم

قد يكون ثلاثة أو خمسة أو سبعة لكن هذا الرقم لا يُخبر أحداً بشيء حقيقي

الوقت المُضاف ليس اختراعاً حديثاً (غيتي)

ملخص

الأمل الحقيقي في كرة القدم لا يُولد في الدقيقة الأولى ولا في الخطة التكتيكية المُحكمة. يُولد حين لا يتبقى وقت كافٍ له. هذه المفارقة ليست شعراً، بل ملاحظة نفسية دقيقة: أن الأمل يحتاج إلى ضيق الوقت ليكتسب وزنه الحقيقي.

في الدقيقة 90 من أي مباراة، يحدث شيء غريب لا تُفسّره قواعد اللعب ولا تلتقطه الكاميرات: يتوقف الزمن عن كونه زمناً. لا يختفي، لكنه يتشوه، يتمطط ويتكثف في آنٍ معاً، كأن الملعب يعيش داخل فقاعة مادتها ليست ثواني ولا دقائق، بل هي شيء آخر أقرب إلى التوقع منه إلى الوقت.

يرفع الحكم لوحته الصفراء، رقم صغير، قد يكون ثلاثة أو خمسة أو سبعة، لكن هذا الرقم لا يُخبر أحداً بشيء حقيقي، لأن الحكم وحده يعرف متى ستُضرب الصافرة، وأحياناً لا يعرف هو نفسه. في هذا الغموض المقصود وغير المقصود معاً، تسكن واحدة من أعمق مفارقات كرة القدم: إنها الرياضة الأكثر مراقبة في التاريخ، والأقل يقيناً في نهايتها.

لا يملك رئيس الدولة أن يُوقف الزمن على مواطنيه. لا يستطيع المدير أن يُجمّد الساعة حين تقترب نهاية الاجتماع لمصلحته. لكن الحكم يستطيع. هذا تحديداً ما يجعل الوقت الضائع ظاهرة سلطوية قبل أن يكون ظاهرة رياضية.

الوقت المُضاف ليس اختراعاً حديثاً. في عام 1891، شهدت مباراة نوتس كاونتي وأستون فيلا في إنجلترا واحدة من أوائل الحالات الشهيرة التي تدخل فيها الحكم لتعويض الوقت الضائع.

بعدما حاول حارس نوتس كاونتي إضاعة الوقت للحفاظ على النتيجة، سمح الحكم جون لويس باستمرار اللعب بعد نهاية الزمن الأصلي، ليسجل أستون فيلا هدفاً حاسماً. لم تكن تلك اللحظة اختراعاً رسمياً للوقت بدل الضائع، لكنها جسدت المشكلة التي دفعت كرة القدم لاحقاً إلى تنظيم مسألة تعويض الوقت.

الحكم لا يضيف وقتاً من فراغ، هو من الناحية النظرية يُعوّض ما ضاع بسبب الإصابات والاستبدالات والمماطلة. لكن الأرقام في الواقع تبقى تقديرية، تنطوي على هامش من التفسير الشخصي لا يمكن إلغاؤه.

ولهذا السبب بالذات، أُدرج مفهوم "وقت فيرغسون" في معجم اللعبة غير الرسمي: ذلك الوقت الذي كان يبدو وكأنه يمتد حين يحتاج إليه مانشستر يونايتد، ويتقلص حين لا يحتاج إليه. لم يكن اتهاماً بالضرورة. كان اعترافاً بأن الرقم على اللوحة الصفراء ليس علماً دقيقاً، بل فن تقدير يخضع لكل ما يحمله الحكم من لا وعي وضغط وحضور جماهيري.

ما الذي يشعر به 50 ألف إنسان جالسون في المدرجات حين يرون الرقم الأصفر؟ فريق يُهلل لأن الوقت لا يزال قائماً، وفريق آخر يتنهد لأن الصافرة تأخرت. كلاهما يعيش في اللحظة الزمنية الموضوعية ذاتها، لكنهما في كونين مختلفين تماماً. الوقت ذاته يُقرأ كنعمة أو نقمة بحسب اللون الذي ترتديه.

الصافرة

الجسد يعرف. هذه هي المشكلة.

بعد 90 دقيقة من الجري والصراع والتركيز، يُرسل الجسد إشاراته الأخيرة بوضوح: العضلات تحترق، التنفس ثقيل، الخطوات تُصبح حساباً لا فعلاً. يعلم الجسد أن وقته انتهى بيولوجياً، والطاقة في حدودها الدنيا، وأن كل خطوة إضافية تُكلف ثمناً سيُدفع لاحقاً. لكن الصافرة لم تُضرب بعد.

هنا يبدأ الصراع الحقيقي. ليس بين الفريقين، بل داخل كل لاعب على حدة: بين ما يعلمه الجسد وما تطلبه الإرادة. اللاعب الذي يشقّ الملعب في الدقيقة الثالثة من الوقت المُضاف، بينما رفيقه الآخر يصارع التشنج في ركبته، لا يفعل ذلك لأن جسده قادر. يفعله لأن ثمة شيئاً في داخله يأبى أن يُسلّم بأن كل شيء انتهى.

 

 

الوقت الضائع هو الحالة القصوى بامتياز. حين يسمع اللاعب صافرة بداية الوقت المُضاف، لا يجد طاقة إضافية في عضلاته بالمعنى الفيزيولوجي، لكنه يجد شيئاً أعمق: الإذن بأن يستنزف ما كان ممنوعاً.

منذ موسم 2022/2023 وما تلاه، بدأت الاتحادات تُشدد في الإضافة الفعلية للوقت الضائع، وارتفع متوسط الوقت المُضاف بصورة لافتة. في الدوري الإنجليزي الممتاز وحده خلال موسم 2025/2026، بلغت نسبة الأهداف المسجلة بعد الدقيقة الـ90، 13.5 في المئة من إجمال الأهداف، بارتفاع ملحوظ عن الموسم السابق الذي بلغ فيه هذا الرقم 8.5 في المئة، أي إن الملاعب باتت تشهد أكثر من أي وقت مضى تلك اللحظات التي يُكتب فيها التاريخ بعد انتهاء الوقت المفترض.

العودة إلى البدايات

الأمل الحقيقي في كرة القدم لا يُولد في الدقيقة الأولى ولا في الخطة التكتيكية المُحكمة. يُولد حين لا يتبقى وقت كافٍ له. هذه المفارقة ليست شعراً، بل ملاحظة نفسية دقيقة: أن الأمل يحتاج إلى ضيق الوقت ليكتسب وزنه الحقيقي.

حين يكون أمام الفريق المتأخر 85 دقيقة، الأمل مريح وعقلاني ومحسوب. لكن حين لا يتبقى إلا ثلاث دقائق، يتحول الأمل إلى شيء آخر تماماً: إلى قرار، قرار بأن تُصدّق بالمستحيل وأن تضع جسدك المنهك في خدمة شيء لا يكاد يُصدَّق.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في الـ25 من مايو (أيار) 2005، وقف لاعبو ليفربول في غرفة الملابس في الاستراحة وهم يخسرون 0-3 أمام ميلان في نهائي دوري أبطال أوروبا في إسطنبول. ما الذي يمكن قوله لفريق يخسر بثلاثة أهداف في نهائي أوروبي؟

قال المدرب رافاييل بينييز كلاماً تكتيكياً، لكن اللاعب الكابتن ستيفن جيرارد قال لنفسه شيئاً مختلفاً تماماً: إن المباراة ستنتهي بعد 45 دقيقة لا الآن. هذه الدقائق كانت كافية في عقله ليبني عليها احتمالاً.

في الشوط الثاني، سجّل ليفربول ثلاثة أهداف في ست دقائق، وفاز بركلات الترجيح. النهائي الذي عُرف لاحقاً بـ"معجزة إسطنبول" لم يكن معجزة في الفيزياء، كان معجزة في رفض الاستسلام لليقين المبكر.

لو سألت أي عاشق لكرة القدم عن أجمل لحظاته مع اللعبة، فإن كثيراً منها سيأتي من الوقت الضائع. ليس صدفة. تحتفظ الذاكرة بما يكسر التوقع لا بما يؤكده. وما يكسر التوقع أكثر من أن تتغير نتيجة بعد انتهاء الزمن الرسمي؟

يمنح الوقت الضائع اللحظة بُعداً روائياً لا يملكه هدف في الدقيقة 30 السياق كاملاً من قبله، والفراغ الكامل بعده. الهدف في الدقيقة 30 له ما بعده، يمكن أن يُردّ، يمكن أن يُنسى وسط ما يليه. أما الهدف في الدقيقة الثالثة من الوقت المُضاف، فليس له ما بعده في تلك المباراة. هو الكلمة الأخيرة التي لا تُردّ، الجملة التي تُغلق النص وتبقى.

 

 

في الـ28 من مايو 1999، شهد ملعب كامب نو في برشلونة نهائي دوري أبطال أوروبا بين مانشستر يونايتد وبايرن ميونخ. تقدم الألمان منذ الدقيقة السادسة بهدف ماريو باسلر، وأداروا الوقت بثقة أبطال يعلمون أن اللقب بات لهم. ضرب بايرن العارضة مرتين، كأن اللعبة كانت تمنح المتفرجين دليلاً على التحكم الألماني. حتى الدقيقة الـ90 وثانيتها.

ركلة ركنية نفذها بيكهام، تجد الكرة رأس شيرينغهام ومنه إلى الشبكة. تعادل.

ركلة ركنية أخرى في الثواني نفسها تقريباً. بيكهام مجدداً. شيرينغهام يُمرّر وسولسكاير يركل الكرة إلى سقف الشبكة. في 131 ثانية فقط، حوّل مانشستر يونايتد الخسارة إلى فوز تاريخي، وتحوّل بايرن ميونخ من بطل أوروبا إلى ضحية الليلة الأكثر قسوة في تاريخه.

ثمة وجه آخر للوقت الضائع لا يُحتفى به كثيراً لأنه لا يحمل بهجة: الوقت الضائع حين يأتي الهدف لكنه لا يكفي. أو حين لا يأتي أصلاً.

الفريق الذي يُسجّل في الدقيقة الثالثة من الوقت المُضاف ويخسر بفارق هدفين، لا يحتفي به المذيعون ولا تصنع منه الأساطير. لكنه عاش الجوهر ذاته: رفض الاستسلام، استنزاف ما لم يتبق، البحث عن الأمل في آخر ما يبدو ممكناً.

الفارق الوحيد أن الأرقام لم تُكافئه. وهذا بالضبط ما يجعل كرة القدم قاسية وصادقة في الوقت نفسه: لا تضمن أن الإرادة ستُكافأ، تضمن فقط أن المحاولة ستبقى.

في مساء الـ13 من مايو 2012، كان مانشستر يونايتد يحتفل بملاحقة السيتي طوال الموسم. مانشستر سيتي كان خاسراً 1-2 أمام كوينز بارك رينجرز في الدقيقة الـ90. اللقب الذي انتظره الجانب الأزرق من المدينة 44 عاماً كان يبتعد ثانية بعد ثانية. أُعلن الوقت المُضاف: خمس دقائق.

في الدقيقة الثانية من الوقت المُضاف، رفع إيدين جيكو رأسه عند ركلة الركنية ونزع التعادل من الهواء. بقي هدف واحد. ثم في الدقيقة الثالثة والثواني الـ20 بالضبط، تلقّى سيرخيو أغويرو تمريرة من بالوتيلي، أربك المدافع، وأطلق كرة في الشبكة بدت كأنها أطلقت معها أنين 44 عاماً. في الشمال، رأى لاعبو يونايتد المشهد على شاشات الملعب وعادوا إلى غرفة الملابس صامتين. اللقب الذي كانوا يحملونه لدقائق، سُرق منهم في وقت لا يملكه أحد.

الوقت الضائع ليس هبةً تمنحها إدارة المباراة للفريق المتأخر. هو ثغرة في المنطق الزمني لكرة القدم، ثغرة تعترف بأن الملعب لا يعمل كساعة دقيقة، بل كحياة تتوقف وتتعطل وتتعثر وتستأنف. وفي هذه الثغرة بالذات يعيش كل ما يجعل كرة القدم أكثر من رياضة.

حين يرفع الحكم لوحته الصفراء، لا يُعطي وقتاً. يفتح سؤالاً: كم يتبقى؟ ولا أحد يعرف. وفي هذا الجهل المشترك الذي يعيشه 50 ألف إنسان في وقت واحد، يختبر كل منهم ما لا يستطيع اختباره في حياته العادية: أن اللحظة قد تتغير بعد انتهائها. أن ما بدا حتماً ليس كذلك. وأن الصافرة لم تُضرب بعد.

هذا الغموض ليس عيباً. إنه جوهر السحر. لأن في اللحظة التي يعتقد فيها الفريق المتأخر أن كل شيء انتهى، وفي اللحظة التي يطمئن فيها الفريق المتقدم إلى أن اللقب في جيبه، يبقى احتمال واحد قائم دائماً: أن الصافرة لم تُضرب بعد.

وفي تلك المسافة بين اليقين والصافرة، تسكن كرة القدم الحقيقية.

اقرأ المزيد

المزيد من رياضة