Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

التنظيمات المتشددة توسّع انتشارها ونفوذها في غرب أفريقيا

تراجع مستوى التنسيق والتعاون العسكري مع الدول الغربية في هذه المنطقة حيث تولت روسيا زمام المبادرة في مكافحة المتشددين من دون تحقيق نتائج ملموسة

شنّ المتشددون في عام 2026 الحالي ثلاث هجمات واسعة، في قلب عواصم في منطقة الساحل (أ ف ب)

ملخص

يرى قائد أفريكوم (القيادة الأميركية لمنطقة أفريقيا)، الجنرال داغفين أندرسون، أن "مركز ثقل الإرهاب العالمي يقع في أفريقيا. فقيادة ’داعش‘ أفريقية في الوقت الراهن، والمحرّك الاقتصادي ’للقاعدة‘ في منطقة الساحل، حيث يستحوذون على ملايين الدولارات عبر الابتزاز والخطف وغيرها من الأنشطة غير المشروعة".
ويؤكد "داعش" الذي ينشط بصورة خاصة في منطقة المثلث الحدودي بين بوركينا فاسو والنيجر ومالي، أن 86% من عملياته في العالم مطلع العام 2026 جرت في أفريقيا، وهذا يمثّل ضعف ما كانت عليه عام 2024.

من غرب مالي وصولاً إلى بحيرة تشاد، يعيش ملايين الأشخاص تحت تهديد جماعات متشددة مختلفة تمنعهم من العمل والموسيقى والتدخين، خائفين كل يوم من التعرض لهجمات، بحسب شهادات جمعتها وكالة الصحافة الفرنسية من سكان المنطقة.
وازداد خلال الأعوام الـ10 الأخيرة، نفوذ "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"، وتنظيم "داعش"، وجماعة "بوكو حرام"، وهي جماعات متنافسة أحياناً، في غرب أفريقيا الذي تحوّل إلى بؤرة للتنظيمات المتشددة العالمية، إلى حد تحذير الأمم المتحدة من أن منطقة الساحل الوسطى تقف عند "نقطة تحوّل خطرة".
من عمليات خطف تقوم بها "بوكو حرام" إلى عمليات ترهيب ينفذها "داعش"، مروراً بمحاولة "الغزو السياسي" التي تقوم بها "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"، الفرع الساحلي لتنظيم "القاعدة"، قد تختلف الأساليب، لكن النتيجة واحدة في كل مرة: آلاف القتلى والضحايا.

هجمات واسعة

ضاعفت هذه التنظيمات منذ عام 2020، نطاق هجماتها في منطقة الساحل، استناداً إلى تحليل أجرته وكالة الصحافة الفرنسية لبيانات منظمة "أكليد" التي تُحصي ضحايا النزاعات في العالم.
شنّ المتشددون في عام 2026 الحالي ثلاث هجمات واسعة، في قلب عواصم في منطقة الساحل.
فقد استُهدف مطار نيامي مرتين، في يناير (كانون الثاني) الماضي على يد "داعش"، وفي يونيو (حزيران) الماضي، على يد "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" التي زعزعت أركان السلطة في مالي أكثر من أي وقت مضى، بمهاجمتها في الآن نفسه في أبريل (نيسان) الماضي، قرب باماكو وفي شمال البلاد.
ويؤكد كبير محللي غرب أفريقيا لدى منظمة "أكليد" هيني نسيبيا، أن "ما كان يتركز في البداية في شمال مالي امتد إلى كامل المنطقة حتى حدود الدول الساحلية في غرب أفريقيا. فهذه الجماعات المتشددة باتت اليوم قادرة على تنفيذ عمليات على مساحات شاسعة، وشن هجمات واسعة النطاق، ومنافسة سيطرة الدولة في المناطق الريفية".

مركز ثقل الإرهاب العالمي

ويرى قائد أفريكوم (القيادة الأميركية لمنطقة أفريقيا)، الجنرال داغفين أندرسون، أن "مركز ثقل الإرهاب العالمي يقع في أفريقيا. فقيادة ’داعش‘ أفريقية في الوقت الراهن، والمحرّك الاقتصادي ’للقاعدة‘ في منطقة الساحل حيث يستحوذون على ملايين الدولارات عبر الابتزاز والخطف وغيرها من الأنشطة غير المشروعة".
ويؤكد "داعش" الذي ينشط بصورة خاصة في منطقة المثلث الحدودي بين بوركينا فاسو والنيجر ومالي، أن 86 في المئة من عملياته في العالم مطلع العام 2026 جرت في أفريقيا، وهذا يمثّل ضعف ما كانت عليه عام 2024.
وتعاني دول هذه المنطقة سواء كانت محكومة من مجالس عسكرية سلطوية أو من أنظمة ديمقراطية، صعوبة في كبح التوسع الإقليمي والعقائدي لهؤلاء المسلحين الساعين إلى توسيع نطاق سيطرتهم.

"قواعد جديدة"

وتراجع مستوى التنسيق والتعاون العسكري مع الدول الغربية في هذه المنطقة حيث تولت روسيا زمام المبادرة في مكافحة المتشددين، من دون تحقيق نتائج ملموسة.
ففي مالي التي تخوض مواجهة مع هذه المجموعات منذ عام 2010، توسّع الوجود المتشدد إلى أراض جديدة، لا سيما في الجنوب الغربي، قرب السنغال وموريتانيا.
لذلك باتت مدينة نيورو الساحلية تخضع لحصار تفرضه "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" التي تُحكِم سيطرتها هناك بعد إبرام اتفاقات مع زعماء القبائل. وهي تحظر أي خروج أو دخول، باستثناء بعض الحالات الإنسانية القليلة.
ويقول أحد سكان المدينة للوكالة الفرنسية إن المتشددين فرضوا "قواعد جديدة". ويضيف، "لا موسيقى عصرية، لا سجائر، لا كحول. لا يجوز أن تُرى امرأة برفقة رجل ليس زوجها ولا تربطها به صلة قرابة. لا يحقّ للمرأة أن تخرج من دون حجاب".
تُفرَض كذلك إتاوات على المزارعين أو التجّار، غالباً في حدود 10 في المئة من المحاصيل. في المقابل، يتعهّد المتشددون بتوفير الحماية والأمن.
ويتابع المصدر "بصراحة، المدينة تحتضر. الحزن في كل مكان".
وأدخلت "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" في الأعوام الأخيرة في مالي، تغييرات على عقيدتها، وباتت تستهدف المدنيين بصورة أقل، لتركّز على السلطات الرسمية.
في فارابوغو (وسط)، وهي مدينة أخرى تحت الحصار، يقول علي إن "المتشددين يستعملون العنف عندما يريدون معاقبة مَن يخالف قوانينهم"، لكنه يضيف "بخلاف ذلك، هم لطفاء وعادلون ولا يرتكبون تجاوزات كالشرطة والقضاة".
ويتابع "إذا كان لدي خلاف مع جار، يفصلون فيه وفقاً للشريعة. لا يأخذون رشاوى من أحد، ويحرصون على تنفيذ القرارات".
هذه القواعد تبدو بالنسبة إلى بعض السكان أكثر وضوحاً من الانتهاكات العشوائية التي ينسبونها إلى القوات المسلحة وحلفائها الروس.
لكن الوحشية تبقى أسلوب العمل الرئيس عندما يتعلق الأمر بغزو الأراضي أو معاقبة مَن يرفضون الخضوع.
في دورتيغا في وسط بوركينا فاسو، يتحدث ماتياس عن إحساس بالخوف وخصوصاً لدى التلاميذ في كل مرة "يسمعون صوت الدراجات النارية في المدارس"، مستذكراً هجوماً وقع في أبريل الماضي، تعرّضت فيه كامل القرية للنهب والحرق.
ويروي تاجر من نيورو، "في أحد الأيام، جرّوا خيّاطاً إلى الساحة العامة في الحي من أجل جلده. أخرجوا رزم سجائر من محلّه وقالوا إن هذا إنذار للجميع".

دفع إتاوات

على بعد نحو 2500 كيلومتر إلى الشرق، في ولاية بورنو النيجيرية المحاذية لضفاف بحيرة تشاد، تنشط "بوكو حرام" منذ نحو عقدين.
وذاع صيت هذه الجماعة السيئ بسبب عملية خطف فتيات شيبوك عام 2014. ولا تزال تنشط في المنطقة على رغم انشقاق فرع منها مرتبط بـ"داعش".
يعمل غوني الستيني في النقل وخسر كل شاحناته التي كانت تنقل البضائع بين مدينة مايدوغوري والكاميرون المجاورة بعد تعرّضها للحرق.
ويشرح الرجل الذي طلّق ثلاثاً من زوجاته الأربع لعجزه عن تحمل نفقاتهن، "الأوضاع تسوء أكثر فأكثر بالنسبة إلى عائلتي ولي، خصوصاً خلال العام الماضي مع تجدّد هجمات ’بوكو حرام‘".
ويؤكد عبدالله، وهو صيّاد من المنطقة، أنه بات من المستحيل العيش من الزراعة قائلاً "لم يعد بإمكان الناس الذهاب إلى الحقول خوفاً من القتل أو الخطف. إذا أردت أن تزرع، عليك دفع ضرائب".

التديّن المتطرّف

بين غرب مالي وشرق نيجيريا، نادراً ما تقع على مناطق ينعم فيها الناس بالسلام في هذا الساحل الأوسط الذي يمتد على أكثر من مليون كيلومتر مربع.
ويروي أحد سكان منطقة تيرا في جنوب النيجر، "نحن نعيش على القليل. هاجر عدد كبير من أصحاب اليد العاملة إلى المراكز الحضرية. الخوف من التعرّض للسطو أو القتل شلّ الأنشطة الاقتصادية تماماً".
من الصعب حصر عدد المتشددين المنتمين إلى مختلف الجماعات الناشطة في غرب أفريقيا، لكنه يقدّر بنحو 20 ألفاً، وفقاً لبعض التقارير الأممية الصادرة حديثاً.
ويقول مدير مشروع الساحل في مجموعة الأزمات الدولية جان إيرفيه جيريكيل للوكالة الفرنسية، "هناك نوع من التوطين الداخلي للتشدد في الساحل الأوسط". ويضيف، "هناك أزمة خطرة على مستوى الإدارة، لا سيما لدى دول الساحل الأوسط التي كثيراً ما أهملت المناطق الريفية، ولم ترَ تطوّر سلسلة نزاعات محلية حول الأرض والموارد الطبيعية نحو الأسوأ".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بعض الدول الساحلية ليست في منأى من هذا الخطر وخصوصاً المناطق الشمالية من توغو وبنين حيث تنشط "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" في التجنيد وتشن بانتظام هجمات دامية على الجيش.
تضاف إلى ذلك الانتهاكات التي ترتكبها الجيوش أو الميليشيات التي تساندها ضد السكان الفولانيين المتَّهَمين بأنهم يشكّلون الجزء الأكبر من المتشددين.
ويرى مدير معهد تمبكتو، بكاري سامب، أن "هذا يغذّي السردية التي يروّج لها المتشددون الذين يحاولون فرض أنفسهم بوصفهم حماة الفئات والمجتمعات المهمَّشة".
ومع التمدّد الجغرافي المتواصل للتنظيمات، تنتشر أيديولوجيتهم المتطرفة بصورة أوسع.
فالإسلام المتسامح المتجذّر منذ زمن طويل في منطقة الساحل "استُبدل أكثر فأكثر بالتشدد"، وانتشر "بسرعة كبيرة"، لا سيما بسبب الإنترنت، كما يوضح سامب الذي يضيف "بعد فقدان الأنظمة العسكرية القائمة صدقيتها، لعجزها عن حلّ المسألة الأمنية، أعتقد أننا نفتح الطريق أمام الراديكالية التي تطرح نفسها كبديل".

تعاون ضروري

وعلى رغم أن دول منطقة الساحل مهدّدة كلها بتمدد التشدد فإنها غير موحّدة بالصورة الكافية والضرورية، فالعلاقات سيئة للغاية بين المجالس العسكرية في مالي، وبوركينا فاسو، والنيجر وبين بقية دول المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) التي دانت الانقلابات التي حصلت.
أما التعاون والتنسيق الميداني فمتوقف تماماً بين هذه الدول التي تتشارك حدوداً غير مؤمنة بصورة جيّدة.
في منتصف يونيو (حزيران) الماضي، مدّ نائب رئيس الوزراء في ساحل العاج تيني بيراهيما واتارا يده إلى دول الساحل معلناً أنه "مستعد وبصدق" لاستئناف التعاون.
وقال لوكالة الصحافة الفرنسية إن "الإرهاب، كما يتجلى حالياً، لا يمكن لدولة واحدة أن تكافحه. فلا بد من وجود تعاون وتوحيد للقوى".
ويرى الباحث أندرو ليبوفيتش أن "حركة المتشددين قد تتمدّد نحو الشمال أيضاً. ومن الوارد جداً أن نرى خلايا وجهوداً للتخطيط لهجمات مستقبلية تستهدف شمال أفريقيا، نظراً إلى اهتمام دول المغرب العربي، وبخاصة الجزائر والمغرب، بمنطقة الساحل".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير