ملخص
رفع مستوى النشاط البدني لا يتطلب ساعات طويلة في النادي، إذ يمكن لفترات قصيرة من الحركة اليومية، مثل صعود الدرج أو المشي بعد الوجبات أو تدريبات مقاومة مدتها 20 دقيقة، أن تحسن صحة القلب واللياقة بصورة ملموسة. ورغم أن الحماية المثلى للقلب قد تحتاج إلى أكثر من 10 ساعات حركة أسبوعياً، فإن الرسالة العملية الأهم هي أن كل زيادة في الحركة، مهما كانت صغيرة، تمنح الجسم والعقل فوائد صحية حقيقية.
أفادت دراسة جديدة بأن تحقيق صحة قلب مثالية قد يتطلب ممارسة أكثر من 10 ساعات من النشاط البدني أسبوعياً، وكما كان متوقعاً فلم تلقَ هذه النتيجة ترحيباً كبيراً، فأسلوب حياتك تحكمه أسباب جمة، من التزامات العمل إلى الواجبات الاجتماعية والعائلية، ومن المستبعد جداً أن تتوافر لديك 10 ساعات إضافية أسبوعياً لتخصيصها للرياضة، لكن لحسن الحظ فإن نتائج الدراسة أكثر دقة وتعقيداً مما تبدو عليه للوهلة الأولى.
تتبعت الدراسة أكثر من 17 ألف شخص تراوح أعمارهم ما بين 40 و69 سنة على مدى ثمانية أعوام، وبحثت العلاقة بين الحركة اليومية واللياقة القلبية التنفسية، مقاسة بمؤشر الحد الأقصى لاستهلاك الأوكسجين (VO2 max)، وبين معدلات الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية.
ووجدت الدراسة أن الإرشادات الحالية للنشاط البدني الصادرة عن "منظمة الصحة العالمية" و"هيئة الخدمات الصحية الوطنية" البريطانية، والتي توصي بـ 150 دقيقة من النشاط المعتدل الشدة أو 75 دقيقة من النشاط العالي الشدة أسبوعياً، تحقق "خفضاً متواضعاً في الأخطار"، أما بلوغ "الحماية المثلى للقلب والأوعية الدموية" فقد يتطلب أكثر من 560 دقيقة أسبوعياً لدى الأشخاص ذوي اللياقة البدنية الجيدة، و610 دقائق أسبوعياً لدى الأقل لياقة، لكن هذه الأخبار ليست مخيفة كما تبدو للوهلة الأولى.
الخبر السار
نحن أمام دراسة جيدة ذات نتائج مثيرة للاهتمام، لكنها تبقى دراسة واحدة ضمن بحر واسع من الأبحاث التي تتناول تأثير مستويات النشاط البدني في الصحة، وبصفتي صحافياً متخصصاً في اللياقة البدنية، تابعت كثيراً من هذه الدراسات وحاورت عدداً من الباحثين الذين أعدوها، وبصفتي مدرب لياقة أيضاً فقد رأيت كيف تطبق نتائج هذه الأبحاث عملياً.
الخلاصة الأهم بالنسبة إليّ أن اللياقة البدنية ليست زر تشغيل وإيقاف، بل أقرب إلى مفتاح إضاءة يرفع الشدة أو يخفضها تدريجياً، فلن تبلغ 610 دقائق من التمارين أسبوعياً ثم تحصل فجأة على حزمة كاملة من فوائد صحة القلب، وما يحدث في الواقع أن أي تحسن في مستوى نشاطك البدني أو انتظام تمارينك يدفع صحتك تدريجياً في الاتجاه الصحيح.
وكذلك كتب أستاذ المعلوماتية الطبية الحيوية في "جامعة أكسفورد"، آيدن دوهرتي، فإن "البيانات الواردة في الدراسة تدعم بوضوح شديد الإرشادات الحالية للنشاط البدني الصادرة عن منظمة الصحة العالمية، والأشخاص القادرين على ممارسة نشاط أكبر تنخفض لديهم الأخطار أكثر، لذلك فإن كل حركة لها قيمتها".
معظمنا لسنا رياضيين محترفين ولا مليارديرات يطاردون الخلود، ولا نستطيع أن نعيش حياة مثالية، ولا نرغب في ذلك أساساً، لكن في وسعنا أن نمنح أنفسنا أفضل فرصة ممكنة لعيش حياة طويلة وسعيدة وصحية، من دون الحاجة إلى تمارين يومية تمتد لـ 90 دقيقة، وإليكم كيف يمكن تحقيق ذلك.
كيف تحسن صحتك في دقيقتين؟
يقول اختصاصي فسيولوجيا التمارين العلاجية، ومدرب القوة ورئيس برنامج دراسي في "جامعة إيست لندن"، جاك مكنامارا، إن "إرشادات النشاط البدني الصادرة عن 'هيئة الخدمات الصحية الوطنية' تستند إلى قاعدة علمية راسخة تُظهر أن الالتزام بهذا الحد الأدنى من النشاط، أي 150 دقيقة أسبوعياً من النشاط المعتدل أو 75 دقيقة من النشاط العالي الشدة، يقلل بصورة كبيرة خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، والسكري من النوع الثاني، وبعض أنواع السرطان، والوفاة الباكرة"، ويضيف "المشكلة ليست في أن الإرشادات غير كافية، بل في أن نحو ثلث البالغين في المملكة المتحدة لا يلتزمون بها".
ويقترح مكنامارا ما يعرف بـ "وجبات التمرين الخاطفة"، بوصفها حلاً ممكناً وبديلاً عن خطط اللياقة الصارمة وغير المرنة، ويوضح قائلاً "هي فترات قصيرة تراوح بين دقيقة وخمس دقائق، من نشاط بدني عالي الشدة موزعة على مدار اليوم"، والهدف هو إدخال عدد من هذه الفترات في اليوم كلما سنحت الفرصة.
ويتابع "وجد تحليل حديث لنتائج عدد من الدراسات أن حتى الفترات القصيرة جداً من النشاط، مثل صعود السلالم بنشاط مرات عدة يومياً، يمكن أن تحسن بدرجة ملموسة اللياقة القلبية التنفسية لدى الأشخاص الذين كانوا غير نشطين سابقاً".
ويمكن أيضاً إدخال جلسات قصيرة جداً من تدريبات المقاومة وتمارين الحركة والمرونة ضمن اليوم، وتقدم مقالتنا عن "وجبات التمرين الخاطفة" بعض الأفكار التي تساعدكم في البدء.
كيف تحسن صحتك في خمس دقائق؟
تقول اختصاصية العلاج الطبيعي ومؤلفة كتاب "المشي: حياتك تعتمد عليه"، الدكتورة ميليكا ماكدويل، إن "نحو 98 في المئة من سكان العالم لديهم القدرة على المشي، ولذلك توجد إمكانات هائلة غير مستغلة لتحسين الصحة".
وتوصي ماكدويل، مع المؤلفة المشاركة الدكتورة كورتني كونلي، بما يسمى "المشي المصغر" لزيادة مستوى النشاط اليومي تدريجياً وبطريقة سهلة.
والمقصود هنا نزهة قصيرة مدتها خمس دقائق، أي نحو 500 خطوة، يمكن إدخالها في اليوم كلما توافر وقت فراغ، وحاول تحديد مسارات قصيرة قرب الأماكن التي تقضي فيها وقتاً طويلاً، مثل المنزل أو المكتب، ثم استغل أي فرصة للمشي فيها.
كيف تحسن صحة القلب في 15 دقيقة؟
تقول الدكتورة كونلي "عندما تمشي يساعد ذلك في تنظيم مستويات الغلوكوز في الدم وتحسين استجابة الجسم للأنسولين، ولهذا السبب يكون المشي بعد تناول الطعام مباشرة أحد أفضل الأوقات لممارسته".
ويمكن أن يخفف ذلك العبء عن البنكرياس مما يقلل خطر الإصابة بالسكري على المدى الطويل، وتشير دراسة صغيرة نشرتها "المجلة الدولية للطب العام" إلى أن المشي مدة 15 دقيقة بعد كل وجبة، قد يكون أكثر فاعلية في إنقاص الوزن من المشي للمدة نفسها في وقت آخر من اليوم.
كيف تحسن صحتك في 20 دقيقة؟
تُعد تدريبات المقاومة من أفضل ما يمكن فعله من أجل الصحة، إذ تساعد في بناء جسم أقوى وأكثر قدرة على تحمل متطلبات الحياة اليومية، لكن معظم الناس، ولا سيما المبتدئين، لا يحتاجون إلى قضاء ساعة كاملة في النادي الرياضي لتحقيق نتائج جيدة.
ويقول المدرب الشخصي المخضرم داني ماترانغا إن جلسة تدريب مدتها 20 دقيقة، تتألف من أربعة تمارين فقط، يمكن أن تستهدف الجسم بأكمله.
ويوضح أنه "عندما تكون مبتدئاً فيمكنك الذهاب إلى النادي الرياضي وأداء تمرين دفع وتمرين سحب للجزء العلوي من الجسم، ثم تمرين مثل القرفصاء للجزء الأمامي من الساقين، وتمرين مثل الرفعة الميتة للجزء الخلفي من الساقين، وبعد أربعة تمارين فقط يمكنك المغادرة وقد دربت كل عضلة في جسمك".
كيف تحسن صحتك في 30 دقيقة؟
رفع شدة الحركة اليومية واحد من أبسط المفاتيح التي يمكن استخدامها لتحقيق فوائد صحية أكبر، ويقول البروفيسور إيمانويل ستاماتاكيس، أحد أبرز الباحثين في النشاط البدني في "جامعة سيدني" إنه "في ما يتعلق بالنشاط الخفيف فإن أية حركة أفضل من عدم الحركة، فالحركة بدلاً من الجلوس مفيدة للصحة الأيضية واستهلاك الطاقة".
ويضيف "لكن في ما يتعلق بالقدرة البدنية الوظيفية واللياقة القلبية التنفسية خصوصاً، تحتاج إلى الشدة كي تتحدى فسيولوجيا الجسم، فالنشاط العالي الشدة، أي النشاط الذي يجعلك تلهث إلى درجة لا تستطيع معها الاستمرار إلا لبضع دقائق في كل مرة، يدفع القلب إلى تقوية عضلته، مما يحسن قدرته على ضخ الدم، وهذه الفوائد لا تتحقق إلا بدرجة محدودة جداً مع النشاط المنخفض الشدة، حتى لو مورِس بكميات كبيرة".
والشدة مفهوم نسبي، فالشخص ذو اللياقة الجيدة يحتاج إلى تمرين أصعب من الشخص الأقل لياقة للوصول إلى مستوى النشاط العالي الشدة، أما الأقل لياقة فيمكنهم بلوغ هذا المستوى عبر جعل خطواتهم اليومية أكثر صعوبة، وقد يعني ذلك صعود تلة شديدة الانحدار أو مجموعة من السلالم، أو زيادة سرعة المشي، إذ يرتبط معدل يتجاوز 130 خطوة في الدقيقة غالباً بالنشاط العالي الشدة، أو ممارسة ما يعرف بـ "الركينغ"، أي المشي مع حمل حقيبة ظهر تحوي بعض الوزن.
ويُعد "المشي الياباني" طريقة سهلة لتجربة هذا الأسلوب، امشِ ثلاث دقائق بوتيرة سريعة، ثم ثلاث دقائق بوتيرة مريحة، وكرر هذه الدورة خمس مرات، لتنهي التمرين خلال 30 دقيقة.
أما من لديهم خبرة أكبر في التمارين فيمكنهم تطبيق النمط نفسه على الركض، ثلاث دقائق بوتيرة صعبة نسبياً، ثم ثلاث دقائق بوتيرة مريحة، وتكرار ذلك خمس مرات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كيف تحسن صحتك في 45 دقيقة؟
إذا استطعت تخصيص 45 دقيقة للتمارين مرتين أسبوعياً، فسيكون لديك وقت كاف للعمل على معظم جوانب اللياقة البدنية.
ابدأ الجلسة بالإحماء، ثم بعض تمارين الحركة والمرونة، وبعدها نفذ جلسة قصيرة من تدريبات المقاومة على النحو المذكور أعلاه، واختم التمرين بالركض أو باستخدام أحد أجهزة التمارين لمدة تراوح ما بين 10 و15 دقيقة.
ويمكن تنفيذ ذلك بطرق عدة، مثل قضاء 15 دقيقة بوتيرة ثابتة على جهاز التجديف، أو أداء 10 جولات على دراجة التمارين، تتألف كل جولة من 30 ثانية بوتيرة سريعة تليها 30 ثانية بوتيرة أبطأ.
وفي نهاية هذا التمرين الذي يستغرق 45 دقيقة، تكون قد مرّنت قلبك ورئتيك وعضلاتك وحسّنت قدرتك الحركية، وحققت فائدة في هذه الجوانب كلها.
أفضل روتين لتحسين الصحة بأقل وقت
الحقيقة التي يصعب تجاهلها في الدراسات التي قرأتها والخبراء الذين حاورتهم هي أن الحركة، في العموم، كلما زادت كانت أفضل، ولهذا السبب أشجع دائماً على محاولة تجاوز الحد الأدنى الذي توصي به "منظمة الصحة العالمية"، وهو 150 دقيقة أسبوعياً، وهذا يفسر جزئياً نتائج الدراسة الأخيرة المنشورة في "المجلة البريطانية للطب الرياضي"، لكن رقم 10 ساعات أسبوعياً، الذي ركزت عليه عناوين كثيرة، يرتبط بتحقيق نتائج مثالية لصحة القلب.
أما بالنسبة إلى الشخص العادي فليست المثالية هي الهدف، وما نحتاج إليه ببساطة هو قدر كاف من النشاط يدعم حياتنا اليومية، ولهذا تعجبني خطة اللياقة المؤلفة من ثلاث خطوات، والمستوحاة من مدرب القوة دارين إليس، لأنها تبسط الأمور.
الخطوة الأولى: امشِ 7 آلاف خطوة يومياً.
الخطوة الثانية: مارس جلستين أسبوعياً من تدريبات المقاومة لكامل الجسم.
الخطوة الثالثة: مارس مرتين أسبوعياً نشاطاً هوائياً، مثل الركض أو ركوب الدراجة أو السباحة أو المشي أو غيرها من الرياضات، بوتيرة تجعلك تلهث.
ومع ذلك تأتي هذه الخطة مع ملاحظة مهمة: افعل ما تستطيع، فالحياة مزدحمة ومتقلبة دائماً، وعلى خلاف ما يقوله بعض المؤثرين فلسنا جميعاً نملك الساعات الـ 24 نفسها في اليوم بالظروف نفسها، لكن إذا استطعت إدخال قدر إضافي من الحركة إلى يومك باستخدام الأساليب المذكورة أعلاه، فسيجني عقلك وجسمك الفوائد.
© The Independent