Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

البنزين في إيران... أزمة تتجاوز نقص الوقود

أظهرت مقاطع طوابير طويلة من السيارات على الطريق السريع بين طهران وكرج

تنعكس تداعيات أزمة الوقود بصورة أكبر على سائقي سيارات الأجرة التقليدية وسيارات الأجرة عبر التطبيقات (اندبندنت فارسية)

ملخص

لم تعد أزمة البنزين بالنسبة إلى الإيرانيين مجرد تعبير عن اختلال توازن الطاقة، بل أصبحت تعني ساعات طويلة تضيع في طوابير الانتظار، ودخلاً يومياً يخسره سائق، ومسافة يعجز عامل عن قطعها للوصول إلى مكان عمله، وقلقاً يتجدد مع كل مرة يضيء فيها مؤشر الوقود في السيارة.

تشير أزمة البنزين، التي رافقتها خلال الأيام الماضية محطات وقود مغلقة وطوابير طويلة في طهران وعدد من المحافظات، إلى أنها تجاوزت مجرد نقص في الوقود، لتتحول إلى أزمة جديدة تثقل الحياة اليومية للإيرانيين. وتظهر الرسائل ومقاطع الفيديو التي تلقتها "اندبندنت فارسية"، اليوم الأربعاء الـ26 من أغسطس (آب) الجاري، أن كثيراً من المواطنين يضطرون إلى قضاء ساعات طويلة في طوابير محطات الوقود للحصول على بضعة لترات من البنزين، قبل أن يفاجأ بعضهم، بعد طول انتظار، بمحطة مغلقة أو خزانات فارغة.

وقال أحد المتابعين، في إشارة إلى تداعيات الأزمة على سكان ضواحي طهران "حتى لو ارتفع سعر البنزين، فإن التنقل اليومي للأشخاص الذين يقيمون في أطراف العاصمة ويعملون داخلها لن يعود مجدياً من الناحية الاقتصادية. وبالنسبة إلى من يضطرون إلى استخدام سياراتهم الخاصة بسبب ضعف شبكة النقل العام، فقد يتحول الأمر إلى خيار صعب بين الاستمرار في العمل أو تخصيص جزء أكبر من دخلهم الشهري لتكاليف التنقل".

وتكشف رسائل أخرى عن أن الأزمة لا تزال تتسع، فقد أفاد أحد السكان في مدينة بابل بإغلاق عدد من محطات الوقود، في وقت تعمل المحطة الوحيدة المتبقية بواسطة مولد كهربائي بسبب انقطاع التيار، وطلب من المواطنين الانتظار حتى منتصف الليل للتزود بالوقود.

وفي مدينة مشهد، اصطف المواطنون منذ ساعات الفجر الأولى من اليوم الأربعاء في طوابير طويلة أمام محطة "دلاوران" في منطقة رضا شهر، بينما أفاد تقرير آخر بانتظار استمر ساعات على الطريق السريع بين كرج وطهران للحصول على البنزين.

أما في طهران، فتشير التقارير إلى وضع مماثل. ويظهر مقطع فيديو أرسل إلى "اندبندنت فارسية" أن محطة "طهران" خلت من البنزين والديزل معاً، فيما أظهرت مقاطع أخرى طوابير طويلة من السيارات على الطريق السريع بين طهران وكرج. ويأتي ذلك امتداداً للتقارير التي تحدثت خلال الأيام الماضية عن إغلاق أو ازدحام شديد في محطات "نياوران" و"ولنجك" و"فرمانية" و"تجريش" و"شريعتي" و"جردن" و"باغ فردوس" و"غوهردشت"، ومناطق أخرى في طهران وكرج.

وتنعكس تداعيات هذه الأزمة بصورة أكبر على سائقي سيارات الأجرة التقليدية وسيارات الأجرة عبر التطبيقات، وسائقي خدمات التوصيل، وكل من يرتبط دخله اليومي باستخدام السيارة. فالسائق الذي يقضي ساعة أو ساعتين في طابور الوقود لا يتحمل كلفة البنزين فحسب، بل يخسر أيضاً جزءاً من ساعات عمله، وبالتالي جزءاً من دخله اليومي. كما لم يعد الحصول على الوقود بالنسبة إلى الأسر التي تنقل أبناءها إلى المدارس أو المراكز العلاجية، أو التي تضم كبار السن والمرضى، أو التي تعيش في مناطق تفتقر إلى وسائل نقل عام مناسبة، مجرد مسألة تتعلق بكلفة التنقل.

في هذا السياق، كشفت صحيفة "دنياي اقتصاد" عن تنفيذ صامت لأحد السيناريوهات التي تعتمدها حكومة الرئيس مسعود بزشكيان لإدارة أزمة البنزين، ويقوم على حصر توزيع الوقود بمستوى الإنتاج المحلي، من دون تعويض الفجوة بين الإنتاج والطلب عبر الاستيراد أو السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية.

ووفق هذا النموذج، تنتقل الأزمة عملياً من السعر إلى إمكان الحصول على الوقود، من دون إعلان رسمي عن رفع الأسعار. فالمواطنون ما زالوا يشترون البنزين بالسعر السابق، لكن لم يعد هناك ما يضمن توفره عند مراجعة محطات الوقود.

ويؤدي هذا الأسلوب، عملياً، إلى فرض تقنين غير معلن، إذ يتمكن من يملك الوقت الكافي للبحث عن محطة عاملة والانتظار في الطوابير من الحصول على الوقود، بينما قد يجد آخرون أن الكميات نفدت قبل وصول دورهم. ويخلق ذلك حالة جديدة من عدم المساواة، خصوصاً بالنسبة إلى الموظفين والعمال ومن لا يستطيعون مغادرة أعمالهم لساعات طويلة انتظارا في الطوابير.

وأشارت صحيفة "دنياي اقتصاد" إلى هذه النقطة أيضاً، موضحة أن الأشخاص القادرين على الانتظار نحو 70 دقيقة يتمتعون عملياً بفرصة أكبر للحصول على البنزين مقارنة بمن لا تسمح لهم ظروفهم بذلك.

في الوقت نفسه، زادت التصريحات المتضاربة للمسؤولين الإيرانيين من حالة القلق لدى المواطنين، فبعدما أعلن رئيس مكتب الرئيس مسعود بزشكيان أن خفض حصص البنزين أمر محسوم، كشف نائب رئيس البرلمان علي نيكزاد، يوم الثلاثاء الماضي، عن تفاصيل جديدة، موضحاً أن حصة البنزين المدعوم البالغة 60 لتراً بسعر 1500 تومان (نحو 0.01 دولار) للتر ستبقى كما هي، فيما ستخفض الحصة البالغة 70 لتراً بسعر 3 آلاف تومان (نحو 0.02 دولار) إلى 50 لتراً، كما ستقلص الحصة البالغة 30 لتراً بسعر 5 آلاف تومان (نحو 0.03 دولار) إلى 15 لتراً. وفي المقابل، أكد أن رفع أسعار البنزين مستبعد حالياً، وأنه لم يتخذ بعد أي قرار في شأن اعتماد سعر رابع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأصبح هذا الغموض بحد ذاته جزءاً من الأزمة، إذ إن تكرار الحديث عن احتمال خفض الحصص أو رفع الأسعار، من دون إعلان خطة واضحة، يدفع شريحة من السائقين إلى التزود بالوقود مبكراً خشية أي تغييرات مفاجئة.

وفي موازاة ذلك، أدى الضرر الذي لحق بمنشآت تخزين الوقود خلال الحرب إلى تراجع كفاءة شبكة توزيع الوقود في طهران. ففي الـ24 من أغسطس الجاري، جرى توزيع أكثر من 26 مليون لتر من البنزين في العاصمة، بزيادة بلغت 30 في المئة عن المعدلات المعتادة، وهو أعلى مستوى يسجل هذا العام. غير أن هذا الارتفاع الكبير في الطلب تسبب في تأخر وصول شاحنات نقل الوقود، ونفاد المخزون موقتاً في عدد من محطات الوقود.

وفي ظل أزمة البنزين، بدأت تلوح أزمة أخرى تتمثل في نقص الديزل، الذي يرتبط مباشرة بقطاع نقل البضائع والزراعة والصناعة، وحتى إنتاج الكهرباء. ووفقاً لبيانات وزارة النفط الإيرانية، يبلغ متوسط الاستهلاك اليومي من الديزل في قطاع النقل نحو 61.5 مليون لتر، يستهلك قطاع الشاحنات الثقيلة منها نحو 52 مليون لتر. ومن شأن أي اضطراب كبير في تزويد هذا القطاع بالوقود أن يؤدي إلى ارتفاع كلفة نقل المواد الغذائية، والمنتجات الزراعية، ومواد البناء، والسلع الصناعية.

في المقابل، تقف وراء هذه الأزمة مشكلات هيكلية تراكمت على مدى عقود، من بينها تقادم أسطول المركبات وارتفاع استهلاكه للوقود، وتهالك المصافي، وضعف البنية التحتية، وتردي خدمات النقل العام، إلى جانب اتساع عمليات تهريب الوقود، بل إن المنظمة الإيرانية لتحسين استهلاك الوقود تؤكد أن ما بين 40 و50 في المئة من مشكلة الاستهلاك يعود للمركبات غير المطابقة للمواصفات، وهو ما يشير إلى أن رفع الأسعار أو خفض الحصص وحده لن يكون كافياً لمعالجة اختلال التوازن بين الإنتاج والاستهلاك.

ولم تعد أزمة البنزين بالنسبة إلى الإيرانيين مجرد تعبير عن اختلال توازن الطاقة، بل أصبحت تعني ساعات طويلة تضيع في طوابير الانتظار، ودخلاً يومياً يخسره سائق، ومسافة يعجز عامل عن قطعها للوصول إلى مكان عمله، وقلقاً يتجدد مع كل مرة يضيء فيها مؤشر الوقود في السيارة.

وإذا استمرت قيود الإمدادات، بالتزامن مع خفض الحصص، فإن كلفة الأزمة ستنتقل بصورة متزايدة من الموازنة العامة للدولة إلى وقت المواطنين، ودخولهم، وحياتهم اليومية.

نقلاً عن "اندبندنت فارسية"

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير