Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سيادة لبنان المؤجلة: من لجوء منظمة التحرير إلى المحور الإيراني

ما بدأ عام 1969 تحت شعار "طريق القدس يمر من جونية وبيروت"، يتكرر اليوم بصيغة "وحدة الساحات والدفاع عن نفوذ طهران"

أصبح جنوب لبنان جبهة يجري تحريكها أو تهدئتها بناءً على مسار المفاوضات الأميركية - الإيرانية (أ ف ب)

ملخص

ما يحدث اليوم في لبنان يعيدنا إلى حقيقة الجدلية التاريخية حول "السيادة الوطنية مقابل العمل العسكري غير اللبناني"، القاسم المشترك الأكبر الذي جعل لبنان يدفع أثماناً باهظة منذ ستينيات القرن الماضي وحتى اليوم.

مصير التفاهم الأميركي - الإيراني وانعكاسه على لبنان شاهدنا تطوراته خلال الأيام الماضية، ولكن مع التصعيد الأخير من طهران وخرقها لمذكرة التفاهم الموقعة في الـ17 من يونيو (حزيران) الماضي، وقيامها بهجوم مفاجئ ومتناقض على البحرين والكويت يخلفه استهداف صريح للملاحة التجارية في مضيق هرمز، يعلن ترمب في تصريح له ظهر على قناة "إيران إنترناشيونال" أن الهدنة تنهار ويصف الإيرانيين بأنهم "كاذبون" ويحرفون الاتفاقات، وأكد سرعة وقوة الرد الأميركي، وبالفعل استهدفت الضربات الأميركية 80 هدفاً من أنظمة الدفاع الإيراني خلال اليومين الماضيين، مع تأكيد أن العودة لطاولة المفاوضات أصبحت الآن أمراً متروكاً لطهران.

من جانب آخر ومتصل مع هذه الأحداث المتسارعة، نجد أن الضغوط الأميركية المكثفة والمستمرة للدفع بجميع الأطراف نحو وقف كامل ومستدام لإطلاق النار في لبنان بموازاة التفاهمات الإقليمية مع إيران وإسرائيل قد لامسنا أثرها الإيجابي، ولكن السلوك الإيراني يجعل من المسار الذي يرجوه لبنان في المفاوضات المقبلة غير مضمون.

 جنوب لبنان وازدواجية إيران

اشترطت بيروت حالياً انسحاب إسرائيل من جنوب البلاد كشرط للمشاركة في جولة التفاوض المقبلة في روما، وتطالب بأن تكون هذه المفاوضات تحت رعاية أميركية مباشرة. بالتالي، كيف ستكون قدرة لبنان على فرض "فصل المسارات" وتثبيت مرجعية الدولة اللبنانية والجيش في الجنوب مع سلوك طهران الحالي.

مما يطرح مزيداً من التساؤل حول كيفية تنفيذ القرارات الدولية والترتيبات الحدودية المرتقبة والآليات المطلوبة لتطبيق القرارات الدولية لضمان عدم العودة إلى مربع التصعيد العسكري.

هذا التساؤل يظهر كيفية ربما محالة في الوقت الراهن، بعدما أظهرت لنا إيران بازدواجية سلوكها رؤية استباقية متوجسة تحتمل فكرة أن يؤدي انهيار الهدنة وعودة التصعيد الأميركي والإيراني إلى تعثر في المفاوضات الفنية المقبلة بين لبنان وإسرائيل، بالتالي إلى إرجاء الحلول المستدامة على الحدود اللبنانية.

ومما يجعلنا نتنبأ بمصير مسألة الجنوب اللبناني هو تصريح المحلل قاسم قصير الممثل لـ"حزب الله" في أحد البرامج الإخبارية مباشرة في تصريح مثير للجدل، خلال نقاشه الحاد مع الكاتب اللبناني علي الأمين أن "إيران تقاتل اليوم بنحو 50 ألف جندي إيراني موجودين في بيروت وفي لبنان"، والذي أضاف أن هناك آلاف الشهداء والجثامين التي تُنقل عبر رحلات جوية! وعلى رغم أن انتشار المقطع أحدث ضجة كبرى كـ"اعتراف أمني وسيادي خطر"، فإن المقربين من البيئة الحاضنة لـ"حزب الله" أوضحوا أن كلاماً قصيراً جاء في سياق التهكم والسخرية (مزحة) للرد على السردية السياسية التي تقول إن لبنان يخوض "حرباً نيابة عن إيران"، فأراد استخدام المبالغة العددية لإظهار الفكرة بصورة ساخرة.

 الجدلية التاريخية تكرر نفسها

ما يحدث اليوم في لبنان يعيدنا إلى حقيقة الجدلية التاريخية حول "السيادة الوطنية مقابل العمل العسكري غير اللبناني"، القاسم المشترك الأكبر الذي جعل لبنان يدفع أثماناً باهظة منذ ستينيات القرن الماضي وحتى اليوم.

إن مقارنة تصريح قاسم قصير حول الوجود الإيراني بالامتداد التاريخي لـ"منظمة التحرير الفلسطينية" وحركة "فتح" التي تأسست عام 1959 وبدأ ثقلها في لبنان يتبلور عقب نكسة 1967 ومواجهات أواخر الستينيات، يكشف عن كيف تكرر "السيناريو ذاته" بتغير الوجوه والجهات الراعية. بالتالي، تحول لبنان إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية ودفع الثمن من سيادته واستقراره.

"دولة داخل الدولة" وتآكل السيادة الوطنية

بالعودة إلى التاريخ نجد أنه بعد توافد الفصائل الفلسطينية المسلحة إلى لبنان، وقعت الدولة اللبنانية المنهكة "اتفاق القاهرة" عام 1969 تحت ضغوط عربية. هذا الاتفاق شرعن العمل العسكري الفلسطيني من جنوب لبنان (ما عُرف آنذاك بـ"فتح لاند")، مما خلق سلطة أمنية وسياسية موازية للجيش اللبناني وأفقد الدولة سيادتها على أجزاء من أرضها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في العهد الحالي (الظاهرة الإيرانية) نستطيع القول إن "حزب الله" المدعوم من طهران يمثل امتداداً لنفس الصيغة، إذ يمتلك ترسانة عسكرية وقراراً أمنياً مستقلاً عن الحكومة اللبنانية، مما يجعل الدولة عاجزة عن بسط سيطرتها الكاملة، ويجعل تصريحات مثل "وجود مقاتلين أو نفوذ إيراني" تبدو كإعلان عن تكرار نموذج "الدولة داخل الدولة".

بالمقاربة، نرى أن الفصائل الفلسطينية استخدمت جنوب لبنان كمنصة وحيدة لإطلاق العمليات العسكرية ضد إسرائيل بناءً على حسابات الثورة الفلسطينية والدعم العربي (وبخاصة الناصري والبعثي)، مما جعل قرى الجنوب تدفع ثمن القصف والتهجير المستمر، وصولاً إلى الاجتياح الإسرائيلي عام 1978 ثم عام 1982.

وفي وقتنا الحالي انتقلت هذه المنصة والوظيفة الإقليمية بالكامل إلى المحور الإيراني. وأصبح جنوب لبنان جبهة يجري تحريكها أو تهدئتها بناءً على مسار المفاوضات الأميركية - الإيرانية والملفات النووية والإقليمية، كذلك الرؤية الإسرائيلية، وهو ما قصده المنتقدون لتصريح "قصير" بأن دماء اللبنانيين تُستثمر لمصلحة أوراق تفاوضية خارجية، تماماً كما جرى في القرن الماضي.

الانقسام الداخلي الحاد وثمن جغرافيا لبنان السياسية

كما ذكرنا، أدى احتواء منظمة "فتح" ودعمها من قبل أطراف لبنانية (الحركة الوطنية) ورفضها من أطراف أخرى (الجبهة اللبنانية) إلى انهيار السلم الأهلي اللبناني وانفجار الحرب الأهلية عام 1975، مما شرعن التدخل العسكري السوري ثم الإسرائيلي. بالتالي، شرخ نلامسه اليوم ويثير الحديث عن النفوذ الإيراني المسلح في لبنان وتغلغله وسط انقسام طائفي وسياسي حاد في بيروت منذ الستينيات، ومصير وجوده بين بيئة حاضنة ترى فيه "محور مقاومة يدافع عن الجنوب"، وقوى سياسية أخرى ترى فيه "احتلالاً مقنعاً" يدمر علاقات لبنان العربية والدولية ويدفع بالبلاد إلى عزلة خانقة وانهيار اقتصادي غير مسبوق.

بالتالي، لبنان يدفع ولا يزال ثمن "جغرافيته السياسية" وهشاشة نظامه الطائفي الذي سمح تاريخياً برهن السيادة لقوى غير لبنانية، فما بدأ عام 1969 تحت شعار "طريق القدس يمر من جونية وبيروت"، وهو شعار فلسطيني في الحرب الأهلية خلال تلك الفترة، يتكرر اليوم بصيغة "وحدة الساحات والدفاع عن نفوذ طهران"، ليبقى المواطن اللبناني والجنوب تحديداً دافعي الثمن الأكبر في الحالتين.

وفي هذا السياق تبقى مسألة جنوب لبنان مرهونة على نتائج التصعيد الإيراني وردة الفعل الأميركية، مع احتمالية استئناف تل أبيب القتال وعودة المواجهات مع إيران وفقاً لتقارير إسرائيلية، بالتالي الوضع في لبنان رهين ردود فعل سياسية من دول الجوار، ولكن لا يدرك النظام هذه المسألة لتكرار السيناريو وتشابهه في لبنان، في كونه يدفع ثمن مسألة تاريخية تجذرت في أبعادها، وهذا يذكرنا بقول الدكتور غابرييل ألموند في كتابه "السياسات المقارنة"، "إن كل نظام سياسي هو مغلف بنموذج تراثي معين يتكيف وفقاً للظروف والحقائق التي تكثف ردات الفعل السياسية، هذا النموذج التراثي هو عقائدي على الغالب حتى يستطيع تحريك الغرائز العاطفية لغرض كسب الولاء".

 بالتالي، يتشكل هذا النظام وفقاً لأحداث العامة وخبرة الأشخاص في جنوب لبنان خصوصاً مع المعطيات التي تخلفها الصراعات في جنوبه، ويخلق أفراداً مشتتي الرؤية الوطنية والولائية، لأن هناك بكل تأكيد (برنامجاً لامس اللاوعي لديهم مسبقاً) وبناءً على التجربة التاريخية المليئة بالأحداث، مما يعني أن الفرد العادي في الجنوب اللبناني قد كون لنفسه من خلال خبرته وتجاربه الفردية وتعاطيه مع واقع النظام السياسي المشتت الذي يعيش فيه رؤية فردية، يتحرك من خلالها ويعرف نفسه بجماعية الولاء والترابط الجغرافي، بالتالي لديه رؤية معينة ومتوقعة حول حقيقة سياسية يراها الأصلح، ولكن لا يستطيع تطبيقها لأن السيادة في مرجعيتها ليست ثابتة من الأساس.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل