ملخص
لم تكن بداية عام 2026 عادية بالنسبة إلى السوق المالية السعودية، إذ دخلت البورصة مرحلة تنظيمية جديدة مع بدء تطبيق قرار فتح السوق أمام جميع فئات المستثمرين الأجانب غير المقيمين، وهذا القرار مثّل منعطفاً جوهرياً لأنه نقل العلاقة بين السوق السعودية ورأس المال العالمي من نموذج انتقائي يقوم على شروط التأهيل إلى نموذج أكثر انفتاحاً ومرونة، يسمح بالدخول المباشر للأفراد والمؤسسات الأجنبية من دون التعقيدات السابقة.
منذ بداية عام 2026 بدت سوق الأسهم السعودية أمام اختبار مزدوج، الأول يتعلق بقدرتها على ترجمة قرار فتح السوق أمام جميع فئات المستثمرين الأجانب إلى تدفقات فعلية، والثاني يرتبط بمدى قدرتها على الاحتفاظ بثقة المؤسسات العالمية وسط أجواء حرب وتوترات جيوسياسية وضغوط على الأسواق الناشئة.
لكن الأرقام التي سجلتها الأشهر الأربعة الأولى من العام منحت السوق إشارة لافتة، إذ لم يكن دخول الأجانب مجرد حركة مضاربية عابرة بل بدا أقرب إلى إعادة تموضع تدريجية، في سوق بات ينظر إليه عالمياً بوصفه جزءاً من قصة تحول اقتصادي أوسع تقودها السعودية عبر "رؤية 2030".
ووفقاً لبيانات السوق المالية السعودية فقد ضاعف المستثمرون الأجانب مشترياتهم في الأسهم السعودية 13 مرة خلال أول أربعة أشهر من عام 2026، مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، ليبلغ صافي مشترياتهم نحو 11.5 مليار ريال (3.1 مليار دولار)، بزيادة تتجاوز 1300 في المئة، بالتزامن مع ارتفاع مؤشر "تاسي" 6.6 في المئة.
وجاءت هذه القفزة على رغم الحرب الإيرانية التي اندلعت نهاية فبراير (شباط) الماضي، وعلى رغم أن مارس (آذار) الماضي شهد الموجة البيعية الوحيدة للأجانب منذ بداية العام، وهي الأولى لهم خلال 11 شهراً، قبل أن تعود التدفقات للشراء مجدداً الشهر الماضي، في إشارة إلى أن الصدمة الجيوسياسية لم تكسر المسار العام للثقة الأجنبية بالسوق.
وبلغت مشتريات الأجانب خلال أول شهرين من العام نحو 8.7 مليار ريال (2.32 مليار دولار)، بواقع 5 مليارات ريال (1.33 مليار دولار) في يناير (كانون الثاني) 2026، و3.7 مليار ريال (0.99 مليار دولار) في فبراير (شباط) الماضي، بعد الإعلان يناير 2026 عن فتح السوق أمام جميع فئات المستثمرين الأجانب غير المقيمين، أفراداً ومؤسسات، من جميع دول العالم بصورة مباشرة ومن من دون شروط، ثم بدء التطبيق في فبراير 2026.
غير أن مارس الماضي، الشهر الذي شهد اندلاع الحرب، حمل انعكاساً أولياً لحال الحذر فسجل المستثمرون الأجانب مبيعات ضعيفة بلغت نحو نصف مليار ريال (130 مليون دولار)، قبل أن تتبدل الحركة سريعاً في أبريل الماضي مع عودتهم للشراء بنحو 3.4 مليار ريال (906.7 مليون دولار)، مستفيدين من تراجع الأسعار وعمليات جني الأرباح التي أعقبت ارتفاعات قوية منذ بداية الأزمة.
وتراجعت الأسهم السعودية بنسبة طفيفة بلغت 0.6 في المئة خلال الشهر الماضي بعد مكاسب تجاوزت خمسة في المئة قبل بداية التوترات، مدعومة بتقديرات المستثمرين لقدرة الشركات المحلية على مواصلة الإمدادات عبر طرق وموانئ بديلة لمضيق هرمز، وباستفادة قطاعات الطاقة والبتروكيماويات من توقعات ارتفاع أسعار النفط والمواد البتروكيماوية.
دلالة إضافية
وتكتسب هذه الأرقام دلالة إضافية عند مقارنتها بالفترة نفسها من عام 2025، حين تعرضت الأسهم السعودية لضغوط شبيهة بالأسواق العالمية على خلفية أزمة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب على دول العالم، وفي تلك الفترة سجل الأجانب مبيعات في الفترة من مارس حتى أبريل الماضيين بنحو 3.1 مليار ريال (826.7 مليون دولار)، موزعة بين 1.5 مليار ريال (400 مليون دولار) و1.6 مليار ريال (426.7 مليون دولار) على التوالي.
وعلى رغم من تراجع المؤشر الشهر الماضي فإن تسجيل الأجانب صافي مشتريات رفع القيمة السوقية لملكياتهم بنهاية الشهر بنحو 600 مليون ريال (160 مليون دولار)، لتصل إلى 462.7 مليار ريال (123.4 مليار دولار)، تمثل 4.7 في المئة من القيمة السوقية للسوق، و12.6 في المئة من قيمة الأسهم الحرة لمؤشر "تاسي".
مرحلة تنظيمية جديدة
لم تكن بداية عام 2026 عادية بالنسبة إلى السوق المالية السعودية، إذ دخلت البورصة مرحلة تنظيمية جديدة مع بدء تطبيق قرار فتح السوق أمام جميع فئات المستثمرين الأجانب غير المقيمين، وهذا القرار مثّل منعطفاً جوهرياً لأنه نقل العلاقة بين السوق السعودية ورأس المال العالمي من نموذج انتقائي يقوم على شروط التأهيل إلى نموذج أكثر انفتاحاً ومرونة، يسمح بالدخول المباشر للأفراد والمؤسسات الأجنبية من دون التعقيدات السابقة.
وألغت التعديلات الجديدة مفهوم "المستثمر الأجنبي المؤهل"، كما ألغت الإطار التنظيمي لاتفاقات المبادلة، وفتحت الباب أمام الاستثمار المباشر في الأسهم المدرجة بدلاً من الاكتفاء بالمنافع الاقتصادية للأوراق المالية، وبذلك انتقلت السوق من مرحلة توسيع تدرجي للملكية الأجنبية إلى مرحلة أكثر وضوحاً في جذب السيولة العالمية، قبل خطوة أكبر مرتقبة تتعلق برفع الحد الأعلى لملكية الأجانب في الشركات المدرجة إلى 100 في المئة، وهي خطوة قدّر "جيه بي مورغان" أنها قد تجذب نحو 10.6 مليار دولار.
وبحسب هيئة السوق المالية فقد بلغ إجمال ملكية المستثمرين الدوليين في السوق المالية، عند إعلان القرار في السادس من يناير 2025، أكثر من 590 مليار ريال (157.3 مليار دولار) حتى الربع الثالث من العام الماضي، مع توقعات أن تسهم التعديلات المعتمدة في استقطاب مزيد من الاستثمارات الدولية.
وكانت السوق السعودية قد قطعت مساراً طويلاً منذ منتصف عام 2015 حين بدأت هيئة السوق المالية السماح للمستثمرين الأجانب المؤهلين بتملك الأسهم المدرجة، بعدما كان تعامل غير المقيمين مقتصراً على المستثمرين الأجانب المقيمين واتفاقات المبادلة، وقبل فتح السوق آنذاك بلغت قيمة ملكيات الأجانب المقيمين نحو 2.4 مليار ريال (640 مليون دولار) عبر الملكية المباشرة، في مقابل 1.3 مليار ريال (350 مليون دولار) عبر اتفاقات المبادلة في مايو (أيار) 2015، وبعد شهر واحد من فتح السوق أمام المؤهلين في يونيو (حزيران) 2015 سجلت القيمة السوقية لملكية الفئة الجديدة نحو 4.7 مليون ريال (1.25 مليون دولار)، قبل أن تتوسع تدريجاً خلال الأعوام اللاحقة، لتصل قيمة ملكية المستثمرين الأجانب المؤهلين بحلول الـ 22 من يناير الماضي إلى 365 مليار ريال (97.3 مليار دولار)، فيما بلغ إجمال ملكيات الأجانب عبر جميع الفئات 451.8 مليار ريال (129.5 مليار دولار).
وعلى رغم أن أولى جلسات التداول عقب تطبيق القرار شهدت تراجعاً حاداً في السوق، إذ سجل "تاسي" أكبر خسارة يومية له خلال ثمانية أشهر وهبط 2.6 في المئة مقترباً من مستوى 11100 نقطة، فإن هذه الحركة جاءت في سياق موجة جني أرباح بعد مكاسب قوية تجاوزت 10 في المئة منذ إعلان القرار مطلع الشهر السابق، وجاءت الخسائر بعد أن سجل المؤشر في يناير 2026 أفضل أداء شهري له منذ عام 2022، مما جعل عمليات جني الأرباح أمراً متوقعاً، خصوصاً مع تزامن التداولات مع العطلة الأسبوعية في الأسواق العالمية وتزايد الحذر من التوترات الإقليمية، ومع ذلك لم تغير تلك الخسائر من الاتجاه العام للتدفقات بل بدت السوق وكأنها تعيد تسعير الأخطار قبل استئناف المستثمرين الأجانب بناء مراكزهم.
وتكشف حركة أبريل 2026 تحديداً هذا التوازن، فالمؤشر الرئيس تراجع لكن الأجانب اشتروا، مما يعني أن المستثمر الأجنبي لم يتعامل مع الهبوط بوصفه إشارة خروج بل اعتبره فرصة انتقائية لبناء مراكز في شركات قيادية، خصوصاً في قطاعات المصارف والطاقة والاتصالات والبتروكيماويات، وهي قطاعات تجمع بين السيولة والربحية والحضور المؤسسي الواضح، وأفاد محللون في أسواق المال "اندبندنت عربية" بأن التدفقات الأجنبية للسوق السعودية لا يمكن قراءتها بمعزل عن التحول التنظيمي الذي شهدته السوق، ولا عن التحول الاقتصادي الأوسع الذي تقوده الرياض ضمن "رؤية 2030"، موضحين أن المستثمر الأجنبي بات ينظر إلى السوق السعودية باعتبارها سوقاً ناشئة كبيرة وعميقة، لا مجرد سوق مرتبطة بدورات النفط أو السيولة القصيرة الأجل.
وأشار المحللون إلى أن قرار فتح السوق أمام جميع فئات المستثمرين الأجانب غير المقيمين أعاد تعريف علاقة رأس المال العالمي بالبورصة السعودية، لأنه أزال جزءاً كبيراً من البيروقراطية الاستثمارية السابقة، ورفع سهولة الدخول والخروج، ووسع قاعدة المستثمرين، وهو ما انعكس على أحجام التداول والقيمة السوقية لملكيات الأجانب، مضيفين أن استمرار الشراء الأجنبي على رغم اندلاع الحرب في الشرق الأوسط يعكس ثقة نسبية في قدرة الاقتصاد السعودي على امتصاص الصدمات، مستندين إلى قوة النظام المالي واستقرار الريال المرتبط بالدولار، وعمق السوق وربحية الشركات القيادية، وخصوصاً في قطاعات المصارف والطاقة والاتصالات، لافتين إلى أن السوق السعودية استفادت أيضاً من قدرة الشركات المحلية على التعامل مع اضطرابات سلاسل الإمداد عبر بدائل لوجستية وموانئ ومسارات بديلة لمضيق هرمز.
مستويات سعرية أكثر جاذبية
وقال عضو الاتحاد السعودي للمحللين الفنيين عبدالله الجبلي إن تراجع المؤشر العام منذ بداية الحرب جعل كثيراً من الشركات، وخصوصاً القيادية وذات العوائد، عند مستويات سعرية أكثر جاذبية، مما شجع المستثمرين الأجانب على اقتناص الفرص، لكنه أضاف أن التدفقات الحالية لا تزال دون مستوى الطموح، وأن استقطاب مزيد منها يتطلب مزيداً من التشريعات التي تمنح المستثمر الأجنبي ثقة أطول أمداً، سواء على مستوى مجالس الإدارات أو المعايير المحاسبية أو سهولة حركة السيولة.
وأشار الجبلي إلى أن المطلوب ليس جذب السيولة الأجنبية وحسب، بل تحويلها إلى استثمار مستقر طويل الأجل حتى لا تتحول السوق إلى محطة دخول وخروج سريع، كما حدث في بعض الأسواق الخليجية والناشئة، موضحاً أن السوق السعودية تحتاج إلى أن تكون أكثر قابلية للاستثمار الطويل في نظر المؤسسات العالمية، لا مجرد سوق توفر فرصاً قصيرة الأجل وقت التراجعات.
تحول هيكلي واسع
وفي السياق قال رئيس أول أصول السوق في "الأصول المالية" محمد الفراج إن التدفقات الأجنبية منذ بداية العام تشير إلى أن السوق السعودية تحظى بنظرة أكثر إستراتيجية من المؤسسات الاستثمارية العالمية، ولم تعد كرهان موقت على أسعار النفط أو السيولة، مضيفاً أن المستثمر الأجنبي بات ينظر إلى السعودية كاقتصاد يشهد تحولاً هيكلياً واسعاً مدعوماً بإصلاحات "رؤية 2030" وتوسع القطاعات غير النفطية.
وأوضح الفراج أن السوق السعودية نجحت في الحفاظ على جاذبيتها على رغم التوترات الجيوسياسية والحروب التي أثرت في معظم الأسواق الناشئة، بفضل قوة السيولة وعمق السوق واستقرار النظام المالي، إضافة إلى قوة الشركات القيادية وربحية القطاع المصرفي والطاقة والاتصالات، موضحاً أن استقرار الريال وربطه بالدولار يمنح المستثمرين الأجانب عامل أمان مهماً خلال فترات التقلبات العالمية، ومشيراً إلى أن السوق لم تعد تقيم كسوق نفطية وحسب، بل كسوق ناشئة كبيرة تقود تحولاً اقتصادياً طويل الأمد.
اقتصاد يعيد بناء مصادر نموه
المحلل المالي محمود عطا قال إن استمرار التدفقات الأجنبية إلى السوق السعودية في هذا التوقيت يؤكد أن المستثمر المؤسسي العالمي يقرأ المشهد السعودي من زاوية أوسع من حركة أسعار النفط، إذ يرى في السعودية اقتصاداً يعيد بناء مصادر نموه عبر الاستثمار في البنية التحتية والسياحة والطاقة والصناعة والخدمات اللوجستية والتقنية، مضيفاً أن قوة الشركات المدرجة وربحيتها وتقدم الإصلاحات التنظيمية، واتساع قاعدة الاقتصاد غير النفطي، كلها عوامل تجعل السوق السعودية أكثر قابلية لجذب الأموال طويلة الأجل.
وأشار عطا إلى أن الخطر لا يزال قائماً من تحرك جزء من التدفقات بوصفه "أموالاً ساخنة" في حال تغيرت شهية المخاطرة العالمية أو اتجهت أسعار الفائدة إلى مسار أكثر تشدداً، لكنه أوضح أن السوق السعودية تملك اليوم مقومات أكبر لتثبيت هذه السيولة مقارنة بفترات سابقة، شرط استمرار تطوير أدوات السوق وتعميق الإفصاح وزيادة فرص الاستثمار القطاعية أمام المؤسسات الأجنبية.
إصلاحات اقتصادية وتنظيمية
من جانبه قال نائب رئيس إدارة البحوث والإستراتيجيات الاستثمارية في شركة "كامكو إنفست"، رائد دياب، إن السوق السعودية أصبحت بالنسبة إلى المستثمر العالمي إحدى أبرز قصص النمو في المنطقة لأنها تجمع بين حجم كبير وسيولة مرتفعة وشركات قيادية ذات ربحية قوية، وإصلاحات اقتصادية وتنظيمية متواصلة، مضيفاً أن المؤسسات العالمية لا تنظر إلى السوق السعودية باعتبارها سوقاً ناشئة تقليدية بل باعتبارها سوقاً مرتبطة ببرنامج تحول اقتصادي طويل الأمد.
وأشار دياب إلى أن انضمام السوق السعودية إلى مؤشرات الأسواق الناشئة منذ عام 2019 غير خريطة التدفقات الأجنبية، إذ دفع الصناديق العالمية إلى زيادة انكشافها التدريجي على الرياض، موضحاً أن المرحلة الحالية تختلف، لأن فتح السوق بصورة أوسع يتيح دخول شرائح أكبر من المستثمرين، لكن استدامة هذه التدفقات ستظل مرتبطة بنتائج الشركات واستقرار التشريعات ومسار الفائدة العالمية وقدرة الاقتصاد السعودي على مواصلة النمو غير النفطي.
ذاكرة التوترات
وتظهر التجارب السابقة أن سلوك المستثمرين الأجانب في السوق السعودية خلال الحروب والتوترات لم يكن واحداً بل تباين بين البيع والشراء، وفق طبيعة الحدث ومستوى الأسعار وارتباط السوق بالمحفزات التنظيمية في ذلك الوقت، ففي الـ 14 من سبتمبر (أيلول) 2019، وبعد تعرض منشآت تابعة لـ "أرامكو" لهجمات، سجل الأجانب صافي شراء بلغ 2.8 مليار ريال (750 مليون دولار) في أول أسبوع بعد الضربة، ولم تكن "أرامكو" مدرجة في السوق حينها، وتزامن ذلك مع بداية انضمام "تاسي" إلى مؤشرات الأسواق الناشئة مما دعم الشراء واقتناص الفرص.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وخلال حرب غزة التي اندلعت في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، سجل المستثمرون الأجانب مبيعات قيمتها 1.8 مليار ريال (480 مليون دولار) بنهاية الأسبوع التالي مباشرة، في حركة عكست حساسية رؤوس الأموال الأجنبية تجاه التوترات الإقليمية عندما تكون الرؤية غير واضحة، أما خلال الأسبوع الأول من الحرب الإسرائيلية الأميركية الأولى ضد إيران في يونيو 2025، فسجل الأجانب مشتريات صافية قيمتها 1.3 مليار ريال (350 مليون دولار)، وهي قراءة مختلفة عكست استعداد المؤسسات العالمية لاقتناص الفرص عندما ترى أن الأخطار مسعرة بالفعل.
وفي الأسبوع الأول من الحرب الأخيرة على إيران سجل الأجانب مبيعات بنحو 915 مليون ريال (240 مليون دولار)، قبل أن تهدأ تعاملاتهم لاحقاً وتعود للشراء في أبريل الماضي، مما يؤكد أن الصدمة الأولى للأحداث الجيوسياسية لا تعني بالضرورة تغير الاتجاه الاستثماري العام.
من الانضمام للأسواق الناشئة إلى الانفتاح الكامل
ومنذ انضمام السوق السعودية إلى مؤشرات الأسواق الناشئة مطلع عام 2019، جذبت الأسهم السعودية صافي مشتريات أجنبية تراكمية بلغ 235 مليار ريال (62.67 مليار دولار)، وهو رقم يعكس اتساع الحضور المؤسسي الأجنبي داخل السوق خلال سبعة أعوام تقريباً، وكان عام 2019 الأعلى جذباً للاستثمارات الأجنبية بنحو 91.2 مليار ريال (24.32 مليار دولار)، بالتزامن مع الانضمام إلى مؤشرات الأسواق الناشئة، في حين كان عام 2023 الأقل من حيث التدفقات بنحو 14.2 مليار ريال (3.79 مليار دولار).
أما عام 2025 فسجلت السوق خلاله صافي مشتريات أجنبية بنحو 20.7 مليار ريال (5.52 مليار دولار)، بتراجع طفيف مقداره واحد في المئة عن عام 2024، على رغم أن المؤشر تراجع 13 في المئة خلال العام مما جعل الأجانب الأكثر شراء في السوق.
وهذا المسار التاريخي يوضح أن تدفقات عام 2026 لا تأتي من فراغ بل تمثل حلقة جديدة في مسار انفتاح بدأ بالتدرج، ثم تسارع مع دخول المؤشرات العالمية قبل أن يصل إلى مرحلة فتح السوق أمام جميع فئات المستثمرين الأجانب، والفارق في عام 2026 أن التدفقات جاءت وسط حرب وتوترات لا في بيئة هادئة، مما يجعل دلالتها أقوى من مجرد أرقام شهرية.
نتائج مالية قوية
وعلى رغم قوة الأرقام لكن استدامة التدفقات الأجنبية لا تزال مرهونة بعوامل عدة، في مقدمها قدرة الشركات السعودية المدرجة على تحقيق نتائج مالية قوية تتماشى مع توقعات المستثمرين العالميين، واستمرار نمو القطاعات غير النفطية، وثبات البيئة التنظيمية، وتطور معايير الإفصاح والحوكمة، إضافة إلى مسار أسعار الفائدة عالمياً، فإذا استمرت السوق في تقديم مزيج من النمو والشفافية والسيولة فإن التدفقات الحالية قد تتحول إلى قاعدة استثمارية طويلة الأمد، أما إذا تغيرت الظروف العالمية بصورة حادة، أو ارتفعت درجة النفور من الأخطار في الأسواق الناشئة، فقد يتحرك جزء من هذه الأموال بسرعة، وخصوصاً تلك التي تبحث عن مكاسب قصيرة الأجل.
لكن ما يميز السوق السعودية في هذه المرحلة أنها لا تدخل اختبار عام 2026 من موقع السوق المحدودة أو المنغلقة، بل من موقع أكبر بورصة عربية وسوق ناشئة ذات ثقل مؤسسي، واقتصاد يعيد بناء محركات نموه خارج النفط، ولذلك تبدو مشتريات الأجانب منذ بداية العام أكثر من مجرد تدفق مالي، فهي تصويت باكر على قدرة السوق السعودية على التحول من منصة مرتبطة بدورة النفط إلى سوق تعبر عن اقتصاد يتغير هيكلياً، حتى وهو يتحرك وسط واحدة من أكثر البيئات الإقليمية اضطراباً.