Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الكابتن بوصفه ظاهرة اجتماعية

من يضع الشارة على ذراعه لا يتسلم لقباً فحسب بل يقبل ثقلاً غير مرئي

إيريك كانتونا كان نوعاً آخر من الصخب (مواقع التواصل)

ملخص

الشارة في النهاية ليست عن القائد، بل عن حاجة الجماعة إلى أن تؤمن بأن ثمة من يقودها. وهذه الحاجة، قبل كرة القدم وبعدها وخارجها، هي واحدة من أكثر الحاجات الإنسانية عراقة وأكثرها هشاشة في آنٍ واحد.

قبل أن تبدأ المباراة بدقائق، حين يصطف اللاعبون في نفق الانتظار ويتشابك الهواء بالتوتر والعرق وصوت الجمهور المتصاعد من الأعلى، تحدث لحظة لا يلتقطها التلفزيون عادة. يلتفت لاعب واحد نحو رجل بعينه. لا يسأله شيئاً، لا ينتظر كلاماً. يكفيه أن يرى أنه هناك. تلك النظرة العابرة هي في جوهرها، كل ما تعنيه الشارة على الذراع.

الشارة قطعة قماش. هذه الحقيقة المادية البسيطة، تخفي وراءها أحد أكثر العقود الاجتماعية تعقيداً في عالم الرياضة. من يضعها على ذراعه لا يتسلم لقباً فحسب، بل يقبل ثقلاً غير مرئي: أن يكون الوجه الأول حين تسوء الأمور، الصوت الوحيد حين يصمت الجميع، الجسد الذي يقف بين الفريق والحكم حين يشتعل الملعب.

لكن الشارة ليست فقط ما تمنحه، بل ما تطالب به. وهذا الثمن لا يكتشفه الكابتن في لحظة التتويج، بل في اللحظة التي يخسر فيها الفريق ويدخل غرفة الملابس وحيداً في زحام الجميع.

السؤال الذي يحيّرنا هنا، ليس من يستحق الشارة، بل سؤال أعمق وأكثر إرباكاً: هل الشارة تصنع الكابتن، أم أن الكابتن هو من يمنح الشارة معناها؟ وبصياغة أخرى: هل السلطة تأتي من القماش أم مما تحته؟

الشارة كعقد

حين نقول إن الشارة عقد بين الفرد والجماعة، نبدو وكأننا نقول شيئاً واضحاً. لكن "الجماعة" هنا ليست كتلة واحدة. الكابتن يوقّع في الوقت ذاته على ثلاثة عقود مختلفة لا عقداً واحداً: عقد مع رفاقه في غرفة الملابس، عقد مع الجمهور في المدرجات، وعقد مع الحكم على حدود الملعب. وما يجعل "الكابتنية" فعلاً بالغ الصعوبة هو أن هذه العقود الثلاثة تتناقض أحياناً، وعليه أن يُرضيها جميعاً في الوقت ذاته.

مع رفاقه، الكابتن مدين بشيء يصعب تسميته. ليس الصداقة بالضرورة، وليس الأداء التقني دائماً. هو مدين بشيء أقرب إلى الحضور الكامل، ذلك النوع من اليقظة الذي يجعله يشعر حين يتراجع معنوياً لاعب في الجانب الأيسر من الملعب وهو يلعب على اليمين. لا يطلب الرفاق من كابتنهم أن يكون الأفضل تقنياً، يطلبون منه أن يكون الأكثر انتباهاً، الأكثر احتمالاً، الأكثر حضوراً في اللحظات التي يغيب فيها الجميع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مع الجمهور، العقد من نوع آخر تماماً. الجمهور لا يرى غرفة الملابس ولا يسمع النقاشات الداخلية. ما يراه هو الشارة، وما تعنيه الشارة في مخيلته هو أن هذا الرجل يمثله. حين يرفع الكابتن يده اعتراضاً على قرار الحكم، الجمهور يشعر أن صرخته وصلت.

حين ينحني الكابتن يعتذر بعد خسارة، يقرأ الجمهور في انحنائه اعترافاً بمشتركٍ بينهما. الشارة إذن ليست فقط رمزاً داخل الملعب، بل جسراً بين ما يجري على العشب ومن يجلس في المدرج.

أما مع الحكم، فالعقد محدد وبارد وخالٍ من الشاعرية. الكابتن هو المتحدث الرسمي الوحيد المعترف به، اللاعب الوحيد الذي يحق له الاقتراب من الحكم بنية التفاوض لا الشكوى. هذا الدور التقني الصغير يحمل في طياته فلسفة كاملة: أن الفوضى لا تُحارَب بفوضى مضادة، بل بصوت واحد منظم يعبّر عن الغضب الجماعي بلغة يفهمها من يملك السلطة. الكابتن في هذه اللحظة ليس قائداً، هو مترجم.

ما الذي تحمله الشارة فعلاً؟

الشارة لا تثقل الذراع، تثقل ما بعد المباراة. في لحظة الفوز الكابتن واحد من أحد عشر، يركض مع الجميع ويصرخ مع الجميع وتذوب شارته في بهجة مشتركة. لكن في لحظة الخسارة يتحول إلى شيء آخر: المساءلة الأولى. المؤتمر الصحفي ينتظره وحده. السؤال الأول يوجَّه إليه. وكلامه، مهما كان دقيقاً، سيُقرأ بوصفه موقف الفريق كله.

 

 

هذا الثقل غير المرئي هو ما يفرّق بين من يتمنى الشارة ومن يستحقها.

كثيرون يريدون الشارة في لحظات الانتصار، حين تعني رفع الكأس وتقبيلها أمام الكاميرات. لكن القلة الذين يقبلون الشارة بكل ما تعنيه، يعرفون أنها تعني أيضاً أن تبقى في الملعب دقيقة إضافية بعد انتهاء المباراة لتشكر الجمهور حين يغادر الجميع. وأن تطرق باب اللاعب الذي لم يلعب هذا الأسبوع وتشرح له بهدوء لماذا. وأن تحمل معك إلى نوم ليلة الخسارة ثقلاً لم تضعه أنت ولن يرفعه أحد غيرك.

اللافت أن أثقل لحظات "الكابتنية" ليست تلك التي يواجه فيها الكابتن الخصم، بل تلك التي يواجه فيها رفاقه. أن تطلب من زميل تحبه أن يتراجع في مستواه ويجلس على الدكة، أو أن تحسم شجاراً في غرفة الملابس بين رجلين أكبر منك سناً، أو أن تقرر في الدقيقة الثمانين من مباراة حاسمة أن تغير التكتيك دون أن تستشير أحداً لأن الوقت لا يسمح. هذه القرارات لا تُصفَّق لها، ولا يراها أحد، لكنها في الغالب ما تحدد نتيجة المباراة.

حين تنفصل الشارة عن السلطة

الشارة المسروقة لا يسرقها أحد فعلياً، فلا أحد يقتحم غرفة الملابس ويخطفها من ذراع صاحبها. لكن السرقة تحدث بطريقة أهدأ وأكثر قسوة: حين يبدأ اللاعبون يلتفتون إلى غير الكابتن بحثاً عن الإجابة.

حين يدخل مدير تقني جديد ويُسند الشارة لاعتبارات خارج الملعب، سياسية أو تسويقية أو تهدئة لنجم ساخط، ويجد الرجل نفسه يرتديها دون أن يحملها. الشارة على ذراعه لكن السلطة في مكان آخر.

وهذا الانفصال بين الشارة والسلطة هو أشد لحظات "الكابتنية" مرارة. ليس لأن الكابتن يفقد شيئاً مادياً، بل لأن الفريق يفقد بوصلته. حين يصرخ الكابتن ولا يلتفت أحد، لا تنهار سلطته فحسب، ينهار المعنى الذي كانت تحمله الشارة. ويصبح القماش مجرد قماش.

في المقابل، ثمة كباتن كسروا الشارة بأيديهم، ليس تخلياً بل احتجاجاً. حين يرفض لاعب ارتداءها لأن القرارات لا تمر عبره، أو حين يسلّمها طوعاً لرفيق يرى أنه أجدر بها، يفعل شيئاً نادراً: يُعيد للشارة معناها بالتخلي عنها. السلطة الحقيقية لا تخشى أن تتنازل، لأنها تعرف أنها لا تقيم في القماش.

نموذجان لا نقيضان

ثمة كباتن لا يحتاجون إلى البحث عن الكاميرا، لأن الكاميرا هي التي تبحث عنهم. لم يكن دييغو مارادونا يرتدي الشارة دائماً، لكنه كان دائماً الكابتن، بالمعنى الأعمق والأشد إرباكاً للكلمة.

كانت سلطته مبنية على شيء لا تمنحه اللجان ولا تسلبه القرارات، بل على ذلك الثقل الغريب الذي يجعل عشرة لاعبين يلتفتون نحو رجل واحد دون أن يعرفوا لماذا. إيريك كانتونا كان نوعاً آخر من الصخب، أكثر برودة وأشد إيلاماً، يمنح رفاقه إذناً بالوجود بجانبه لا دعوة للمشاركة. كلاهما جعل الملعب في جزء منه مسرحاً للأنا، وكانت الأنا في خدمة الفريق حيناً وعلى حسابه حيناً.

في الطرف الآخر يقف كارلوس بويول، الرجل الذي لم يكن الأفضل تقنياً في فريق يضم إنييستا وشافي وميسي، ومع ذلك حين سقط في الملعب كان الجميع يلتفت. ليس لأنه صرخ، بل لأنه لم يصرخ قط. بويول لم يقل للفريق "اتبعوني"، بل قال "أنا معكم". وهذا الفرق بين الجملتين هو الفرق بين النجمة والجذر، بين من يضيء الملعب ومن يحفر أساسه.

الشارة على ذراع مارادونا كانت تقول: هذا الرجل استثناء. الشارة على ذراع بويول كانت تقول: هذا الرجل ضمان. لكن الملعب لا يفضّل نموذجاً على آخر، وتاريخ الكرة يحتفظ بالاثنين بالقدر ذاته. لأن الفريق أحياناً يحتاج من يشعله، وأحياناً يحتاج من يثبّته. والكابتن الحقيقي هو من يعرف في أي لحظة يكون أياً منهما.

 

 

في نهاية كل مباراة، حين تُخلع الشارة وتُطوى في جيب أو تُلقى في حقيبة، لا يتغير شيء حقيقي. من كان يحمل سلطة يبقى يحملها. ومن كانت عليه شارة بلا معنى لم يكتسب شيئاً برفعها ولن يخسر شيئاً بإعادتها. القماش لم يصنع أحداً، والقماش لن يمحو أحداً.

لكن الشارة كانت هناك. وكونها كانت هناك يعني شيئاً. تعني أن جماعة بشرية، بكل ما فيها من توترات ومخاوف وأنانيات ورغبات متناقضة، قررت في لحظة ما أن تثق برجل واحد بأن يتحدث باسمها. لا لأنه يستحق الثقة وجوباً، بل لأن الجماعة تحتاج دائماً إلى تجسيد. تحتاج إلى وجه ترى فيه نفسها حين تفوز وصوت يعبر عنها حين تخسر.

الشارة في النهاية ليست عن القائد، بل عن حاجة الجماعة إلى أن تؤمن بأن ثمة من يقودها. وهذه الحاجة، قبل كرة القدم وبعدها وخارجها، هي واحدة من أكثر الحاجات الإنسانية عراقة وأكثرها هشاشة في آنٍ واحد.

اقرأ المزيد

المزيد من رياضة