ملخص
احتفظ حزب العمال البريطاني برئاسة سلطة مانشستر الكبرى بعد فرز استمر أكثر من 13 ساعة وجولتين من العد، ضمن اقتراع فرعي هو الأكبر من نوعه في تاريخ البلاد. فوز بيف كريج على مرشح حزب "ريفورم" جاء بنسبة تقارب ثلثي الأصوات، لكن بأدنى نسبة مشاركة تشهدها المنطقة منذ استحداث المنصب عام 2017. وتمثل النتيجة أول اختبار انتخابي يخوضه آندي بيرنهام منذ دخوله داونينغ ستريت قبل أسبوعين.
لم يكن الحسم سهلاً هذه المرة، فللمرة الأولى منذ استحداث منصب عمدة مانشستر الكبرى، لم يتمكن مرشح حزب العمال من تجاوز عتبة الـ50 في المئة في الجولة الأولى، مما استدعى الانتقال إلى جولة ثانية تحتسب فيها الأصوات التفضيلية الثانية. وانتهى الفرز بفوز بيف كريج بـ309 آلاف و525 صوتاً، مقابل 157 ألفاً و178 صوتاً لمرشحة "ريفورم" سيان أستلي، بعدما نالت كريغ 47.15 في المئة في الجولة الأولى مقابل 20.99 لمنافستها.
نشأت كريغ في حي سكني شعبي داخل بلفاست، وانتقلت إلى مانشستر عام 2003 وهي في الـ18 لدراسة العلوم السياسية والتاريخ الحديث في جامعة مانشستر، ثم بدأت مسارها المهني في الحكم المحلي قبل أن تنتقل إلى قطاع التعليم العالي، فنقابة عمالية وطنية تولت فيها ملف الرعاية الاجتماعية. وحصلت لاحقاً على شهادة عليا في إدارة الحكم المحلي من كلية وارويك للأعمال، وماجستير في السياسة العامة والحوكمة من جامعة مانشستر.
الخلفية العائلية حاضرة بقوة في خطاب كريغ السياسي. فقد ترعرعت على أطراف شمال بلفاست في حي وصفته بأنه "تقليدي جداً وعمالي وبروتستانتي"، وأعلنت مثليتها في الـ14 من عمرها، وقالت إن "الجميع تنبأ لها آنذاك بمستقبل فاشل". هي أول فرد في عائلتها يلتحق بالجامعة، وفي حديث لهيئة الإذاعة البريطانية قالت مرة إنها نشأت في سكن اجتماعي لا تزال عائلتها تعتمد عليه، وهي تتطلع إلى يوم يصبح فيه كونها امرأة ومثلية أمراً عادياً".
ولدت كريغ عام 1985، وانتخبت عضواً في مجلس مدينة مانشستر عن دائرة "بيرناج في عام 2011. أمضت أربعة أعوام عضواً تنفيذياً لخدمات البالغين والصحة والرفاه، قبل أن تصبح نائبة لرئيس المجلس في مايو (أيار) 2021 ثم رئيسة له في ديسمبر من العام نفسه خلفاً لريتشارد ليز. وهي من الموقعين المؤسسين لمجموعة "أوبن ليبر" المحسوبة على يسار الحزب المعتدل، وتشغل منصب نائبة رئيس جمعية الحكم المحلي وزعيمة كتلتها العمالية، وسبق أن ترأست شبكة "كور سيتيز" التي تمثل كبرى المدن البريطانية خارج لندن. ومنحت وسام ضابط الإمبراطورية في قائمة تكريمات رأس السنة 2026 عن خدماتها للحكم المحلي.
فوز كريغ جاء عبر اقتراع استثنائي في شكله وكلفته. فهو أول انتخاب فرعي في المملكة المتحدة لمنصب عمدة سلطة استراتيجية، والأكبر من حيث عدد الناخبين في تاريخ البلاد، وقدرت كلفته بنحو 4.7 مليون جنيه استرليني، تعادل أكثر من 6.3 مليون دولار، جرى بنظام "الصوت التكميلي" بموجب تشريع صدر هذا العام، بعدما كان اقتراع عام 2024 قد أُجري بنظام الغالبية البسيطة، وفي النظام "التكميلي" يتاح للناخب اختيار مرشحين اثنين بترتيب تفضيلي أول وثان، وإذا لم يحصل أي مرشح على أكثر من نصف الأصوات، يستبعد الجميع عدا الأولين، وتضاف إليهما الأصوات التفضيلية الثانية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وصفت صحيفة "اندبندنت" الاستحقاق بأنه أول اختبار انتخابي لرئاسة بيرنهام للحكومة، وهو اختبار مضاعف الحساسية لأنه جرى في معقله الشخصي، حيث فقد بيرنهام منصبه كعمدة تلقائياً بعد فوزه بمقعد "ميكرفيلد" في البرلمان، ولكن النتيجة عززت ما تصفه الصحافة المحلية بـ"ارتداد بيرنهام" في استطلاعات الرأي. فقد أظهر استطلاع لمؤسسة "دلتابول" بين الـ17 والـ20 من يوليو (تموز) الماضي قفزة لحزب العمال بثماني نقاط إلى 28 في المئة، ليتعادل مع "ريفورم"، فيما وضع استطلاع لمؤسسة "مور أن كومون" العمال في المقدمة بـ28 في المئة مقابل 24 في المئة لخصمه اليميني الشعبوي، وهي المرة الأولى التي يتصدر فيها حزب العمال أحد استطلاعاتها منذ مارس (آذار) 2025.
الخسارة الثالثة لحزب "ريفورم" هذا العام في مانشستر الكبرى تحمل دلالة تتجاوز حدود الإقليم. فقد دخل الحزب السباق مرشحاً أول لدى شركات المراهنات بعد أدائه القوي في الانتخابات المحلية، إذ فاز بـ24 مقعداً من أصل 25 في "ويغان" خلال مايو (أيار) الماضي، لكنه أخفق سابقاً في دائرتي "غورتون ودنتون" و"ميكرفيلد". وخرج حزب الخضر خالي الوفاض على رغم رهانه على أن السباق ثنائي بينه وبين "ريفورم".
في المقابل، لا يخلو الفوز من إشارات تحذيرية للحزب الحاكم، فهو الأضعف في تاريخ هذا الاستحقاق قياساً بنتائج بيرنهام الثلاث التي تجاوزت في كل مرة 60 في المئة من أصوات التفضيل الأول، ومع نسبة مشاركة تعكس إرهاقاً انتخابياً في منطقة قصدت صناديق الاقتراع ثلاث مرات خلال عام واحد.
وتزامنت انتخابات عمدة مانشستر مع إعلان بيرنهام أن عمداء المدن الإنجليزية سيحتفظون بحصة من الضرائب المحصلة في مناطقهم، بما فيها ضريبة الدخل ورسوم الأعمال، ضمن تعهده بنقل السلطة من وستمنستر إلى "كل رمز بريدي في البلاد"، مما يعني عملياً أن كريغ ستتمتع بصلاحيات أوسع مما تمتع به سلفها طوال تسعة أعوام. وقالت للصحيفة إنها طالبت طويلاً بمزيد من السلطة والتحكم لمانشستر الكبرى، وإنها تنوي توظيف ذلك في ملفات المهارات ودعم الشباب. من أبرز تعهداتها الانتخابية تجميد أسعار الـ"ترام" والحافلات، وتوسيع النقل المجاني ليشمل الفئة العمرية بين 11 و18 عاماً بدل 16 و18.
يبقى السؤال عما إذا كانت النتيجة مؤشراً وطنياً أم حدثاً محلياً محكوماً بخصوصية الإقليم. ويرى المتخصص في مجال العلوم السياسية في جامعة "مانشستر" روب فورد، أن نجاح كريغ يمثل مؤشراً مهماً لمعسكر يسار الوسط ودليلاً على قدرته على التعافي بعد تراجعات محلية سابقة. غير أن تحليلاً لمؤسسة "إليكتورال كالكيولس" حذر من أن أي ارتداد في التأييد قابل للانكماش بالسرعة نفسها، إذ ستشكل موازنة الخريف اختباراً حقيقياً، وقد يتراجع تأييد الحزب إلى 20 في المئة أو أقل في حال أقدمت الحكومة على خفوض في الإنفاق أو زيادات ضريبية، بينما يحتاج بيرنهام إلى ما يفوق 30 في المئة لضمان غالبية في الانتخابات العامة المقبلة.