ملخص
بعد خمسة أعوام على الانقلاب العسكري الذي أطاح حكومة أونغ سان سو تشي، ودفع ميانمار إلى أتون حرب أهلية أسفرت، وفق مجموعة "أي سي أل إي دي" المتخصصة في رصد النزاعات، عن أكثر من 100 ألف قتيل، يخفت حراك التنظيمات المسلحة تحت وطأة ضغوط خارجية، تضاف إلى تراجعها الميداني.
بتأدية التحية للراية الحمراء للثورة في قلب أدغال ميانمار ، يلتزم المتمردون رسمياً مواصلة القتال من أجل الديمقراطية، لكن القضية التي ينشطون من أجلها تعاني الإنهاك بعد خمسة أعوام من الحرب الأهلية.
"أصبحت الثورة الآن معركة طويلة الأمد"، وفق ما يقول قائد وحدة في "قوات الدفاع الشعبي" من داخل قاعدة تدريب سرية في ساغاينغ.
ويضيف "فلين" (23 سنة)، مكتفياً بذكر اسمه الحركي، "حتى المقاتلون الذين انضموا قبل أعوام، بدأت تراودهم شكوك وتساؤلات حول ما إذا كانت الثورة ستنجح في نهاية المطاف".
وبعد خمسة أعوام على الانقلاب العسكري الذي أطاح حكومة أونغ سان سو تشي، ودفع ميانمار إلى أتون حرب أهلية أسفرت، وفق مجموعة "أي سي أل إي دي" المتخصصة في رصد النزاعات، عن أكثر من 100 ألف قتيل، يخفت حراك التنظيمات المسلحة تحت وطأة ضغوط خارجية، تضاف إلى تراجعها الميداني.
وحين بدأ المتمردون يشكلون تهديداً حقيقياً لسلطة المجلس العسكري، تمكن الجيش من استعادة زمام المبادرة ميدانياً، في ما يعزوه مراقبون إلى الدعم الذي يتلقاه من الصين.
وتوسطت بكين بالفعل في اتفاقات هدنة مع جماعات تتعاون مع "قوات الدفاع الشعبي"، ودعمت الإدارة المدنية التي شكلها المجلس العسكري حديثاً.
ويسعى النظام من جهته إلى الحد من عزلته على المستوى الدولي، إذ من المقرر أن يشارك وزير الخارجية البورمي في اجتماع مع نظرائه الإقليميين في بانكوك خلال عطلة نهاية الأسبوع.
هدن انتقائية
مع قرار قمع الاحتجاجات المناهضة للانقلاب على يد القوات الأمنية، غادر كثر المدن وشكلوا تنظيمات مسلحة ضمن "قوات الدفاع الشعبي"، بعدما وجدوا قاسماً مشتركاً مع الطيف الواسع من التنظيمات المسلحة العرقية المنتشرة في أطراف بورما، علماً أن عدداً من الفصائل العرقية يتمتع بدرجة من الاحتراف العسكري، بعدما أمضى هؤلاء عقوداً في قتال السلطة المركزية.
واندمج المقاتلون مع هذه الفصائل، محققين سلسلة نجاحات ميدانية، من بينها الهجوم المشترك الكبير الذي وصل حتى مشارف ماندالاي، ثاني أكبر مدن بورما، عام 2023.
لكن الجيش استعاد زمام المبادرة بعدما نجح، عبر هدن دعمتها بكين، في تحييد فصيلين عرقيين رئيسين هما "جيش التحالف الوطني الديمقراطي في بورما"، و"جيش تحرير تانغ الوطني".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي غياب دعمهما، أضحت "قوات الدفاع الشعبي" في موقف دفاعي، في ظل النقص الذي تعانيه على صعيد الخبرات العسكرية والأسلحة والذخائر.
وتمكن الجيش خلال العام الحالي من تحقيق مكاسب ميدانية مهمة، من بينها إعادة فتح طرق تجارية حيوية في اتجاه تايلاند والصين.
ويقول الباحث في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، مورغان مايكلز إن "قوات الدفاع الشعبي تمثل مصدر إزعاج للجيش، لكنها لا تشكل تهديداً استراتيجياً كبيراً".
ويرجح أن توافق هذه القوات، في حال فقدانها دعم الفصائل المسلحة التابعة للأقليات العرقية، على هدن مع الجيش، أو تتخلى عن مشروعها الديمقراطي لتتحول إلى جماعات مسلحة محلية، وإلا فإنها قد "تتعرض لإبادة عسكرية".
ضغوط صينية
يتفق مراقبو النزاعات والمقاتلون على خطوط المواجهة، على أن الهدن التي أعادت رسم المشهد الميداني في بورما، جاءت نتيجة مناورات سياسية أكثر منها تطورات عسكرية.
يقول "فيلن" من قاعدته في وسط بورما، إن التراجع الميداني حدث "لأننا خسرنا سياسياً"، معتبراً أن "الضغط الصيني شكل العامل الأساسي" وراء هذه الخسارة.
ويلفت محللون إلى أن بكين كانت منزعجة في البداية من الانقلاب العسكري، الذي تسبب في حال من الفوضى على حدودها.
لكنها توسطت في الاتفاقين اللذين أفضيا إلى الهدنتين، ودعمت مين أونغ هلاينغ، قائد المجلس العسكري آنذاك، عندما نظم انتخابات قدمها باعتبارها خطوة لاستعادة الحكم المدني.
وحقق المرشحون المؤيدون للمجلس العسكري فوزاً كاسحاً في الانتخابات التي لاقت انتقادات واسعة، وانتخبوا مين أونغ هلاينغ رئيساً مدنياً في أبريل (نيسان) الماضي.
وإلى بكين، حظي مين أونغ هلاينغ باستقبال رسمي رفيع المستوى في الهند ولاوس أيضاً.
ومن المقرر أن يلتقي وزير خارجيته الأحد المقبل في بانكوك نظراءه من دول رابطة دول جنوب شرقي آسيا (آسيان) البالغ عددها 11، وهي المنظمة التي عمدت إلى تهميش ميانمار إلى حد كبير منذ الانقلاب العسكري.
اضطرابات دولية
في المقابل، يبدو أن المعارضة المؤيدة للديمقراطية باتت أكثر تهميشاً على الساحة الدولية.
وتعترف وزيرة خارجية "حكومة الوحدة الوطنية" المعلنة من المنفى، زين مار أونغ بأن خسارة دعم بعض الفصائل العرقية شكلت ضربة للمعارضة.
وتقول "لا يمكن لأي طرف أن يحقق النصر بمفرده".
وترى أن انفتاح بعض الدول على السلطة الحاكمة في ميانمار نابع من شعور بالإحباط، إذ إن "المجتمع الدولي بات يائساً" بعد خمسة أعوام من الجمود الدبلوماسي.
وتضيف "إذا حققنا انتصارات على الأرض، وأثبتنا قوتنا ووحدتنا ميدانياً، فسيغيرون بالتأكيد طريقة تفكيرهم وأسلوب تعاملهم معنا".
لكن، كلما فقدت الحركة المعارضة مزيداً من الأراضي في بورما، تراجعت صدقيتها في الخارج.
ويقول الباحث مورغان مايكلز، إن الجهات الدولية المعنية لم تخدع بالعملية الانتخابية التي شهدتها بورما. لكنه يشير إلى أن الإدارة الجديدة تقدم "مساراً ما إلى الأمام"، عبر الترويج لخطة سلام جديدة، ونقل أونغ سان سو تشي من السجن إلى الإقامة الجبرية، وإبرام هدن ظرفية.
ويضيف "قد تفتقر كل هذه الخطوات إلى الصدقية، لكنها في الأقل تمثل شيئاً ملموساً".
ويختم "كان على المجلس العسكري أن يفعل الحد الأدنى فحسب، بمجرد أن يقدم ما هو أكثر مما كانت تقدمه المعارضة".