Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نصف مليون نازح في لبنان: لماذا يرفض البعض استقبالهم؟

عشرات الآلاف في مراكز الإيواء ومثلهم لدى الأقارب بعد إنذارات الإخلاء

أيام قليلة من القصف الإسرائيلي كانت كفيلة بأن تخرج نحو نصف مليون شخص من منازلهم (ا ف ب)

ملخص

مع اتساع العمليات العسكرية وإنذارات الإخلاء في الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق جنوب لبنان، بدأت موجة نزوح جديدة تتشكل في البلاد. وتشير البيانات الرسمية إلى وجود عشرات آلاف النازحين في مراكز الإيواء، فيما تقدر البلديات أن العدد الفعلي أكبر بكثير، إذ لجأ مئات الآلاف إلى منازل الأقارب أو انتقلوا إلى مناطق جبلية، مما يطرح تساؤلات حول قدرة المجتمع اللبناني على استيعاب هذه الموجة كما حدث في مرات سابقة.

لم يكن سكان الضاحية الجنوبية لبيروت يحتاجون إلى وقت طويل ليدركوا أن فصلاً جديداً من الحرب قد بدأ. دقائق قليلة بعد صدور إنذار الإخلاء كانت كفيلة بتحويل الطرقات إلى قوافل سيارات مكتظة بالعائلات الهاربة من القصف، فيما تحولت الأزقة الضيقة إلى مشاهد فوضى وقلق، مع خروج الناس بما استطاعوا حمله من حاجات قبل حلول المساء.

جاء الإنذار قبل موعد الإفطار بقليل، حين كان كثير من العائلات تستعد لأمسية رمضانية عادية، لكن المشهد تبدل سريعاً. أكياس على عجل، وأطفال في المقاعد الخلفية للسيارات، وعائلات تبحث عن طريق للخروج من الضاحية نحو مناطق أكثر أماناً في جبل لبنان أو الشمال أو البقاع.

واليوم من يقصد "ساحة الشهداء" في وسط العاصمة بيروت، يجد عشرات الناس وقد افترشوا الطرقات والأرض وناموا عليها طوال ليلتين، على رغم قساوة الوضع والطقس المتبدل والماطر في أية لحظة.

أرقام النزوح

في السياق تشير البيانات الرسمية عن تسجيل 454 ألف نازح هذا الأسبوع، يقيمون حالياً في نحو 440 مركز إيواء جماعياً موزعين على مختلف المناطق اللبنانية، معظمها مدارس رسمية وقاعات بلدية ومنشآت عامة جرى تجهيزها لاستقبال العائلات التي اضطرت إلى مغادرة منازلها.

فيما تكشف التقارير الرسمية عن تسجيل مئات الغارات الإسرائيلية منذ بداية التصعيد أدت إلى سقوط عشرات القتلى ومئات الجرحى.

لكن هذه الأرقام لا تعكس الحجم الكامل للنزوح، إذ تشير تقديرات البلديات والجهات المحلية إلى أن القسم الأكبر من النازحين لم يتوجه إلى مراكز الإيواء الرسمية. ووفق هذه المعطيات، أدت أوامر الإخلاء التي شملت الضاحية الجنوبية ومناطق جنوب نهر الليطاني إلى نزوح ما يقارب 800 ألف شخص، أي نحو 13 في المئة من سكان لبنان، فيما طاولت عمليات الإخلاء أكثر من 150 بلدة وقرية جنوبية.

وتوضح المعطيات الصادرة من مؤسسات إحصائية في لبنان، ومنها "ستاتيستيك ليبنانون" أن الوجهة الأولى للنازحين كانت مناطق جبل لبنان، ولا سيما قضائي بعبدا - عاليه والشوف. فكما حدث في موجات النزوح السابقة، فضل كثير من اللبنانيين اللجوء إلى منازل الأقارب أو الأصدقاء بدلاً من مراكز الإيواء الرسمية.

في المقابل، استقبلت المدارس الرسمية والقاعات البلدية آلاف العائلات التي لم تتمكن من إيجاد مكان آخر للإقامة، فيما بقي عدد من النازحين في حال تنقل مستمر بحثاً عن مكان آمن، خصوصاً مع الضغط الكبير على البنية التحتية في المناطق المستضيفة.

قصص على الطرقات

عائلات كاملة خرجت من منازلها من دون أن تتمكن حتى من جمع حاجاتها.

يقول أبو علي الذي التقيناه، وهو أحد النازحين من سكان حارة حريك في الضاحية، إن عائلته كانت "تحضر طعام الفطور عندما صدر الإنذار. ويضيف أن الجميع خرج على عجل من دون أن يتمكنوا حتى من تبديل ملابسهم أو أخذ أي شيء من المنزل، مشيراً إلى أنهم ما زالوا على الطريق من دون معرفة وجهتهم النهائية.

أما محمد، وهو أب لثلاثة أطفال، ومن سكان الضاحية أيضاً، فيقول إن عائلته غادرت المنزل فور سماع التحذير، موضحاً أنهم خرجوا كما كثير من العائلات الأخرى من دون أي أمتعة، ويكتفون الآن بالسير مع الناس بحثاً عن مكان آمن بعيداً من القصف.

ومن مخيم برج البراجنة، يصف أبو أحمد مشهد خروج السكان بأنه كان "مأسوياً"، إذ خرجت أعداد كبيرة من العائلات إلى الشوارع في حال ذعر، بعضهم يحمل أطفاله ويسير من دون وجهة واضحة، فيما تكدست السيارات في الطرقات مع محاولات الناس مغادرة المنطقة بسرعة. ويضيف أن السؤال الأكثر إلحاحاً بين الناس لم يكن فقط كيف يهربون من القصف، بل إلى أين يمكن أن يذهبوا، في ظل الارتفاع غير المسبوق في إيجارات المنازل في المناطق الآمنة نسبياً، ما جعل كثيراً من العائلات عاجزة عن استئجار مأوى موقت. وبين طرقات مكتظة وبيوت مغلقة وأسعار مرتفعة، وجد كثير من النازحين أنفسهم أمام معادلة قاسية، الهرب من الخطر لا يعني بالضرورة العثور على مكان يمكن العيش فيه.

ارتفاع أسعار الايجارات

في السياق سجلت أسعار المنازل المؤجرة ارتفاعاً غير مسبوق، فالمنزل الذي كان يعرض قبل الحرب بـ300 أو 400 دولار أميركي، بات سعره اليوم 1000 أو حتى 1500 دولار، وربما أكثر في الشهر الواحد، ولا بد للمستأجر أن يدفع أقله ستة أشهر بصورة مسبقة، أي بين 6 و10 آلاف دولار أميركي.

وعلى الطرقات، تتكرر الروايات نفسها بين النازحين، هنا وهناك عائلات تبحث لساعات عن شقة من دون جدوى، وأخرى تصطدم بأسعار وصلت في بعض الحالات إلى نحو 300 دولار لليلة الواحدة. فيما يكتفي بعضهم بوجبة سريعة على الطريق قبل أن يتفرق أفراد العائلة في محاولة للعثور على مكان يؤويهم، ويختصر آخرون حالهم بمرارة، بالقول "قبل أشهر فقط كنا في خيام النزوح، واليوم نجد أنفسنا أنفسهم أخرى بلا منزل ولا حتى سيارة تحمينا من البرد".

سوق الإيجارات: طلب مرتفع وفوضى في الأسعار

يؤكد رئيس نقابة الوسطاء والاستشاريين العقاريين في لبنان وليد موسى أن "سوق الإيجارات يشهد حالياً حالة هلع وطلباً كثيفاً على الشقق، بخاصة في المناطق التي تُعد أكثر أماناً".

وأوضح أن "كثيراً من المالكين يترددون في تأجير شققهم بسبب المخاوف الأمنية، فيما أدى الطلب المرتفع إلى ارتفاع كبير في الأسعار، إذ يقول المنطق إن الإيجارات القصيرة الأمد أعلى بكثير من العقود الطويلة".

وأشار إلى أن "الأسعار ارتفعت في بعض الحالات إلى ما بين مرة ونصف ومرتين ونصف مقارنة بالمعدلات السابقة، في ظل غياب قوانين مباشرة تضبط السوق".

وحذر موسى من أن "الأزمة قد تتفاقم أكثر إذا استمر النزوح لفترة طويلة أو توسعت العمليات العسكرية إلى مناطق أوسع"، مشيرا إلى أن "تهجير سكان المناطق الواقعة جنوب الليطاني قد يؤدي إلى أزمة سكن حقيقية في لبنان والآتي أعظم".

أبواب مغلقة والأسباب متعددة

على رغم الغلاء الكبير في أسعار الإيجارات، وجد مئات النازحين أنفسهم أمام أبواب مقفلة حتى لو توفرت الأموال المطلوبة، إذ إن مالكي المنازل الذين قبلوا أن يؤجروا منازلهم في الحرب السابقة بين عامي 2023 و2025 يرفضون الأمر اليوم، لأسباب عدة، أولها أنهم يعتبرون أن بيئة "حزب الله" اليوم تدافع عنه على رغم قرارته الخاطئة ودخوله مرة جديدة في حرب لا قدرة له على الانتصار فيها.

ثانياً مخاوفهم من أن يكون بين المستأجرين أحد عناصر الحزب الذي تلاحقه إسرائيل، وهو ما سيعرض المنزل والمبنى المعني لخطر الضربات الإسرائيلية المدمرة.

ولعل السبب الثالث الذي لا يذكره كثر هو أن كثر من مالكي الأبنية ومن فتحوا أبوابهم في المرة الأولى اعتبروا أن بيئة الحزب تنكرت لمعروفهم بعدما غادرت، بل وأكثر لاحقتهم بالسباب والشتائم والتعليقات السلبية.

هذه الأسباب دفعت بكثير من اللبنانيين خارج مناطق "حزب الله" لرفض قبول إيواء النازحين، حتى ولو مقابل مبالغ مالية مقدرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

دعوة لتوجه النازحين نحو الشمال

في محاولة لاحتواء الأزمة، أعلنت وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد خلال مؤتمر صحافي عقد في السراي الحكومي عن افتتاح المدينة الرياضية في بيروت كمركز إيواء جديد للعائلات المسجلة لدى بلدية العاصمة.

وأكدت أن الدولة تعمل على تأمين مأوى آمن لجميع النازحين، مشددة على أنه "لا يمكن القبول ببقاء أية عائلة في السيارات أو في الشوارع طالما يمكن تأمين مكان آمن لها".

كما دعت الفرق الميدانية المواطنين إلى التوجه نحو الشمال وعكار حيث تتوافر قدرات استيعابية أكبر في مراكز الإيواء، مشيرة إلى أن عدد النازحين في الشمال تجاوز 3 آلاف شخص مع إمكانية استيعاب ما يصل إلى 15 ألفاً، وأوضحت أن فرق الأمن الغذائي تواصل توزيع الوجبات الساخنة والحصص الغذائية في مختلف المناطق بالتعاون مع الجمعيات والمنظمات، في إطار الاستجابة الطارئة لتأمين الاحتياجات الأساسية للعائلات النازحة.

البلديات تتحرك

مع توسع حركة النزوح، بدأت البلديات في عدد من المناطق اتخاذ إجراءات لتنظيم استقبال النازحين. في المقابل، أثار خبر عن قيام بلدية مجدل عنجر في شرق البلاد بتنظيم ضبط بقيمة 100 مليون ليرة لبنانية بحق أحد الأشخاص بحجة استقباله نازحين من دون إبلاغ البلدية جدلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، في ظل تزايد الإجراءات التي تعتمدها بعض البلديات لتنظيم استقبال النازحين مع اتساع حركة النزوح بين المناطق اللبنانية.

وفي هذا السياق، أكد مسؤول العلاقات العامة في أزهر البقاع الشيخ مروان الميس أن "المعلومات المتداولة عن فرض بلدية مجدل عنجر غرامة قدرها 100 مليون ليرة على شخص استقبل نازحين غير صحيحة، مشيراً إلى أن رئيس البلدية نفى ذلك بشكل واضح".

وأوضح أن "ما يجري في البلدة يندرج ضمن إجراءات تنظيمية تعتمدها البلديات في مختلف المناطق اللبنانية، حيث يُطلب من أصحاب المنازل إبلاغ البلدية عند استقبال نازحين بهدف التحقق من الهويات وتنظيم الوجود داخل البلدة من الناحية الأمنية".

وأضاف أن "هذه الإجراءات ليست قانونية ملزمة بقدر ما هي إجراءات احترازية، مشيراً إلى أنه لا يمكن قانوناً منع أي شخص من استضافة نازحين داخل ملكه الخاص".

موجة نزوح عكسية

دفع هذا الواقع القاسي مئات العائلات إلى التراجع عن قرار النزوح والعودة إلى بلداتها الجنوبية، بل وحتى إلى أحياء داخل الضاحية الجنوبية لبيروت، على رغم الأخطار الأمنية المرتفعة. ويفسر ذلك الازدحام الشديد الذي شهده طريق بيروت – الجنوب قبل يومين، حيث امتلأت الطرقات بمئات السيارات العائدة نحو القرى الجنوبية.

وفي هذا السياق، يشير متابعون إلى أن بعض العائلات باتت تعتمد ما يشبه النزوح الموقت خلال فترات التصعيد فحسب، إذ تغادر منازلها مع بدء الغارات متوجهة إلى منازل أقارب أو معارف، أو تمكث في سياراتها في الشوارع، قبل أن تعود لاحقاً عندما تهدأ الأوضاع. ويعود ذلك أساساً إلى عجز كثر عن تحمل الكلفة الباهظة لاستئجار مساكن لفترات طويلة.

كيف سيتعامل اللبنانيون مع الموجة الجديدة؟

في المقابل، تستضيف العائلات اللبنانية أقاربها أو معارفها في منازلها، فيما تبادر البلديات والجمعيات المحلية إلى تنظيم عمليات الإغاثة وتأمين المساعدات الأساسية. غير أن هذه الموجة تأتي في ظرف أكثر تعقيداً من السابق. فالمناطق المستضيفة تعاني أصلاً ضغوطاً اقتصادية وخدماتية كبيرة، فيما تراجع الدعم الدولي مقارنة بالسنوات الماضية، مما يثير تساؤلات حول قدرة المجتمعات المحلية على الاستمرار في استيعاب أعداد كبيرة من النازحين لفترة طويلة.

خلال الحروب السابقة، نجح المجتمع اللبناني إلى حد كبير في استيعاب موجات النزوح الداخلية عبر التضامن العائلي والمبادرات المحلية، لكن مع تكرار النزوح وتفاقم الأزمة الاقتصادية، تبدو المعادلة اليوم أكثر هشاشة.

وبين الأرقام الرسمية التي تتحدث عن عشرات آلاف المقيمين في مراكز الإيواء، والتقديرات التي تشير إلى مئات آلاف النازحين خارجها، يجد لبنان نفسه مجدداً أمام اختبار صعب: كيف يمكن لبلد صغير يمر بأسوأ أزماته الاقتصادية أن يتعامل مع موجة نزوح جديدة قد تستمر أشهراً؟

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير