Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أطفال مبتورو الأطراف... مأساة تتكرر في لبنان بعد غزة

تتسبب الحرب بآلاف حالات البتر لدى صغار لم يفقدوا جزءاً من أجسامهم وحسب، إنما فقدوا أيضاً جزءاً من حياتهم وأحلامهم

قتل وأصيب المئات الأطفال في لبنان بسبب الحرب المستمرة منذ ثلاث سنوات (ا ف ب)

ملخص

أدت الحروب إلى آلاف حالات بتر الأطراف وعلى رأسها الحرب في قطاع غزة التي أصبحت موطناً لأكبر مجموعة من الأطفال مبتوري الأطراف في التاريخ الحديث بحسب الأمم المتحدة، وسجلت فيها يومياً 10 حالات لأطفال فقدوا إحدى الساقين أو كلتيهما.

وأتت الحرب في لبنان، المستمرة منذ نحو ثلاثة أعوام، لتتسبب أيضاً بحالات بتر أطراف كثيرة بين الأطفال.

لكل خسارة أثرها ووقعها على الإنسان، وهو أثر قد لا يشعر به فعلاً ويقدّر حجمه إلا من يعرف هذا الفقد ويعيشه. أما أن يخسر طفل أطرافه، فهي خسارة من نوع آخر تقلب حياته رأساً على عقب، وتغير نظرته إلى الحياة والمستقبل. هذا ما ترسمه الحرب لأطفالنا، فتجعل أيامهم قاتمة لا تشبه تصوّراتهم وأحلامهم. حتى أن اللعب الذي قد يكون أبسط ما يطلعون إليه، يصبح حلماً صعب المنال بسبب الحرب.

في الواقع، أدت الحروب إلى آلاف حالات بتر الأطراف وعلى رأسها الحرب في قطاع غزة التي أصبحت موطناً لأكبر مجموعة من الأطفال مبتوري الأطراف في التاريخ الحديث بحسب الأمم المتحدة، وسجلت فيها يومياً 10 حالات لأطفال فقدوا إحدى الساقين أو كلتيهما.

وأتت الحرب في لبنان، المستمرة منذ نحو ثلاثة أعوام، لتتسبب أيضاً بحالات بتر أطراف كثيرة بين الأطفال، وقد أكدت منظمة "اليونيسف" في بيان أن الحرب في لبنان أودت بحياة أو تسببت في إصابة ما يعادل صفاً دراسياً من الأطفال يومياً، إضافة إلى أنها حرمت غيرهم من الصغار شعور الحياة الطبيعية منذ اندلاعها.

بتر لإنقاذ الحياة

يعتبر بتر الأطراف من الإجراءات الجراحية الجذرية التي قد يكون لا بد منها لإنقاذ الحياة على أثر التعرض لإصابات جسدية خطرة، وعلى رغم أنه في الحالات الطبيعية، قد يكون من النادر أن يواجه طفل هذا النوع من الخسارة، فإنه في ظروف الحرب قد تكون ضرورية لإنقاذ حياته لدى تعرضه لإصابات شديدة، بفعل الغارات والاستهدافات.

ونظراً إلى القصف الإسرائيلي المباشر على المناطق السكنية، ارتفعت أعداد الأطفال الذين أجريت لهم عمليات بتر أطراف سواء بسبب انهيار المباني وإصابتهم بصورة كبيرة، مما أدى إلى البتر تلقائياً، أو على أثر خضوعهم إلى جراحات بتر أطراف لإنقاذهم لاحقاً.

وبالعودة إلى قطاع غزة، تكشف تقديرات منظمة الصحة العالمية أن نحو 4000 طفل عانوا بتر الأطراف. حتى أن تقارير كثيرة أشارت إلى أن عمليات بتر كثيرة نفذت من دون تخدير، بما أن الأطباء أرغموا على ذلك لعدم توافر المستلزمات الطبية اللازمة.

لكن، أياً كانت الظروف التي تجرى فيها هذه الجراحة أحياناً، يبقى وقعها كارثياً على الطفل ومستقبله.

رعاية طويلة الأمد

في حديثه إلى "اندبندنت عربية" تحدث منسق شبكة برنامج الجراحة التقويمية في الأردن الدكتور فراس القدسي، انطلاقاً من تجربته في إجراء جراحات بتر لأطفال تم نقلهم من غزة إلى الأردن لهذه الغاية.

ويشير إلى أن هذا الإجراء يتطلب رعاية طويلة المدى متعددة الاختصاصات لاعتبارها إصابة لمدى الحياة تستدعي متابعة جراحية مع العلاج الفيزيائي المستمر، خصوصاً أن الطرف الصناعي قد يحتاج إلى تعديلات مستمرة مع نمو الطفل، إضافة إلى المتابعة النفسية نظراً إلى وقع هذه الإصابة الكبير على حال الطفل النفسية.

ويقول "لهذا النوع من الإصابات أثر نفسي كبير في الطفل، كونه يخسر فيها جزءاً من جسمه، ومعه أحلامه وتطلعاته، حتى أنه يحتاج في ذلك إلى دعم نفسي اجتماعي للعودة إلى المدرسة والانخراط مجدداً في المجتمع، تماماً كما في حال التعرض لحروق، وهي أيضاً من الإصابات التي ارتفعت معدلاتها إلى حد كبير في الحرب. هذا النوع من العمليات والإجراءات تجرى على مراحل عدة وهي مسألة لا مفر منها حين تكون الحياة مهددة بالخطر بسبب الطرف المتضرر".

ويصف القدسي هذه العمليات بالمعقدة نظراً إلى طبيعة الإصابات التي تستدعي اللجوء إليها، وتتبعها ومرحلة إعادة التأهيل الطويلة التي تتطلبها، ويضيف "هناك مشكلة أساسية في أن المستلزمات الطبية غير متوافرة في غزة ومنها الأدوية والمضادات الحيوية التي يحتاج إليها الأطفال الذين تعرضوا لهذا النوع من الإصابات بمعدلات كبرى. لذلك، وضعت خطة في الأردن لاستقبال الأطفال المصابين الذي تعرضوا لبتر أطراف وكسور خطرة وحروق في القطاع، وبالفعل تم استقبال عشرات منهم، لكن تكثر التعقيدات اللوجيستية المرتبطة بالإجراءات على الحدود، فيما تستمر المساعي لتسوية الأمور وتقديم الرعاية اللازمة بالتعاون بين منظمة أطباء بلاحدود ومنظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة في الأردن".

ويكشف "غالباً ما تصلنا حالات البتر من غزة بعد أن يكون البتر قد حصل أصلاً لكن البتر هناك قد لا يكون موائماً، وقد تجرى لهم جراحات ترميمية في الأردن وتركيب للأطراف الصناعية والمتابعة النفسية، مع الإشارة إلى أن تركيب الأطراف يتطلب أشهراً من التحضيرات وتليه مرحلة طويلة من العلاج الفيزيائي وإدارة الألم بسبب الألم التشنجي الذي يشعر به في الطرف المبتور وهي حال نفسية معروفة، فقد يشعر الطفل بألم في الركبة على رغم أن الساق مبتورة من فوق الركبة".

أمل على رغم الألم

في تجربته مع الأطفال، يشير القدسي إلى أنه على رغم قسوة الظروف وحجم المأساة التي يعيشونها، يرى غالباً قوةً وأملاً بالحياة في عينيهم. ويظهرون اندفاعاً وإيجابية على رغم خضوعهم لعملية البتر ووقعها على حياتهم نتيجة فقدانهم جزءاً من أجسامهم، ومعه فقدوا الحق باللعب والركض وممارسة الأنشطة الطبيعية كبقية الأطفال الذين هم في سنهم، ويبدو لافتاً أن هؤلاء الأطفال يبدون أقوى مما هو متوقع، وهم أكثر صلابة أمام مصابهم على رغم صعوبته وحجم المآسي التي تعرضوا لها، مع فقدانهم أجزاء من أجسامهم، كما يقول، مؤكداً أن هذا لا يعني أنهم لا يتوقون في كل لحظة لاستعادة حياتهم الطبيعية بكل ما فيها، قبل أن يعيشوا هذه التجربة الصعبة.

بحسب القدسي، قد تعود الصلابة التي يظهرها الأطفال، ولو جزئياً، إلى أن المصاب لا يظهر أثر معاناته أو أنه لا يكتشف حجمها حتى، حين يكون كل من حوله مصاباً في ظروف مماثلة. لكن السؤال الذي يطرح هنا هو حول ما يمكن أن يظهره عند العودة إلى بلاده، وما إذا كان سيتأقلم بسهولة مع الظروف عندها.

وحتى يتمكن هؤلاء الأطفال من العودة إلى متابعة حياة طبيعية، يكشف القدسي أن دورات تدريبية تقام لهم وبالتحديد لمن هم في مرحلة المراهقة، ليتمكنوا من التمتع بالاستقلالية والاعتماد على أنفسهم، والوقوف مجدداً على قدميهم، وهناك حرص على تأمين الخدمات الاجتماعية والتعليم لكافة الأطفال لدعمهم ومساعدتهم على تخطي المحنة، فهناك محاولات للدمج والتعليم المناسب لأعمارهم وهم يظهرون قبولاً لما حصل معهم.

لكن على رغم كل المحاولات، يؤكد القدسي أنها تجربة في غاية الصعوبة يمر بها الطفل ولها وقع كارثي، إنما يبقى الهدف من كل الدعم الحفاظ على الأمل ليتمكن الطفل من متابعة حياة شبه طبيعية بعد خضوعه إلى هذا النوع من الجراحات المعقدة والعلاجات الفيزيائية والنفسية.

أطفال لبنان أبرز ضحايا الحرب

في الحرب على لبنان، تعرض أطفال كثر، وإن بعدد أقل من غزة، أيضاً لعمليات بتر أطراف، وكانت آخر الضربات وأقواها منذ بداية الحرب في الثامن من أبريل (نيسان) الجاري وفيها استهدفت غارات إسرائيلية عنيفة العاصمة بيروت ومناطق مختلفة في لبنان خلال دقائق، وأدت إلى قرابة 400 وفاة، اعتبر هذا الهجوم الأعنف من بداية الحرب على مناطق سكنية، وشكلت النساء والأطفال النسبة الكبرى من المصابين به بحسب الأطباء بسبب توقيت الغارات الذي صادف في أوقات وجودهم بالمنازل.

في هذه الضربات أصيب مراهق بعمر 15 سنة بضربة قوية استهدفت المبنى الذي يعيش فيه مع عائلته، وبفعل الغارة خسر ساقه في ذاك اليوم، وقد نقل إلى مستشفى في العاصمة بساق مبتورة للمعالجة. وقد أجرى له جراحة طارئة آنذاك الطبيب المتخصص في جراحة العظام والمفاصل الطبيب سيزار يمين.

يكشف يمين في حديثه عن أن الجراحة أجريت بصورة عاجلة لإتمام عملية البتر للقدم التي كانت أصلاً مبتورة عند حضور الفتى، ولإنقاذ حياته، لذا كان لا بد منها.

وقد أسف لأن أطفالاً في الحرب يضطرون إلى الخضوع لهذا النوع من الجراحات التي يجريها عادةً لمسنين هم من مرضى السكري، فتجرى لهم عملية البتر في مواجهة مضاعفات السكري.

ويقول "مما لا شك فيه أن عملية البتر تجرى بطريقة كاملة ومثالية من المرة الأولى، ونادراً ما تكون هناك حاجة إلى جراحة ثانية تصحيحية، لكن أخيراً وبسبب الحرب تأتي غالباً حالات تستدعي إجراء جراحة تصحيحية واحدة أو أكثر، علماً أن الوضع يختلف دائماً مع الأطفال لأن نموهم المستمر يفرض إجراء جراحات عدة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إصابات الأطفال في الحرب كثيرة ومستمرة

ما توضحه متخصصة الصحة في منظمة "اليونيسف" في لبنان ريما شيّا أن إصابات الأطفال في الحرب كثيرة ومستمرة، وهي لم تتوقف منذ الحرب الماضية عام 2024 حتى سجّلت أرقاماً مخيفة تخطت الـ300 ضحية. وتعرض ما يزيد على 1500 طفل لإصابات متفاوتة الحدة بين تلك الدائمة وتلك الموقتة، منها إصابات خطرة كالبتر والحروق.

ومعظم الإصابات بين الأطفال حصلت في تفجير أو بسبب شظايا أو سقوط مباني، ومن ضمنها إصابات كبرى في الرأس بصورة تؤثر في النمو الطبيعي للطفل.

ومن ضمن الأطفال الذين أصيبوا كثر خسروا عضواً مثل العين أو الطرف، ومنهم من دخلوا في غيبوبة. أما في ما يتعلق بالإصابات التي أدت إلى بتر الأطراف، فللتعامل معها أُطلق برنامج "أقوى" مع وزارة الصحة في مارس (آذار) 2025، وهو يشمل كافة الأطفال الذين تعرضوا لإصابات جراء الحرب وهم بحاجة إلى جراحات ترميمية أو أطراف صناعية، وضمن البرنامج عينه، تحصل المتابعة للصحة النفسية للأطفال وللقيّمين عليهم.

وتوضح شيا أن هذا البرنامج هو برنامج متكامل مع وزارة الصحة بالتعاون مع الطبيب المتخصص في جراحة الترميم الدكتور غسان أبو ستة الذي نقل خبرته في هذا المجال من غزة إلى لبنان لإنقاذ الأطفال الذين أصيبوا في الغارات الإسرائيلية، وفي تجربته هذه في لبنان التي يعتبرها نسخة مصغرة عن غزة، هو يعاين يومياً إصابات متنوعة من أطراف ممزقة وإصابات في الرأس وشظايا في العيون والوجه وكسور وأنسجة متمزقة. وكان قد صرّح في حديث إعلامي سابق بأنه من الممكن أن تجتمع إصابات بأنواع عدة لدى طفل واحد جراء القصف العنيف الذي تتعرض له البلاد.

وقال في مقابلة مع وكالة الصحافة الفرنسية إن أصغر مرضاه طفل في الرابعة من عمره، قُتل والداه وإخوته الثلاثة في أولى أيام الحرب وقد بترت ساقه وأصيب في رأسه، وكان بحاجة إلى متابعة طويلة الأمد على المستويين الجسدي والنفسي.

وتشير شيّا إلى أن قرابة 20 طفلاً تعرضوا لإصابات في الأسابيع الثلاثة الأولى من الحرب الأخيرة، وتجري متابعتهم بعدما خضعوا لجراحات، أما في الحرب السابقة نهاية عام 2023 كانت هناك 205 إصابات متفاوتة الحدة، ومنها 15 طفلاً فقدوا أطرافهم وأجريت لهم جراحة. وضعت أطراف صناعية لـ12 منهم والباقون لا يزالون في مرحلة التقييم والجراحات، وهم يحتاجون إلى جراحات متكررة حتى تركب لهم أطراف صناعية.

من جهة أخرى، تشير شيّا إلى أن الطفل يكون في مرحلة نمو، لذلك، يحتاج إلى جراحات ترميمية عدة بعد بتر الأطراف، ولا تكون الجراحة نهائية له حتى يتمكن من استقبال الطرف الصناعي والتأقلم معه. وتؤكد الحرص على الاستمرار بمتابعة هؤلاء الأطفال وتأمين كل ما يحتاجون إليه بعد الإصابات التي يتعرضون لها طالما أن التمويل متوافر، ويتم شراء الأطراف الصناعية وتركيبها وتجرى الجراحة بهذا التمويل.

أثر نفسي لا يزول

على رغم المتابعة النفسية والجسدية والجراحات المتطورة والعلاجات الحديثة التي يمكن أن يلقاها الطفل، يبقى وقع هذا النوع من الإصابات على الطفل كارثياً. والدعم الذي يعتبر جوهرياً في هذه المرحلة سواء من قبل الخبراء أو من قبل المحيطين، قد لا يكون كافياً لجعل الطفل يتخطى هذا النوع من المآسي التي تحدث تحولاً جذرياً في حياته وتقلبها رأساً على عقب.

حول الأثر النفسي الكبير الذي تتركه عملية بتر الأطراف التي يتعرض لها الطفل المصاب في الحرب، أوضحت المتخصصة في المعالجة النفسية الدكتورة كارول سعادة أن بتر الأطراف بالنسبة إلى الطفل ليس مجرد فقدان جسدي، بل له تداعيات نفسية كثيرة، فهي تجربة تعيد مجدداً تشكيل مخطط الجسم لديه والهوية النفسية أيضاً، مع الإشارة إلى أن الأمور تختلف حكماً بحسب عمر الطفل المصاب.

وتقول "دون عمر الخمس سنوات، لا يعي الطفل ما حصل معه ويتصوّر أن الطرف الذي خسره سينمو من جديد ويأمل ذلك طويلاً. وهذا ما يفسّر تساؤلات الطفل في هذه السن حول ما إذا كان الطرف سينمو، أما بعد عمر الخمس سنوات وصولاً إلى عمر تسع سنوات، فيتميز الطفل باتساع المخيلة مع سيطرة الإحساس بالذنب ولوم الذات على ما تعرض له. وبعد هذه السن، تزيد مستويات الوعي وتكون المعاناة كبرى لأن الطفل يدرك عندها أن ما تعرض له غير قابل للمعالجة".

وتؤكد أنه لدى المراهقين إن حصل بتر للأطراف "يحصل فقدان للهوية القديمة، وبوجود اضطراب ما بعد الصدمة يكون هناك خطر التعرض للاكتئاب، والقلق، والأفكار السوداوية، فيكون الدعم النفسي والاجتماعي أكثر أهمية بعد. وفي حال اعتماد الطرف الصناعي في الوقت المناسب، من المؤكد أن ذلك يعزز الثقة بالنفس مع المتابعة النفسية والطبية".

"عندما يعي الطفل ما حصل، هناك أثر نفسي أكيد يرتبط بتلك الفجوة بين جسم الآخر وجسمه، وبين صورة الجسم الكامل الذي يتخيله وجسمه فعلياً. وهذه الفجوة تؤثر حكماً في صورة الجسد لديه، وترتبط إلى حد كبير بنظرته إلى نفسه وبتقدير الذات والثقة بالنفس. من الممكن أن يؤدي ذلك إلى قلق اجتماعي لدى المقارنة مع أطفال آخرين"، وتضيف الطبيبة النفسية أن هناك تفاوتاً في الأثر بحسب عوامل كثيرة تلعب دوراً مثل دعم المحيطين والظروف التي ينمو فيها الطفل وغيرها من العوامل، وهنا، يبرز دعم الأهل كعنصر جوهري في مثل هذه التجارب، فهم قادرون على مساعدة الطفل على التأقلم نفسياً، إلى جانب الدعم في المدرسة والتوعية".

وعي الدفاع حول موقع الأطراف

من جهة أخرى، تشير سعادة إلى مفهوم الوعي العميق الذي يتعلق بوعي الدماغ حول موقع الأطراف في الجسم، فيشعر بما يحصل في الجسم وكيفية تركيبته. لكن بعد البتر، يحتاج الدماغ إلى فترة معينة ليتمكن من رسم خريطة جديدة للجسم ويتكيف مع غياب الطرف المبتور. عندها، تظهر فكرة "الطرف الشبح" الذي يتصوّر فيها الدماغ أن الطرف لا يزال موجوداً على رغم غيابه ويشعر وكأنه لا يزال موجوداً.

على أثر عملية الفقد هذه التي يعيشها في هذه التجربة، يمر الطفل أو المراهق بمراحل عدة تشبه مراحل الخسارة التي يمكن أن يعيشها الإنسان لدى فقدان أحد المقربين بدءاً من الإنكار، والرفض، والغضب، وعدم التقبل. فتكون ردود الفعل هذه في مرحلة أولى طبيعية ومتوقعة، وتكون ممزوجة بالخوف الشديد والارتباك. لكن مع الوقت، تزيد معدلات الحزن، ومعها نوبات الغضب غير المبررة والمفاجئة والمتكررة، خصوصاً في مرحلة المراهقة. وتدرجاً، من الممكن أن يتأقلم الطفل، خصوصاً بوجود الدعم النفسي والإحاطة المناسبة والمساندة، وبصورة خاصة لدى اعتماد طرف صناعي مناسب يسهم في استعادته ثقته بنفسه.

وتختم بالتوقف عند حالات بتر عاينتها، وهي حالات كثيرة لأشخاص تعرضوا لبتر الأطراف وحققوا نجاحات كبرى في حياتهم بعد النهوض نتيجة التحلي بالعزم والإرادة. وبحسب سعادة، بقدر ما تحصل عملية تركيب الطرف الصناعي في مرحلة مبكرة، تكون النتيجة فضلى ليستعيد الطفل الإحساس بالسيطرة على الجسم والكفاءة الجسدية. لكن لكون الطفل يكون قد تعرض هنا لهذا النوع من الإصابة بظروف الحرب الصادمة والقاسية، من المتوقع أن تترافق الحالة مع أعراض اضطراب مما بعد الصدمة من كوابيس، وقلق، ويقظة زائدة، وتوتر دائم، واستعادة مستمرة لظروف الحادثة بكل ما رافقها.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات