ملخص
وسط النزوح والقصف في لبنان يتمسك الأطفال بألعاب ودفاتر نجت معهم من الحرب، بينما يحلمون بالعودة إلى منازلهم ومدارسهم. ومع استمرار الهجمات على رغم الهدنة الهشة، تتفاقم معاناة مئات آلاف الأطفال الذين سلبت منهم طفولتهم وإحساسهم بالأمان.
حملت نور*، البالغة من العمر ثماني سنوات، مجموعة من أوراق لعب "أونو" ودفتر تلوين "الحورية الصغيرة"، حين أجبرت على مغادرة منزلها في جنوب لبنان تحت وطأة القصف الإسرائيلي للمنطقة. ولم تحمل معها شيئاً آخر سوى ملابسها حين فرت عائلتها من بلدتهم لتنضم إلى أكثر من مليون نازح داخلي تركوا منازلهم هرباً من الهجمات الإسرائيلية التي سوت قرى بأكملها بالأرض.
وتقول نور إن هذه الممتلكات الثمينة كانت هدايا من أمها وأبيها. وتضيف من داخل مأوى جماعي في بيروت، حيث تعيش الآن مع شقيقتها تالا* وأمها سارة* "إنها تعني لي الكثير".
وهذه قصة شائعة للغاية في 632 مأوى جماعياً للنازحين في لبنان، لاذ إليها ما يقارب 130 ألف شخص بحثاً عن الأمان من القصف المتواصل قرب منازلهم، الذي استمر على رغم تمديد اتفاق وقف إطلاق النار لمدة 45 يوماً أخرى.
وتقول سارة، والدة نور البالغة من العمر 31 سنة "ابنتاي ترددان دائماً: ’نريد العودة إلى المنزل. متى سنعود إلى المنزل وإلى المدرسة؟‘ تخبرانني أن كل ما تريدانه هو اللعب في الحديقة مجدداً". وتضيف "أحياناً لا تعبر طفلتاي عن مشاعرهما بالكلام، لكنني ألاحظ أنهما خائفتان. تضع إحدى بناتي وسادة على رأسها عندما تنام، وتطلب مني أن أرافقها إلى الحمام. ما زالتا تتذكران صوت الطائرات الحربية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
منذ اندلاع الصراع في الثاني من مارس (آذار)، عندما أطلق "حزب الله" صواريخ على إسرائيل رداً على الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، قتل ما لا يقل عن 3020 شخصاً في لبنان وأصيب 8824 آخرون، وفقاً لوزارة الصحة اللبنانية. وتوفي ما مجموعه 211 طفلاً.
تقول مديرة منظمة إنقاذ الطفل في لبنان نورا إنغدال إن الصراع "انتزع الأطفال من منازلهم وأصدقائهم ومن أي إحساس بالروتين العادي، مستبدلاً كل ذلك بالخوف وانعدام اليقين". وتضيف أن الصدمة التي عانوا منها ستترك "عواقب مدمرة عليهم لسنوات مقبلة".
قبل أسبوع أو أكثر بقليل، توصلت إسرائيل ولبنان إلى اتفاق لتمديد وقف إطلاق النار لمدة 45 يوماً إضافية عقب محادثات في واشنطن، لكن إسرائيل و"حزب الله" واصلا تبادل الهجمات، كما كان الحال خلال الهدنة الأولى التي بدأت في الـ16 من أبريل (نيسان) الماضي.
"أشتاق حقاً إلى ألعابي"
يبلغ عدد النازحين أكثر من مليون شخص من بينهم 400 ألف طفل يعيش كثير منهم الآن في غرف مكتظة بالناس وغير مزودة بمرافق صحية لائقة ولا بمساحات للعب.
بعيداً من منازلهم، ومع تضاؤل احتمالات عودة كثير منهم إلى بيوتهم، بسبب القصف الإسرائيلي، يتمسك الأطفال في المأوى الواقع في بيروت - وغيرهم في مختلف أنحاء البلاد - بما تبقى من ذكريات طفولتهم.
تقول إليسا البالغة من العمر ست سنوات "أحضرت معي هذا الدب الأحمر لأنني أحبه كثيراً، أهداني إياه أبي"، مضيفة "لكنني لم أستطع إحضار دمى التيلتيبيز. أشتاق حقاً إلى ألعابي والملابس التي اضطررت إلى تركها في المنزل".
لم تتمكن فرح ولين، وكلتاهما في العاشرة من العمر، من حمل أكثر من دمية واحدة معهما عندما اضطرتا إلى النزوح من جنوب لبنان.
وتقول فرح "لم أستطع أن أحمل معي كثيراً من الألعاب، بل هذه الدمية فقط. أتمنى فقط أن تنتهي الحرب حتى نتمكن من العودة إلى ديارنا ونجد منزلنا سليماً كما كان من قبل".
تلقت لين دمية باربي كهدية من والدتها، وهي الآن جزء ثمين من بيتها تحتفظ به في مخيم النازحين.
"إنها مهمة جداً بالنسبة إليَّ لأنها كانت هدية من أمي بمناسبة عيد ميلادي. أشتاق حقاً إلى قريتي وغرفتي وكل ما تركناه في المنزل"، كما تقول.
من جهته، رفض وائل أن تقضي الحرب ورحلة النزوح على هوايته في جمع ألعاب السيارات التي استمرت خمس سنوات.
ويتعلق هذا الطفل البالغ من العمر 10 سنوات بمجموعته، ويلجأ إليها عندما يشعر بالقلق ليجد فيها الراحة والمتعة، وليتذكر منزله الذي فقده. ويقول "إنها تعني لي كل شيء. كلما شعرت بالملل، ألعب بها. أنا أجمع هذه السيارات منذ أن كنت في الخامسة من عمري".
"أريد العودة إلى المدرسة"
عانى الأطفال اللبنانيون كثيراً فقدان ألعابهم، لكن انقطاعهم عن الروتين المدرسي المعتاد، وحرمانهم من التفاعل مع أصدقائهم في ساحة اللعب، سيكون أكثر إيلاماً لهم.
تقول تالا، البالغة من العمر 10 سنوات "أحضرت معي كراستي للدراسة وكرة القدم لألعب بها. كل ما أريده هو أن تنتهي الحرب حتى أتمكن من العودة إلى قريتي والنوم في سريري"، مضيفة "أفتقد المدرسة حقاً. أريد أن أرى أساتذتي وأن أكون مع أصدقائي، وأن أدرس وألعب مرة أخرى".
وتقول سما، البالغة من العمر ثماني سنوات، والتي نزحت هي الأخرى من جنوب لبنان "آمل أن تنتهي الحرب قريباً وأن نعود إلى بيوتنا وإلى المدرسة. اشتقت إلى مدرستي وأساتذتي وأصدقائي".
وتتوق الفتاة الصغيرة التي تحتضن دمية ولعبة منزل إلى انتهاء الحرب حتى تتمكن من العودة إلى بيتها.
وهذا موضوع شائع بين أطفال لبنان الذين يقولون إنهم يشتاقون كثيراً إلى أصدقائهم في المدرسة ومعلميهم وإلى الشعور بإيقاع الحياة الاعتيادي.
وسعت منظمات الإغاثة إلى تأمين التعليم لأطفال لبنان النازحين. ووفقاً لتقرير صدر حديثاً عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) تمكن نحو 164 ألف فتى وفتاة من النازحين من متابعة تعليمهم النظامي عبر الإنترنت حتى الـ14 من مايو (أيار).
وحضر نحو 94 ألف طفل دروساً حضورية، بينما حصل 4222 طفلاً على الدعم من خلال التعليم غير النظامي. وأكدت وزارة التربية والتعليم اللبنانية أن الاختبارات الوطنية الرسمية ستعقد كما جرت العادة.
تقول نايا، البالغة من العمر ست سنوات "أريد حقاً العودة إلى المدرسة لرؤية أساتذتي وأصدقائي، والبدء في الدراسة من جديد".
عندما هربت نايا من منزلها، أحضرت معها دفتر التلوين "كي يكون لديَّ شيء ألعب به"، كما تشرح، قبل أن تضيف "أمي هي التي اشترته لي".
لكن ما زال طريق لبنان طويلاً قبل التوصل إلى سلام حقيقي. وعلى رغم وجود اتفاقات لوقف إطلاق النار من الناحية النظرية، إلا أن الأعمال العدائية المستمرة، بما في ذلك القصف الإسرائيلي، تضعف آمال السكان في التوصل إلى اتفاق سلام دائم. ولم يُبدِ "حزب الله" أي اهتمام بالتفاوض المباشر مع إسرائيل، إضافة إلى أن إسرائيل عمدت إلى إلحاق دمار هائل بقرى جنوب لبنان، وهو ما قارنته بعض المنظمات الحقوقية بما شهدته غزة، مما يعني أن كثيراً من أطفال لبنان لن يروا منازلهم مجدداً، ولن يتبقى لديهم ما يتمسكون به سوى ألعابهم.
© The Independent