ملخص
وقف النار الهشّ لم ينسحب على ما تعرّضت له عشرات القرى في جنوب لبنان، ولا سيما جنوب نهر الليطاني، فقد شكلت العودة الموقتة للنازحين موعداً مع مشاهد صادمة إذ تحولت قرى مثل بنت جبيل، بيت ليف، كفركلا والعديسة وغيرها من القرى إلى أكوام من الركام بفعل عمليات التدمير الممنهجة، ما يشي بأزمة نزوح طويلة لعشرات آلاف المواطنين.
"لم نتمكن من دخول قريتنا بيت ليف الواقعة في الخط الأمامي داخل الشريط الحدودي في جنوب لبنان، ما تمكنا فعله الوقوف على مشارف بلدة ياطر الضيعة الجارة لنا"، هكذا روى حامد تجربة العودة المنقوصة بعد وقف إطلاق النار في لبنان، متحدثاً عن عيش المواطن الجنوبي صراعاً نفسياً شديداً، وهذه حال أبناء 55 قرية جنوبية.
وأشار حامد الشاب الأربعيني، والأب لثلاثة أطفال، إلى أنه لم يتأقلم مع حال انعدام الاستقرار على رغم نزوحه مرات عدة، وقال إننا وصلنا إلى مشارف القرية، واستخدمنا الهواتف لتفقد المنازل، لنكتشف وجود آليات إسرائيلية تقوم بتدمير ما تبقى من منازل داخل القرية، في وقت "يلجأ آخرون من أبناء القرية إلى صور الأقمار الاصطناعية المكلفة مادياً" لمعرفة مصير أملاكهم.
تتكرر القصة على لسان علي ابن بلدة الخيام (جنوب)، فهو لم يفقد الأمل بالعودة إلى بلدته مجدداً، لكن هول صور الدمار تبعث على القلق.
وأسف كثيرون أنهم "بعد أن عادوا موقتاً إلى قرى الجنوب، وجدوا أنفسهم مضطرين للعودة إلى أماكن إقامتهم القسرية في مناطق آمنة" بحسب فاطمة.
وبحسب الحكومة اللبنانية، يستمر 635 مركز إيواء باستقبال ما يقارب 119 ألف نازح، أي 30815 عائلة نازحة، وقد اضطر معظم هؤلاء للعودة إلى الأماكن التي غادروها موقتاً بعد وقف إطلاق النار الذي أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترمب بين لبنان وإسرائيل.
وكشف أحد المشرفين على مركز للإيواء في شمال لبنان عن عودة النازحين الذين غادروا أماكنهم، وأن عائلات جديدة إضافية طلبت تأمين أماكن لإيوائها، في وقت عادت عائلات إلى منازلها في الجنوب، خصوصاً أولئك القاطنين في مناطق شمال نهر الليطاني.
النزوح المكلف
خلال الحرب الأخيرة، نزح 1.2 مليون مواطن لبناني من قراهم في جنوب لبنان والبقاع (شرق) والضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت، ما شكّل عبئاً كبيراً على الحكومة اللبنانية من أجل تأمين الحاجات الأساسية لأعداد هائلة من البشر، واختباراً للتعايش بين اللبنانيين الخائفين من المستقبل، وغني عن الذكر أن النزوح أثار بعض الحساسيات الاجتماعية والثقافية والسياسية بين النازحين وبين سكان المناطق حيث حلوا.
أخطار حقيقية
في السياق، أعرب العميد الطيار المتقاعد أندريه بو معشر عن خشيته من "أخطار حقيقية، وتهديد لتماسك الكيان اللبناني، وخسارة الوطن، وأثمان غالية يدفعها اللبنانيون بسبب خيارات لا إجماع عليها"، متحدثاً عن حاجة للوعي لأهمية الوحدة الوطنية لأن "هناك محاولة لضرب النسيج الاجتماعي، وما لم تتمكن إسرائيل من تحقيقه بالحرب العسكرية، قد تحاول تحقيقه من خلال جرّ لبنان إلى فتنة أهلية"، ذلك أن "ثمة مطبخاً لإثارة العصبيات والنعرات والتحريض ضد رئيس الحكومة نواف سلام والدولة اللبنانية، لا بدّ الحذر منها، والحفاظ على الوطن". وتساءل بو معشر "لماذا مسموح لإيران بمفاوضة من تعتبره الشيطان الأكبر لتحقيق مصالحها، ويُمنع على الدولة اللبنانية التفاوض؟ وهل حلال للراعي الإيراني، وحرام على لبنان، التمسك بالورقة التفاوضية بوصفها عملاً سيادياً، واستعادة للأرض المحتلة، وتحريراً للأسرى، ووقفاً لإطلاق النار؟"، معوّلاً على "دور يمكن أن يلعبه رئيس مجلس النواب نبيه بري في إقناع حزب الله بتغيير مواقفه حيال السلاح، وإنقاذ الطائفة الشيعية بأكملها وحفظ مصالحها وتحقيق العودة".
أعباء كبرى
ولّدت الحرب خسائر اقتصادية كبيرة إلى جانب ملف النزوح.
ونبه الخبير الاقتصادي حسن علي حمادة من آثار اقتصادية طويلة الأمد لأزمة النزوح، "فهي لا تقتصر على الأعباء المالية الهائلة على العائلات، إنما تتجاوزها إلى تداعيات ابتعاد الناس عن بيئتهم الأم بوصفها مساحة للاستثمار والمبادرات الصغيرة"، وميّز حمادة بين تكاليف مباشرة وغير مباشرة لملف النزوح "مع حرب مدمرة تقدر خسائرها اليومية بـ 70 مليون دولار أميركي"، كذلك أدت إلى "القضاء على مسار الانتعاش الجزئي الذي بدأته البلاد، والانتقال إلى الانكماش بما لا يقل عن ستة في المئة، ولفت حمادة إلى أن تداعيات النزوح تؤدي إلى تعطيل الإنتاج، وارتفاع الأسعار، و"ظهور أزمة سكن، وموجات غلاء غير طبيعية، وتضخم مفرط بما يزيد على 30 في المئة بسبب الطلب الكبير على الخدمات الأساسية. ففي منطقة الحمرا في بيروت، تجاوزت الإيجارات عتبة الـ 1500 دولار أميركي للمسكن، وتحوّل البعض إلى نظام التأجير اليومي، أما في الشمال، فقد زادت الإيجارات من 300 دولار إلى بين 500 و600 دولار أميركي شهرياً"، وبالتالي "نشهد انتقالاً في الثروة من المواطن العادي، صاحب الدخل المحدود، إلى تجار العقارات وأصحابها". ونوّه حمادة "إلى التأثير الكبير لإغلاق المؤسسات الاقتصادية والإنتاجية في المناطق التي نزح عنها أهلها، وتوقف سلاسل الإنتاج ضمن المناطق المستهدفة، وإغلاق المؤسسات الصغيرة، وتوقف السياحة، وفقدان الوظائف، وتخفيض الأجور بذريعة آثار الحرب، فضلاً عن ازدهار الاقتصاد غير النظامي والخسارة الإنتاجية المستقبلية بسبب نزف الرأسمال البشري وهجرة الكفاءات، والخسائر الكبيرة في الاحتياطات النقدية الأجنبية بسبب تراجع التصدير".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أزمة مستمرة
تعد سياسة التدمير الممنهجة لمناطق بأكملها جنوب لبنان سبباً إضافياً لاستدامة أزمة النزوح في لبنان، حيث يُقدر المجلس الوطني للبحوث العلمية عدد الوحدات المدمرة والمتضررة بحدود 40 ألف وحدة تقريباً، ما يؤدي إلى خسارة أعداد كبيرة من العائلات مساكنها، وتبدو عملية إعادة الإعمار بعيدة المنال بفعل عدم امتلاك لبنان القدرة المالية الكافية، وعدم حماسة أصدقاء لبنان لتقديم الدعم المادي والائتماني قبل الوصول إلى حل لملف سلاح "حزب الله"، وفرض الحكومة اللبنانية سلطتها على كل أراضيها. وشدد حمادة على علاقة مباشرة بين إدارة ملف إعادة الإعمار من قبل الحكومة، وموقف الدول المانحة حيال لبنان، معتبراً أنه "يمكن تجاوز الأزمة خلال ثلاث سنوات في حال تأمنت الموارد والبدء بعملية إعادة الإعمار وإدارة الملف الاقتصادي والاجتماعي بعد الحرب".
صدمة إضافية
يعد ملف النزوح تحدياً جدياً للدولة والمجتمع في لبنان.
وأشار الخبير الاقتصادي باتريك مارديني إلى "تعرض لبنان إلى صدمتين، صدمة خارجية بسبب تضييق الملاحة في خليج هرمز، وصدمة النزوح الداخلية التي أطلقتها الحرب"، إذ ترك ارتفاع أسعار النفط تداعيات سلبية على الاستهلاك والإنتاج في لبنان، وتحدث مارديني "عن انخفاض في النمو، وتراجع في فرص العمل بسبب إغلاق الشركات، وارتفاع في البطالة، إذ يشهد لبنان عودة إلى حقبة النمو السلبي"، واستبعد الخبير الاقتصادي حدوث أزمات في المحروقات أو الغذاء، موضحاً أن السلع المستوردة يُعاد توزيعها نحو المناطق التي تستضيف النازحين، وأشار إلى أن التزام الحكومة اللبنانية بالابتعاد عن "حزب الله" يسهم في تحييد المرافق العامة والمرافئ والمعابر عن الاستهداف الإسرائيلي. وحذّر، في المقابل، من ضغوط متزايدة على بعض الخدمات الأساسية نتيجة ارتفاع الطلب على الكهرباء وتزايد إنتاج النفايات، فضلاً عن تفاقم معدلات الفقر بين النازحين بسبب فقدان مساكنهم ومؤسساتهم ومدخراتهم.
العودة المؤجلة
وخلق وقف إطلاق النار الهش حالاً من انعدام اليقين والقلق لدى النازحين، ووصف الباحث في الشؤون الدولية محمد حمية وضع النازحين بـ "الكارثي" بفعل عمليات التهجير الواسعة، والأزمة المالية التي يعانيها لبنان منذ عام 2019، وعدم امتلاك الحكومة الموارد الكافية لتقديم يد العون، وشح الدعم الخارجي إذ اقتصر على بعض المؤن والمواد الإغاثية. يأتي ذلك، وفق ما يشير حمية، بالتوازي مع ضغوط أميركية مكثفة ترقى إلى مستوى حصار مالي يهدف إلى التضييق في ملف السلاح ودفع لبنان نحو تنفيذ إصلاحات مشروطة من قبل صندوق النقد الدولي. ولفت إلى انعكاسات النزوح على العلاقة بين النازحين والمجتمعات المضيفة، حيث شهدت بعض الإشكالات الأمنية التي جرى احتواؤها بفضل توجه الحكومة اللبنانية وثنائي حركة "أمل" و"حزب الله" للحفاظ على السلم الأهلي وتجنب الانزلاق نحو الفتنة، على رغم محاولات تأجيج الرأي العام واستحضار أحداث سابقة عمّقت الانقسام الداخلي، "وما أحدثه قرار التفاوض مع إسرائيل من شرخ داخلي وانقسام وطني"، معتبراً أن "دفع إسرائيل للانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة، ووقف الاعتداءات وإعادة الأسرى، وعودة النازحين، هي المدخل لحل أزمة النزوح في لبنان".
من جهة أخرى، أقرّ حمية بوجود مخاوف ديمغرافية جراء أزمة النزوح لدى بعض المجتمعات المضيفة، مشدداً على أن تدمير مناطق واسعة في جنوب الليطاني، "قد يؤدي إلى خطر تغير ديمغرافي جراء نزوح أعداد كبيرة من قرى الجنوب والضاحية الجنوبية التي تحتضن قرابة 700 ألف مواطن"، متخوفاً من نشوء "أحزمة بؤس بسبب عدم قدرة أعداد كبيرة من النازحين على العودة إلى مناطقهم المدمرة، على غرار ما حصل في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، والذي بلغ العاصمة اللبنانية بيروت. وعليه، فإن هناك حاجة لربط أي هدنة ووقف إطلاق النار بعودة النازحين إلى بيوتهم، وهو ما يشدد عليه الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم".