ملخص
الأطفال في مراكز الإيواء في لبنان يعيشون ظروفاً قاسية حرمتهم من أبسط حقوقهم، إذ تغيّرت يومياتهم وأحلامهم لتقتصر على العودة إلى منازلهم ومدارسهم. وتحاول المنظمات، عبر الأنشطة الترفيهية والدعم النفسي والتعليم عن بعد، التخفيف من آثار الحرب، رغم استمرار النقص الكبير في الاحتياجات الأساسية.
وفق الجمعية العامة للأمم المتحدة تضمن اتفاقية عام 1989 حقوق الطفل التي تشمل الحق في التعليم والمساواة والحماية من العنف والاستغلال والنمو في بيئة آمنة وصحية والعيش بكرامة، لكن في لبنان تبدو حياة الأطفال بعيدة من ذلك، حتى إن حياتهم في ظل الحرب بعيدة كل البعد عما يمكن أن تكون عليه حياة طبيعية لطفل، خصوصاً بالنسبة إلى أولئك الموجودين في مراكز الإيواء في ظروف الحرب. يوميات هؤلاء الأطفال مختلفة لأن الحرب حرمتهم من أبسط حقوقهم، لولا مساعي المنظمات والجمعيات المعنية بحماية حقوق الأطفال والمبادرات التي تسعى إلى تأمين حياة تليق بطفولتهم وبراءتهم وتحفظ فيها حقوقهم. في ظل هذه الظروف التي يعيشون فيها في مراكز الإيواء اختلفت أحلامهم، فحلمهم واحد ويجمعون حوله متمنين العودة إلى منازلهم، كما أكدوا في زيارة لنا لأحد مراكز الإيواء في بيروت في مدرسة "عمر فروخ" الرسمية للبنات في بيروت التي تضم قرابة 450 شخصاً منهم 200 طفل، في وقت ثمة مراكز تضم قرابة 1100 شخص.
يوميات أطفال مختلفة
يدعو الخبراء باستمرار إلى الحرص على الحفاظ على روتين معين أقرب إلى الروتين المعتاد للأطفال في ظروف الحرب حفاظاً على صحتهم النفسية. قد يكون تطبيق ذلك سهلاً بالنسبة إلى الأطفال الموجودين في منازلهم، ويتابعون حياة أقرب إلى تلك الطبيعية على رغم استمرار الحرب. أما الأطفال الذين هم في مراكز الإيواء، فكيف يتحقق ذلك في الظروف الصعبة التي يعيشون فيها؟ روتين حياتهم فيها يختلف، وتختلف ظروفهم بعدما غادروا منازلهم مع أهلهم سريعاً بسبب تهديداً الإخلاء أو القصف المتواصل. وإذ بتجربة عاشوها منذ أقل من عامين تتكرر في مراكز الإيواء نفسها، فتقضي على أحلام الطفولة التي لديهم. في المقابل، أصبح التعليم والعودة إلى المدرسة حلماً لهم، واللعب في المنزل نشاطاً يتوقون إليه وقد يكون من الصعب تحقيقه في المستقبل القريب. في مواجهة هذا الواقع، تحاول منظمات وجمعيات صون حقوق هؤلاء الأطفال، على رغم الظروف الصعبة التي يعيشون فيها.
في باحة المدرسة انقسم الأطفال إلى مجموعات ليمارسوا أنشطة مختلفة. فمنهم من كانوا يلعبون ضمن فريق كرة السلة، ومنهم من كانوا يقومون ضمن مجموعات أيضاً بأنشطة ترفيهية وألعاب ملائمة لأعمارهم. أيضاً مجموعة كبيرة من الأطفال تجمعت حول ألعاب البناء، ليتحدى كل منهم الآخر في تشييد المبنى الأعلى أو المنزل الأكبر علَّهم بذلك ينجحون في بناء ما دمرته الحرب. أحلام علي وحسن ومهدي ومريم وغيرهم كانت متشابهة، وجمعتهم أمنية واحدة، ألا وهي العودة إلى المنزل واللعب بما تركوه من ألعاب خاصة، وكأن الزمن قد توقف بالنسبة إليهم قبل أن تبدأ الحرب وهم يحاولون أن يزيلوا من أذهانهم كل ما تبقى من صور ومشاهد.
اللعب أكثر من ترفيه
لأن اللعب لا يعد وسيلة للترفيه للأطفال في ظروف الحرب، إنما أيضاً وسيلة للتعبير عن المشاعر وطريقة تساعد على التخلص من الأحاسيس السلبية التي لديهم ليعودوا إلى تلك الأجواء التي من المفترض أن يعيشوا فيها، تتدخل منظمة "اليونيسيف" بالتعاون مع شركائها وغيرها من الجمعيات المعنية بحماية الأطفال ودعمهم لتوفير نمط الحياة الملائم لهم. لذلك، هناك تركيز على هذه الأنشطة الترفيهية والألعاب التي يستمتعون بها، إنما أيضاً يعبرون من خلالها عن أحاسيسهم على طريقتهم الخاصة. ففي علم النفس، يعتبر اللعب حاجة نفسية وأداة جوهرية لنمو الطفل من النواحي كافة، ولا يقتصر دوره على التسلية، إضافة إلى أنه من خلاله يعبر عن مشاعره ويبني ثقته بنفسه.
في السياق أشار مسؤول في برنامج التعليم في "اليونيسيف" سيزار الفقيه إلى أن اللعب والنشاطاًت الترفيهية جوهرية في الظروف الصعبة التي يمر بها الأطفال، "لذلك، كانت هذه الخطوة الأولى التي جرى التركيز عليها مع النازحين في مراكز الإيواء حرصاً على صحتهم النفسية بما أنه لم يكن من الممكن البدء بالأنشطة التعليمية بعد النزوح ومغادرة المنازل. ففي مقدم ما كان الأطفال يحتاجون إليه هو الرياضة والأنشطة الترفيهية والدعم الاجتماعي، مع التركيز على أنواع معينة من الألعاب ثبت أن لها أثراً إيجاباً على صحتهم النفسية في ظروف مماثلة. مثال على ذلك لعبة التركيب والبناء (ليغو)، فهي تسهم في خروجهم من الأجواء السلبية المسيطرة من حولهم. كذلك يعتبر الرسم من الأنشطة المثالية التي يجري التركيز عليها في مراكز الإيواء لأن الطفل يعبر من خلاله عن مشاعر يعجز عن التعبير عنها بالكلام. ويجري التركيز على الرياضة بأنواعها ليمارس الأطفال أي نشاط جسدي ويرفهوا عن أنفسهم بدلاً من الجلوس ساعات طويلة في غرف المركز. بهذه الطريقة، يخرجون الطاقة التي في داخلهم ويعيدهم ذلك إلى شيء من الحياة الطبيعية التي من المفترض أن يعيشوها كأطفال".
بحسب الفقيه أيضاً "تعد هذه الأنشطة جوهرية للصحة النفسية والجسدية للأطفال كخطوة أولى، لكن في مرحلة ثانية، يجري الاتجاه إلى مزيد من الانضباط في الأنشطة. حالياً تقصد المنظمة وشركاؤها المركز ذاته خمسة أيام في الأسبوع لأهمية تكرار هذه الأنشطة والدعم للأطفال وضمان الاستمرارية حتى تكون مجدية. في مرحلة ثانية، سيكون هناك تركيز على الدعم النفسي - الاجتماعي للأهل والأطفال بالتنسيق مع وزارتي التعليم والشؤون الاجتماعية. ويدخل الشركاء المراكز بطريقة منظمة على هذا الأساس إلى مراكز الإيواء، التي بلغ عددها 612 حالياً، دعماً للعائلات والأطفال من النازحين، علماً أن هناك نسبة 20 في المئة من النازحين في مراكز الإيواء، مما يؤكد الضغط الكبير والحاجات التي ثمة حاجة إلى تلبيتها بالتعاون بين مختلف الجهات المعنية من جمعيات ومنظمات إلى جانب الدولة، لكن على رغم تضافر الجهود، لا يزال هناك نقص حاد وحاجات كثيرة لم تُلبَّ".
وتابع المسؤول في برنامج التعليم في "اليونيسيف"، "أما التعليم، فأصبح حلماً لهؤلاء الأطفال بسبب الحرب، وللتعويض عليهم وتوفير هذا الحق لهم، وضعت خطة ليتابع الأطفال في مراكز الإيواء التعليم من بعد. وبالتعاون بين وزارة التربية والتعليم العالي و(اليونيسيف) وضعت خطة لضمان استمرارية التعليم، ومن المفترض أن يبدأ التنفيذ، الأسبوع الجاري، الذي يعد الثالث من بداية الحرب، علماً أن الطلاب ينقسمون بين أولئك الذين كانوا في مدارس نظامية رسمية أو خاصة ويحتاجون إلى متابعة تعليمهم، وآخرين لم يكونوا أصلاً في المدارس، وثمة استراتيجيتان مختلفتان لكل منهما. لذلك في 544 مدرسة في لبنان، أسهمت (اليونيسيف) في تأمين الإنترنت ليتابع الأطفال تعليمهم من بعد، إضافة إلى أنه من خلال مركز البحوث والإنماء يجري العمل على طباعة وتأمين دروس لتأمينها للأطفال، إلى جانب تأمين أستاذ في كل مدرسة لمساعدة الطلاب. وخطة التعليم هذه تطاول الأطفال من مختلف الفئات العمرية من عمر ثلاث سنوات إلى 18 سنة، وثمة مراكز تحرص على تقديم الدعم اللاصفي للأطفال لمتابعة تعليمهم".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تكنولوجيا المعلومات
وأوضح الفقيه أنه "في كل مركز إيواء، اختارت وزارة التربية والتعليم العالي مدير مدرسة وناظراً ومتخصصاً في تكنولوجيا المعلومات لمتابعة الأمور المرتبطة بالتعليم في المدرسة وتسجيل أسماء الأطفال وإحصائهم بحسب أعمارهم حتى يبدأ التعليم من بعد في استجابة تعد سريعة بالمقارنة مع تجربة الحرب السابقة. وتعمل الوزارة إلى فتح مدارس لم تفتح كمراكز إيواء بهدف استقبال طلاب للتعليم الحضوري".
أيضاً، أوضحت المربية روان خوري من "مؤسسة عامل الدولية" الشريكة في توفير الأنشطة للأطفال النازحين أن يجري التركيز على الدعم النفسي الاجتماعي عبر اللعب لا من خلال جلسات من العلاج النفسي، "إذ تبين أن الأطفال يعبرون أكثر من خلال اللعب لا بالكلام فهي طريقتهم المفضلة للتعبير. فتنظم أنشطة ترفيهية رياضية ضمن مجموعات للأطفال الأكبر سناً، إضافة إلى ألعاب البناء والرسم والتواصل بما أن الأطفال من بيئات مختلفة ويمكن لذلك أن يخلق أُلفة بينهم، وثمة أنشطة تنافسية ضمن فرق، ويساعدهم ذلك في الخروج من أجواء الحرب والتجربة التي يمرون بها بعد مغادرة منازلهم".
بحسب خوري يبدو واضحاً أن الأطفال لا يرغبون الآن إلا باللعب والترفيه ويتمنون لو تبقى الألعاب التي بين أيديهم معهم لأطول وقت ممكن، "إلا أن الألعاب تحصل بإشراف المتطوعين تجنباً للمشكلات وتجنباً للأخطار التي يمكن أن يتعرض لها الأطفال في اللعب، فتلعب كل فئة عمرية وحدها لأن الأصغر سناً لهم إمكانات مختلفة".
"أطفال لبنان ليسوا بخير"
"أطفال لبنان ليسوا بخير"، هذا ما شددت عليه مسؤولة التواصل في "اليونيسيف" في لبنان بلانش باز مشيرة إلى أنهم سبق أن عاشوا هذه التجربة القاسية والمُرة منذ ما لا يزيد على 15 شهراً، ولم يتسنَّ لهم الوقت الكافي للتعافي بعد التجربة الأولى، وهم عادوا ليعيشوا في الظروف ذاتها، ومنهم من وجدوا أنفسهم في المراكز نفسها بدلاً من أن يكونوا على مقاعد الدراسة ليتابعوا تعليمهم، وأضافت "أصبحت المدرسة تمثل بالنسبة إلى الأطفال مكاناً آمناً يلجأون إليه للاحتماء من القصف، حتى إننا قابلنا أطفالاً كانوا في المراكز نفسها قبل 15 شهراً فاستعادوا الذكريات ذاتها. لذلك، يعد الوضع النفسي للأطفال سيئاً، ولا بد من مراعاة ذلك. فهم في حاجة إلى الطمأنينة، والعودة إلى الروتين المعتاد والدراسة وإلى منازلهم وإلى الأجواء الآمنة".
على رغم كل المحاولات، ليس من السهل تأمين الروتين المعتاد للأطفال في مراكز الإيواء في الظروف الصعبة التي يعيشون فيها. لكن في الأقل، يجري العمل على تأمين الحد الأدنى منه من خلال أنشطة تقربهم مما هي عليه الطفولة الطبيعية وتبعدهم عن أجواء الحرب، فيشيدون المباني ويرسمون المنازل التي يفتقدونها ويتوقون للعودة إليها. بحسب باز، "هؤلاء الأطفال يدفعون الثمن الأغلى، وهم يفتقدون إلى أبسط حقوقهم في وقت لا يتمنون إلا استعادة الطمأنينة، والعودة إلى منازلهم ومدارسهم، ورؤية أصدقائهم والاطمئنان على عائلاتهم".