ملخص
ثمة لقاءات تغيّر خرائط التاريخ بمجرد أن تحدث. واللقاء المحتمل بين رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إن حصل يوماً، سيكون من هذا النوع بامتياز.
في الموازاة يشكك كاتب سياسي مقرب من "حزب الله"، في قراءة الرئيس اللبناني للتاريخ، ويسأل إن كان "لا يفكر بمستقبل المسيحيين؟ ولماذا يضع نفسه وهذه الشريحة في موقع خطير جداً؟".
لم يكن البيان الصادر عن السفارة الأميركية في بيروت، والكلام الصادر عن السفير الأميركي ميشال عيسى من بكركي (مقر البطريركية المارونية في جبل لبنان)، بياناً دبلوماسياً من بين آلاف البيانات، بل كان رسالةً سياسيةً استثنائية في لغتها الصريحة وجريئة في مضمونها.
تضمّن البيان دعوةً علنيةً وصريحة إلى لقاء مباشر يجمع رئيس الجمهورية جوزاف عون برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بحضور الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وربط بشكل قاطع إنهاء الحرب وإعادة الإعمار واستعادة السيادة والاستقرار الاقتصادي بحصول هذا اللقاء، ليختم بعبارة أشبه بالإنذار منها بالتشجيع: "ولّى زمن التردد".
وبهذا البيان انتقلت فكرة اللقاء بين عون ونتنياهو من طرح يُناقَش في الكواليس الدبلوماسية إلى ضغطٍ أميركي معلن، بل إلى شرط مُقوْنَن بتعهدات واضحة وتبعات موصوفة. لم يعد الأمر مجرد اقتراح يمكن تجاهله أو المراوغة حوله، بل بات موقفاً رسمياً يحمل ثقل واشنطن كاملاً، ويضع الرئاسة اللبنانية أمام خيارات لا تحتمل التأجيل. لكن في ظل موازين إقليمية متحولة، وضغوط أميركية متصاعدة وهشاشة لبنانية داخلية عميقة، هل يمكن أن يحصل لقاء كهذا؟ وماذا يُريد ترمب ونتنياهو من هذه المصافحة؟ وما معانيها الكاملة إن وقعت؟
هل يحصل اللقاء؟
في عالم الدبلوماسية ثمة لقاءات تغيّر خرائط التاريخ بمجرد أن تحدث. ولقاء رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إن حصل يوماً، سيكون من هذا النوع بامتياز. فهو ليس مجرد اجتماع بين مسؤولَين، إنما كسر لمحرّم تأسس مع قيام الدولة اللبنانية. بحسب المؤرخ اللبناني الدكتور عماد مراد "هناك ثلاثة أنواع من المفاوضات بين الأعداء أو رؤساء الدول، فإما أن تبدأ بلقاء بين الرئيسين يمهد للاجتماعات التقنية، أو أن يحصل اللقاء في نصف المفاوضات أو في نهايتها. وقد بات مؤكداً أن الرئيس عون يميل إلى الخيار الثالث. هو بحسب مصادر مقربة منه ماضٍ في مسار المفاوضات ومستعد للسلام، لكن توقيت اللقاء يفترض أن يكون تتويجاً للمفاوضات وليس بدايةً لها".
ويرى المعترضون أن هناك أسباباً بنيوية عميقة تجعل قبول عون بلقاء مباشر مع نتنياهو في المرحلة الراهنة أشبه بـ "انتحار سياسي" لا مجازفةً محسوبة. فلبنان في حالة حرب رسمية مع إسرائيل منذ عام 1948، ولا يوجد بين البلدين أي اعتراف دبلوماسي أو قانوني متبادل، ما يعني أن أي لقاء مباشر بين الرئيسين لا يمكن أن يُعقد خارج إطار معاهدة سلام تسبقه وتؤسس له، وهو أمر يستوجب توافقاً وطنياً شاملاً لا تلوح في الأفق بوادره بعد.
ويعدّ احتلال إسرائيل لأكثر من 55 قرية جنوبية الحجة الدامغة التي تُسقط منطق اللقاء من أساسه. وأي لقاء قبل وقف إطلاق نار دائم وبدء إسرائيل انسحابها سيُفسَّر على أنه مكافأة مجانية لتل أبيب.
ويُضاف إلى ذلك أن عون يحكم بلداً يعيش حرباً مدمّرة، ويرزح تحت وطأة انهيار اقتصادي متراكم وانقسام طائفي وسياسي حاد. وفي هذه البيئة الهشة، سيكون أي تقارب مع إسرائيل على هذا المستوى بمثابة شرارة تشعل الشارع اللبناني وتعيد تفعيل خطوط التوتر الطائفي التي يسعى عون جاهداً إلى احتوائها. كذلك لا يملك لبنان في الوقت ذاته ترف تجاوز بيئته الإقليمية العربية أو القفز فوقها. وللمفارقة، حتى الدول التي أبرمت "اتفاقيات أبراهام" لم تُقدِم على عقد لقاءات قمة مبكرة مع إسرائيل قبل إرساء البنية القانونية والسياسية الكاملة للتطبيع، إذ استلزم المسار الإماراتي والمغربي أشهراً من التهيئة الداخلية الدقيقة قبل أن يتحول إلى واقع رسمي.
استقبل رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في قصر بعبدا ظهر اليوم السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى بعد عودته من واشنطن وعرض معه التطورات الراهنة لا سيما ملف تثبيت وقف اطلاق النار ووقف استهداف المدنيين والمنشآت المدنية تمهيدا لاستكمال الاجتماعات في واشنطن ما يؤدي الى تحقيق انجاز… pic.twitter.com/g4nuQlj0FF
— Lebanese Presidency (@LBpresidency) May 1, 2026
لماذا يريد ترمب ونتنياهو هذا اللقاء؟
يسعى الرئيس ترمب إلى تحقيق إنجاز استراتيجي في الشرق الأوسط يُكمل ما بدأه في ولايته الأولى من خلال "اتفاقيات أبراهام". وتطبيع لبناني ـ إسرائيلي سيكون "الجائزة الكبرى" التي تُعيد رسم الشرق الأوسط، وتفتح الباب أمام حل شامل يشمل السعودية. كذلك تنظر واشنطن إلى لقاء القمة باعتباره رسالة لإيران و"حزب الله" مفادها بأن "محور المقاومة" انهزم كلياً.
أما نتنياهو فيحتاج انتصاراً سياسياً استراتيجياً بعد سنوات من الحرب المكلفة. ولقاء مع رئيس الجمهورية اللبنانية سيُعادل في قيمته الرمزية أي انتصار عسكري، إذ يثبّت معادلة القوة الإسرائيلية، ويُفرغ "حزب الله" من مبرر وجوده كقوة عسكرية. كذلك ستحوّل هذه الخطوة نتنياهو من "المتهم أمام الجنائية الدولية" إلى "صانع سلام" في نظر الرأي العام الغربي.
مشكلة إن حصل ومشكلة إن لم يحصل
يصف الكاتب السياسي نبيل بو منصف مسألة اللقاء المحتمل بين عون ونتنياهو بأنها "من أكثر الملفات تعقيداً وإرباكاً، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها شأناً عادياً، لا سيما أنها نتاج مباشر لخيار التفاوض الذي سلكه لبنان". ويلفت بو منصف إلى أن "الضغوط الأميركية تتصاعد بوتيرة متسارعة على الرئيس عون لدفعه نحو إتمام هذا اللقاء".
ويرى أن "المعضلة الحقيقية هي أن اللقاء يُشكّل أزمة سواء جرى أو لم يجرِ. فإن لم يحصل، فستكون التداعيات على العلاقة مع الراعي الأميركي بالغة الثقل، وإن حصل في هذا التوقيت بالذات، فإن تبعاته ستكون أشد وطأة وأوسع أثراً. من هذا المنطلق، يسعى رئيس الجمهورية إلى إقناع الإدارة الأميركية بمقاربة تدريجية وواقعية في آنٍ معاً، تقوم على إطلاق المفاوضات أولاً، ثم تتويجها باللقاء حين تبلغ مرحلة الاتفاق. وهذا النهج لا يتفق مع المنطق اللبناني وحسب، بل يتوافق أيضاً مع الأصول الدبلوماسية المتعارف عليها دولياً، إذ جرت العادة أن يُختتم التفاوض باتفاق يتوّجه لقاء الزعماء، لا أن يبدأ به".
غير أن الإدارة الأميركية الحالية يتابع بو منصف، "تختلف في طبيعتها ومنهجها، فالرئيس ترمب، بحساباته الخاصة والاستراتيجية، يميل إلى فرض اختراق مبكر وملموس في الملف اللبناني، معتقداً أن لقاء الزعماء قد يمنح المفاوضات زخماً استثنائياً. بيد أن الواقع اللبناني الهش لا يُطيق الانزلاق في مغامرة من هذا القبيل في هذه المرحلة. وفي المحصلة، يقف الرئيس عون أمام رهان حقيقي: إقناع واشنطن بوجهة نظره قبل أن تفرض عليه الأمر الواقع. فإن أُقدم على هذا اللقاء في التوقيت الراهن، يكفي رصد مواقف 'حزب الله' لاستشراف ما ينتظر الأرض اللبنانية". والأمر لا يقتصر على الداخل، إذ تُبدي بحسب بو منصف، "دول عربية عدة تحفظها الصامت على هذا اللقاء، من دون أن تجرؤ على مواجهة واشنطن علناً، خشية أن يلقي بظلاله على استقرار لبنان، وأن يضعها أمام ضغوط قد تُرغمها على القبول بمسار اتفاقيات أبراهام".
The same applies to Lebanon: We have begun a process to achieve a historic peace between Israel and Lebanon, and it is clear to us that Hezbollah is trying to sabotage this.
— Prime Minister of Israel (@IsraeliPM) April 24, 2026
3/4
ألا يفكر عون بخطورة اللقاء على المسيحيين؟
من جهته، يرفض الكاتب السياسي بلال اللقيس "مجرد التفكير في لقاء كهذا". فـ "الناموس اللبناني" بالنسبة له، "قام على أن هوية لبنان نقيض هوية إسرائيل، وهما نقيضان لا يلتقيان، ناهيك عن كون إسرائيل عدو لبنان وفق الدستور اللبناني". ويعتبر اللقيس أن "أي التزام من قبل رئيس الجمهورية أمام واشنطن لا يمكنه تطبيقه وتنفيذه لأنه لم يتم عبر توافق داخلي، إنما جاء مواراةً والتفافاً على ما تحقق في إسلام آباد وسعياً منه لاحتوائه". ويضيف، "لذلك فإن اللقاء ليس أكثر من مكسب إعلامي ونفسي لإسرائيل ونتنياهو الملاحق من كل مؤسسات القضاء في العالم كمجرم حرب، وكذلك مكسب لترمب يحتاجه بقوة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويذهب المتحدث ذاته بعيداً في وصف الخطوة بـ "الخفة السياسية في توقيتها وطريقتها، ليس فقط لأنها لا تحوز على غطاء داخلي، وهو الأهم، بل وحتى تفتقر لدعم عربي أو إسلامي ولا حتى غربي قوي. فضلاً عن أن المفاوض اللبناني كما يقول لا يمتلك أي أوراق أمام عدوه ولا كفاءة مقارنةً بمن يقف أمامه".
وفي حين استهجن "الاستعجال" على حد تعبيره، دعا اللقيس الرئيس عون وحزب "القوات اللبنانية" اللذين لديهما "حقد شديد على المقاومة"، كما يقول، إلى "انتظار نهاية المعركة في المنطقة لأنها إذا كانت لمصلحة أميركا فيكون قد ربح ومعه حزبا القوات والكتائب ويحقق هدفه من دون أن يكون شريكاً في جرم الجلوس مع نتنياهو ويحمّل لبنان التبعات، أما إذا انتصرت المقاومة فلكل حادث حديث، فالمقاومة اعتادت أن تعفو". ومحملاً المسيحيين وزر "النتائج الكارثية" لأي لقاء من هذا النوع بينما الطوائف الأخرى كلها معارضة. يسأل الكاتب المقرب من "حزب الله"، "ألا يقرأ (الرئيس) عون التاريخ، فخطوة الرئيس (الراحل) بشير الجميل كانت نتيجتها كارثية على لبنان عموماً وعلى المسيحيين خصوصاً، فهل من مصلحة المسيحيين أو بدقة أكبر هل من مصلحة بعض القوى المسيحية أن تحمل مع عون هذا الوزر التاريخي وتوسَم به؟ ألا يفكر عون بمستقبل المسيحيين؟ ولماذا يضع نفسه وهذه الشريحة في موقع خطير جداً؟". ويختم بالقول إن "على رئيس الجمهورية أن يتمسك بقمة بيروت ويقول إن لبنان آخر مَن يلتقي العدو لحساسية وضع لبنان، لا أن يأخذ مشهداً بهذه الخطورة بصدره وهو لا يملك منه شيئاً إلا كونه 'كومبارس' فيه".
اتفاقية الهدنة: اعتراف ضمني بإسرائيل
يعود المؤرخ اللبناني الدكتور عماد مراد إلى تاريخ العلاقة بين لبنان وإسرائيل، ويؤكد أنه "يُخطئ من يظن أن أي لقاء بين رئيس الجمهورية اللبنانية ورئيس الوزراء الإسرائيلي سيمثّل بداية العلاقة بين البلدين، إذ يعود الاعتراف اللبناني بإسرائيل إلى عام 1949، حين وقّعت دول الطوق الأربع، مصر والأردن وسوريا ولبنان، اتفاقيات الهدنة في جزيرة رودوس. وقد أُبرمت الاتفاقية اللبنانية - الإسرائيلية في الناقورة بحضور ممثلين عسكريين عن الجانبين، وتضمّنت بنوداً تكفل احترام الحدود وتحظر الاعتداء المتبادل، فكانت في جوهرها اتفاقية سلام بين دولتين. غير أن هذه الهدنة انهارت مع انطلاق العمليات الفلسطينية ضد إسرائيل من الأراضي اللبنانية، مما استدعى ردوداً إسرائيلية متصاعدة بلغت ذروتها باجتياح عام 1982 الذي وصل إلى بيروت".
وتابع قائلاً إنه "في عام 1983، وقّع لبنان اتفاق 17 مايو/ أيار الذي كان يُتيح إرساء سلام شامل، يشمل انسحاب الجيش السوري وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي ووقف كل أشكال السلاح غير الشرعي. إلا أن الاتفاق سقط تحت وطأة ضغطين متزامنين: انتفاضة حركة أمل في فبراير/ شباط 1984 التي استهدفت مراكز الجيش اللبناني في الضاحية الجنوبية، والضغط السوري المباشر الذي أجبر الرئيس (السابق) أمين الجميل على التراجع عنه. ومن رحم تلك المرحلة وُلد 'حزب الله'، رافعاً شعار مقاومة إسرائيل، لكن مشروعه الفعلي كان إلحاق لبنان بمنظومة ولاية الفقيه الإيرانية. وفي ظل هيمنته على مفاصل الدولة السياسية والأمنية والقضائية، غدا الحديث عن السلام مع إسرائيل تهمةَ خيانة يُلاحَق بها كل من يجرؤ على النطق بها".
وأضاف مراد، "اليوم، مع تراجع نفوذ 'حزب الله' وقيام سلطة سيادية جديدة، انقلبت المعادلة كلياً. باتت المفاوضات المباشرة مع إسرائيل برعاية أميركية ممكنة وعلنية، وأعلن رئيس الجمهورية استعداده للذهاب إلى أي مكان خدمةً لمصلحة لبنان، في إشارة واضحة إلى انفتاحه على لقاء نتنياهو. والأهم أن شريحة واسعة من اللبنانيين باتت تتطلع إلى السلام وتؤيد هذا التوجه، بعد عقود من الوصاية والتحريم. ولكي ينعم لبنان بالأمن والازدهار، لا مناص من السير على مسارين متلازمين لا ينفصلان: السلام مع إسرائيل، ونزع سلاح 'حزب الله'".