ملخص
أحيت استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي المخاوف من تدهور سريع في العملة المحلية، خصوصاً أن سعر صرف الدولار الأميركي تجاوز حاجز تسعة دنانير ليبية، إثر إعلان ناجي عيسى استقالته الإثنين الماضي. وباتت تطرح تساؤلات في شأن تلك الاستقالة، وتداعياتها على عمل المصرف المركزي.
عاد مصرف ليبيا المركزي لقلب الأحداث، مع تقديم محافظه ناجي عيسي، ومدير الرقابة على المصارف عوض العمامي، استقالتهما، في توقيت يشهد فيه البلد المنقسم بين سلطتين (شرق وغرب) تجاذبات سياسية وأمنية أعادت المخاوف من العودة لمربع العنف والتشظي المصرفي الذي عانت تبعاته ليبيا منذ عام 2014 حتى عام 2023.
وخلف انقسام مصرف ليبيا المركزي إلى فرعين واحد في الشرق والآخر في الغرب، غياب سياسة نقدية موحدة، واختفاء السيولة النقدية من جل المصارف، إضافة إلى انخفاض في قيمة الدينار، زد على ذلك غياب الرقابة على الاعتمادات المستندية.
ويضطلع "مصرف ليبيا المركزي" بمهمات عدة من بينها إدارة العملة، داخل البلاد وخارجها، والمحافظة على اسقرار النقد المحلي وتحديد سياسات الصرف والاحتفاظ بحسابات الإيرادات والمصروفات العامة وإدارة عمليات التحويل والصرف الحكومي، إضافة إلى إدارة احتياطات الدولة من الذهب والعملات الأجنبية وحمايتها. كما يشرف على المصارف التجارية العاملة في الدولة الليبية، ويعمل على حماية أموال المودعين.
الدوافع الكامنة
وفيما لم يصدر أي تعليق رسمي من البرلمان الليبي حول استقالة محافظ "المركزي" ناجي عيسي، أعلن "مجلس الدولة" رفض استقالة الأخير وطالبه بالاستمرار في أداء مهماته، لضمان عمل المؤسسة النقدية.
أعادت تلك التطورات المخاوف من تدهور سريع في العملة المحلية، خصوصاً أن سعر صرف الدولار الأميركي تجاوز حاجز تسعة دنانير ليبية، إثر إعلان عيسى استقالته الإثنين الماضي. وباتت تطرح تساؤلات في شأن تلك الاستقالات، وتداعياتها على عمل المصرف المركزي.
وفي شأن أسباب تقديم الاستقالة، يقول المستشار السابق لمصرف ليبيا المركزي خالد الهباوي إنه رغم أن الاستقالة لم تقبل، لكن هناك ضغوطاً سياسية وأخرى أمنية دفعت المحافظ ومدير الرقابة على المصارف إلى تقديم استقالتهما، إضافة إلى زيادة الإنفاق في مصروفات الباب الأول المتعلقة بالمرتبات، التي قفزت من 50 مليار دينار (7.8 مليار دولار) إلى نحو 75 مليار دينار ليبي (11.75 مليار دولار).
ويتابع الهباوي حديثه عن الأسباب منوهاً بأن "الباب الرابع المتعلق بالدعم شهد بدوره ارتفاعاً في حجم الإنفاق على دعم المحروقات والسلع الأساسية"، موضحاً أن "ارتفاع حجم الإنفاق في الباب الأول والباب الرابع قابله ضغط على الإنفاق العام لتحسين الخدمات العامة والبنية التحتية التي تظل غائبة على أرض الواقع".
ويقول الهباوي إن "زيادة الإنفاق عرضت مسؤولي مصرف ليبيا المركزي إلى الضغط لأن الإيرادات لا تغطي حجم الإنفاق"، مؤكداً أن "هناك ضغوطاً مورست من المجلس الرئاسي على مصرف ليبيا المركزي لاعتماد توقيعات رئيس جهاز المخابرات الجديد عبدالمجيد مليقطة".
يذكر أن حكومة الوحدة الوطنية التي يترأسها عبدالحميد الدبيبة والمجلس الرئاسي عينا عبدالمجيد مليقطة، لكن مجلس النواب طالب رئيس جهاز المخابرات الحالي حسين العايب بالاستمرار في منصبه، على اعتبار أن تعيين المناصب السيادية من مهمته بالتشاور مع مجلس الدولة.
الآثار المحلية والدولية
وفي شأن تداعيات تقديم الاستقالات على المستوى المحلي والدولي، يؤكد المستشار السابق لمصرف ليبيا المركزي خالد الهباوي أن "الآثار ستكون ثقيلة ما لم يحسم هذا الأمر بالرفض أو القبول، خصوصاً وأن ليبيا دولة ريعية تعتمد فقط على إيرادات النفط، بينما توفر الغذاء والدواء والكساء من الخارج، وأية شوشرة في إدارة مصرف ليبيا المركزي سيقابلها ارتفاع جنوني في الدولار في مقابل انهيار للعملة الليبية، لا سيما السوق الموازية للصرف التي تتأثر باستقالات كهذه".
وتابع أن "المصارف التجارية سيضربها نقص فادح في السيولة، الأمر الذي سينعكس سلباً على حياة المواطنين الليبين". ويضيف الهباوي أن الضغوطات ستزيد على الإنفاق العام، محذراً من عودة الانقسام لمصرف ليبيا المركزي من جديد "لأن ليبيا ستعيش كارثة اقتصادية وهيكلية"، وفق وصفه.
وحذر المتحدث ذاته من "اهتزاز ثقة المؤسسات المالية الدولية بليبيا ومصرفها المركزي على خلفية هذا الشرخ في قيادتها"، منوهاً بأن "صندوق النقد الدولي والبنك الدولي سيتبعا حالة من الترقب على خلفية أي تغييرات قد تحدث على رأس إدارة مصرف ليبيا المركزي، مما سينعكس سلباً على المعاملات النقدية الأجنبية"، ويقول إن "التحويلات والمعاملات المالية الدولية ستتأثر في حال تواصل هذا الغموض في شأن المصرف المركزي".
ودعا المستشار السابق في المصرف المركزي إلى "معالجة مشكلة قيادته سريعاً وعدم ربط هذه المؤسسة المهمة بأشخاص، والذهاب نحو توحيد المؤسسات الليبية، وضبط الإنفاق، وحماية الأصول من عبث العناصر غير النظامية"، مستعرضاً خطورة ما يحدث في مصفاة الزاوية غرب ليبيا التي تعرضت خزانات الوقود فيها للقصف بمسيرات لأربع مرات، مطالباً بـ"حماية الإيرادات النفطية لأنها عامود الاقتصاد الليبي".
الفراغ النقدي
وحول دلالات رفض مجلس الدولة استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي، يرى عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة نالوت إلياس الباروني أن "أزمة عيسى قد تكون في ظاهرها أزمة شخص، لكنها في جوهرها اختبار جديد لوحدة المؤسسة النقدية الليبية". ويقول "إن الرفض ليس مجرد تمسك بشخص عيسى، فالأهم أن مجلس الدولة عندما يرفض استقالة المحافظ، فهو عملياً يقول: نحن لا نريد فتح معركة جديدة حول قيادة المصرف المركزي في هذه المرحلة، لأن المصرف المركزي ليس مؤسسة عادية يمكن أن يتغير رئيسها من دون آثار سياسية واقتصادية، فالمصرف يتحكم في السياسة النقدية، وإدارة الاحتياطات النقدية الأجنبية، وتمويل الإنفاق العام، ولهذا فإن تغيير المحافظ في ليبيا يحمل وزناً سياسياً يتجاوز التغيير الإداري"، موضحاً أن "رفض الاستقالة يعني الدفاع عن الترتيب الذي أنجز في 2024. لأن تعيين ناجي عيسى في 2024 لم يكن تعييناً عادياً، حيث جاء في سياق أزمة حادة حول قيادة المصرف المركزي، وانتهى إلى اتفاق أوسع بين الأطراف الليبية على قيادة جديدة للمصرف، حيث تولى عيسى المنصب بعد اتفاق بين المعسكرين المتنافسين لإنهاء المواجهة حول السيطرة على المصرف".
ويقول الباروني إن "مجلس الدولة يريد منع الفراغ النقدي، ففي الدول المستقرة، استقالة المحافظ يمكن التعامل معها إدارياً، لكن في ليبيا، الفراغ في قيادة المصرف المركزي يمكن أن يتحول بسرعة إلى فراغ في الثقة النقدية، وخصوصاً أن البلاد تعاني أصلاً ضغطاً على سعر صرف الدينار وارتفاع سعر الدولار في السوق الموازية وأزمة سيولة وخلافات حول الإنفاق العام، وتضارب حول السياسة المالية واستمرار الانقسام السياسي".
ويواصل حديثه قائلاً إن "عيسى قدم استقالته إلى المجلسين معاً، وبالتالي، فإن مجلس الدولة عندما رفضها منفرداً، فإنه عملياً يضع الكرة في ملعب مجلس النواب الذي سيقبلها أم سيرفضها، وهذا قد يتحول إلى اختبار جديد لطبيعة العلاقة بين المجلسين، لأنه إذا رفض الاثنان الاستقالة، يبقى عيسى، أما إذا رفض مجلس الدولة وقبل مجلس النواب فستكون ليبيا أمام أزمة قانونية وسياسية حول من يملك القرار النهائي في إنهاء ولاية محافظ المركزي، وهو خلاف يمكن أن يعيد إنتاج الأزمة المؤسسية السابقة".
عودة الانقسام
وبخصوص إمكان تحول الخلاف حول المحافظ لمدخل لعودة الانقسام المؤسسي داخل مصرف ليبيا المركزي، يؤكد الباروني أن "الأمر متوقع بنسبة عالية، ولكن ليس بالضرورة أن يعود الانقسام بالصيغة نفسها 2014–2023"، مشيراً إلى أن الخطر الحالي لا يتمثل في أن نرى مصرف في طرابلس (غرب)، ومصرف في الشرق، بل الخطر الأكثر واقعية هو أن يبدأ الانقسام تدريجاً عبر انقسام في الشرعية، وانقسام في مجلس الإدارة، وانقسام في القرارات، وانقسام في السياسة النقدية، ثم انقسام مؤسسي".
ويعتبر الباروني "تجربة انقسام مصرف ليبيا المركزي في فترة 2014–2023 خطرة جداً، لأن مجلس النواب أقال في سبتمبر (أيلول) 2014، الصديق الكبير وعين علي الحبري، وعندما لم يمتثل الكبير، نشأ مصرف مركزي مواز في الشرق برئاسة الحبري، فأصبح المصرف منقسماً بين طرابلس والشرق، وكانت النتيجة أن ليبيا لم تعد تمتلك سياسة نقدية موحدة فعلياً، وهو أمر خطر جداً في دولة تعتمد بشدة على النفط الذي يمثل مركز إدارة التدفقات المالية والنقدية للدولة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتابع أنه "في عام 2014، كان الانقسام السياسي نفسه في ذروته، وتطور الخلاف إلى مؤسستين مصرفيتين فعلياً، أما الآن فالمصرف المركزي لا يزال، رسمياً وعملياً، مؤسسة موحدة بقيادة واحدة ومجلس إدارة واحد، والموقع الرسمي للمصرف ما زال يعرض ناجي عيسى محافظاً ورئيساً لمجلس الإدارة، ومرعي مفتاح رحيل نائباً له، إلى جانب أعضاء مجلس الإدارة"، موضحاً أن "ليبيا ليست أمام انقسام مصرفي جديد حتى الآن، وإنما أمام احتمال سياسي يمكن أن يقود إليه إذا فشلت إدارة أزمة الاستقالة".
وعن مستويات الانقسام يقول إن "المستوى الأول سيتمحور حول الخلاف على المحافظ ومن سيخلف ناجي عيسى، أما المستوى الثاني فالخلاف سيكون على من يملك حق تعيينه أو إعفائه. وبخصوص المستوى الثالث، سيتمحور الخلاف حول مجلس الإدارة، في حين سيشهد المستوى الرابع خلافاً على السياسة النقدية".
السيناريوهات
وفي شأن ما سيحدث لمصرف ليبيا المركزي بعد ناجي عيسى، يذهب عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة نالوت إلى سيناريوهات عدة، أولها بقاء عيسى، وهو السيناريو الأقل كلفة على المدى القصير، ومن إيجابياته الحفاظ على استمرارية المؤسسة، ومنع الصدمة السياسية، وتجنب فتح ملف التعيين من جديد، وحماية وحدة المصرف".
ويستدرك أنه "إذا بقي المحافظ من دون معالجة أسباب استقالته، فقد تتحول الأزمة إلى استمرار شكلي للمحافظ في مقابل استمرار فعلي للأزمة".
"أما السيناريو الثاني فيتعلق بقبول الاستقالة وتعيين بديل بالتوافق، وهو السيناريو الأفضل مؤسسياً إذا جرى بطريقة صحيحة"، وفق الباروني، و"السيناريو الثالث، يتمثل بتعيين محافظ من طرف واحد، وهو أخطر السيناريوهات التي تتربص بالبلد الذي سينفتح وقتها على أزمة مشابهة لأزمة 2014، إذ يتحول الخلاف على الشخص إلى الخلاف على الشرعية ثم إلى الخلاف على المؤسسة".
أما السيناريو الرابع فسيذهب إلى إعادة إنتاج الانقسام بصورة جديدة، بحسب المتحدث ذاته، "وهذا هو السيناريو الذي يجب التحذير منه، لأن الانقسام هذه المرة لن يكون شرق ضد غرب، بل يمكن أن يكون في شكل إدارة رسمية موحدة شكلياً ومراكز قرار متنافسة فعلياً".