ملخص
بعد نحو ربع قرن على جريمة أندريا ييتس التي أغرقت أطفالها الخمسة، تكشف محاكمة ليندسي كلانسي، التي قتلت أطفالها الثلاثة عام 2023، عن تشابهات لافتة بين المأساتين، تمتد من المرض النفسي وفكرة "إنقاذ" الأطفال بالموت إلى خبراء ارتبطوا بالقضيتين، في مفارقة مؤلمة بعدما كانت كلانسي قد بكت يوماً عند سماع قصة أطفال أندريا.
"كيف يمكن لأم أن تؤذي أطفالها؟"، هذا ما قالته ليندسي كلانسي باكية بعدما سمعت من زميلة لها قصة أندريا ييتس، الأم التي أغرقت أطفالها الخمسة في حوض الاستحمام عام 2001، قبل أن تجد نفسها، بعد أكثر من عقدين، صاحبة مأساة تعيد للأذهان تلك القصة التي أبكتها يوماً.
وما أشبه اليوم بالبارحة، فبعد نحو ربع قرن على جريمة ييتس، وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام مأساة تحمل ملامح مألوفة بصورة لافتة، بعدما قتلت كلانسي أطفالها الثلاثة داخل منزل الأسرة في ماساتشوستس، لتكشف محاكمتها عن تفاصيل تقرب بين المرأتين أكثر مما توحي به السنوات التي تفصل بينهما.
كلتاهما عملت في التمريض، وعانتا اضطرابات نفسية قبل الجريمة، فيما كان الزوج غائباً عن المنزل وقت قتل الأطفال، وكان بين الضحايا في الحالتين رضيع لم يكمل عامه الأول. ومع تقدم القضيتين، امتدت أوجه التشابه إلى تصور أكثر قتامة لما فعلتاه، وصولاً إلى خبراء وجدوا أنفسهم، بعد أكثر من عقدين، جزءاً من المأساتين.
ممرضتان وثمانية أطفال
قبل أن تعرفهما الولايات المتحدة من ملفات المحاكم وصور الأطفال القتلى، كانت أندريا ييتس وليندسي كلانسي ممرضتين ووالدتين أمضتا جزءاً من حياتهما في مهنة تقوم على رعاية الآخرين، وعرفهما المقربون بوصفهما أُمين محبتين قبل أن تنتهي حياة أطفالهما داخل المنزل الذي يفترض أن يكون أكثر الأماكن أمناً لهم.
في صباح الـ20 من يونيو (حزيران) 2001، غادر راسل ييتس منزل الأسرة في تكساس إلى عمله، تاركاً زوجته أندريا مع أطفالهما الخمسة الذين تراوحت أعمارهم بين ستة أشهر وسبعة أعوام. خلال ذلك الصباح، أخذت أطفالها واحداً تلو الآخر إلى حوض الاستحمام وأغرقتهم، ثم اتصلت بالشرطة وبعدها بزوجها، لتبدأ واحدة من أشهر القضايا الأميركية المرتبطة بالمرض النفسي للأمهات والمسؤولية الجنائية.
وبعد 22 عاماً، في الـ24 من يناير (كانون الثاني) 2023، خرج باتريك كلانسي، زوج ليندسي آنذاك، من منزل أسرته في دوكسبري بولاية ماساتشوستس لشراء أغراض طلبتها منه زوجته، وبقيت ليندسي مع كورا البالغة خمسة أعوام، وداوسون البالغ ثلاثة أعوام، وكالان البالغ ثمانية أشهر. وخلال غيابه خنقت الأطفال الثلاثة، ثم قفزت من نافذة في الطابق الثاني في محاولة لإنهاء حياتها، وأصيبت بالشلل من الخصر إلى أسفل، فيما توفي الأطفال تباعاً متأثرين بإصاباتهم.
وبعد أكثر من ثلاثة أعوام على الجريمة، بدأت محاكمة كلانسي في المحكمة العليا لمقاطعة بليموث، مع اختيار هيئة المحلفين في الـ20 من يوليو (تموز) 2026، قبل بدء المرافعات والشهادات في الـ27 من يوليو، لتعيد جلسات المحاكمة تفكيك الأشهر التي سبقت مقتل الأطفال وتتبع تدهور حالتها النفسية وصولاً إلى يوم الجريمة، في محاولة لتحديد مدى مسؤوليتها الجنائية عما حدث.
كان أصغر أطفال ييتس في شهره السادس، وكان أصغر أطفال كلانسي في شهره الثامن، فيما تكشف الوقائع التي سبقت الجريمتين عن رابط آخر بين الأمين، إذ ارتبطت قضية ييتس بـ"ذهان ما بعد الولادة"، فيما أصبح التشخيص نفسه محوراً رئيساً في دفاع كلانسي ومعركتها القضائية.
وبحسب الوقائع التي استعرضها حكم محكمة الاستئناف في تكساس، مرت ييتس بتاريخ طويل من الاضطرابات النفسية والعلاج ودخول المستشفى قبل قتل أطفالها، ووصل تدهور حالتها إلى محاولات للانتحار ونوبات ذهانية. وعندما وصلت القضية إلى المحكمة، شهد عدد كبير من الأطباء واختصاصيي الصحة النفسية حول حالتها، وتركز الخلاف على أثر الذهان في قدرتها على إدراك أن قتل أطفالها خطأ.
أما كلانسي فتكشف الشهادات التي نقلتها "أسوشيتد برس" خلال محاكمتها عن أشهر مضطربة سبقت مقتل أطفالها، عانت خلالها الأرق والقلق والاكتئاب والأفكار الانتحارية، وتنقلت بين مقدمي الرعاية وجربت أدوية نفسية متعددة ودخلت مستشفى للأمراض النفسية. وكانت أسرتها تراقب تغير حالتها، فيما وصف زوجها سلوكها بأنه محير، إذ كانت تقول أحياناً كلاماً يثير القلق، ثم تعود بعد وقت قصير إلى إطعام الأطفال واللعب معهم.
وكانت كلانسي نفسها تبحث عن تفسير لما يجري داخلها، وأظهرت الأدلة المقدمة في القضية عمليات بحث عبر الإنترنت عن "ذهان ما بعد الولادة" والاكتئاب والأفكار الانتحارية والأدوية النفسية، فيما كتبت في مذكراتها على الهاتف عن رضيعها ونومه وشعورها بالذنب لأنها لم تعد قادرة على الاعتناء به بالطريقة نفسها التي اعتنت بها بطفليها الأكبر.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويكشف السجلان هنا فارقاً مهماً، إذ كان الذهان موثقاً في التاريخ الطبي لييتس قبل قتل الأطفال، وأقر بارك ديتز، خبير الصحة النفسية الذي استعانت به الولاية في محاكمتها الأولى، بأنها كانت ذهانية يوم الجريمة، مع تمسكه بأنها عرفت أن فعلها خطأ.
وفي قضية كلانسي، يقول الادعاء إن سجلات الأطباء الذين عالجوها قبل الجريمة لم توثق هلوسات أو هوساً أو ذهاناً، وهو خلاف أصبح محورياً في تحديد مسؤوليتها الجنائية.
الموت بوصفه "إنقاذاً"
كانت أوهام أندريا ييتس ذات طابع ديني، ووفق الشهادات الطبية المقدمة في قضيتها، اعتقدت أنها فشلت في تربية أطفالها وأنهم معرضون للفساد والعذاب الأبدي.
وداخل العالم الذي صنعه المرض في عقلها، اكتسب قتل الأطفال معنى مقلوباً، إذ اعتقدت أن موتهم يمكن أن ينقذ أرواحهم من مصير أسوأ.
وبعد أكثر من عقدين، جلس الطبيب النفسي الشرعي فيليب ريزنيك أمام محلفي كلانسي ليصف اعتقاداً يحمل صدى لافتاً لما ظهر في قضية ييتس. وبحسب ما نقلته "أسوشيتد برس" من شهادته، خلص ريزنيك إلى أن كلانسي كانت ذهانية ووهمية عندما قتلت أطفالها، وأنها اعتقدت أنهم سيعانون إذا أنهت حياتها وتركتهم، وأن موتهم معها سيأخذهم إلى الجنة.
ووضع ريزنيك هذا التصور ضمن ما يعرف في الطب النفسي بـ"قتل الأبناء بدافع إيثاري"، وهو وصف لحالات يعتقد فيها أحد الوالدين، تحت تأثير مرض نفسي شديد أو وهم، أن قتل الطفل يحميه من مصير أشد سوءاً. وفي رواية كلانسي لما حدث داخل المنزل، قالت إنها سمعت صوت رجل يأمرها بقتل أطفالها ثم قتل نفسها.
وهنا يظهر أكثر أوجه التشابه قتامة بين القصتين، إذ اعتقدت ييتس أن قتل أطفالها ينقذ أرواحهم من العذاب الأبدي، فيما رأى ريزنيك أن كلانسي اعتقدت أن موت أطفالها معها سيجنبهم المعاناة ويأخذهم إلى الجنة. وفي الحالتين، قلب المرض، وفق تفسير الخبراء، معنى الحماية في عقل الأم حتى بدا الموت طريقاً إلى خلاص الأطفال.
خبراء عبروا بين القضيتين
حين وقف فيليب ريزنيك أمام محلفي كلانسي، كان يعود لقضية تحمل كثيراً من ملامح ملف يعرفه منذ سنوات طويلة. فالطبيب النفسي الشرعي سبق أن شهد لمصلحة دفاع أندريا ييتس، ثم عاد بعد نحو ربع قرن ليقدم أمام هيئة محلفين أخرى تفسيراً للحالة العقلية لأم قتلت أطفالها.
ويمتد الرابط إلى الجهة المقابلة، إذ يعود اسم بارك ديتز، خبير الادعاء البارز في المحاكمة الأولى لييتس. ففي قضية كلانسي استعان الادعاء بالطبيب النفسي أفرام ماك، الذي قدم قراءة مختلفة لحالتها وخلص إلى أنها كانت تعاني مرضاً نفسياً شديداً مع احتفاظها بالقدرة على معرفة الصواب من الخطأ، فيما تشير المادة الخاصة بالقضية إلى أن التعاقد معه جرى عبر شركة "Park Dietz & Associates".
ويحمل اسم ديتز ثقلاً خاصاً في قصة ييتس، إذ أصبحت شهادته لاحقاً أحد أسباب إسقاط إدانتها الأولى، فبحسب حكم محكمة الاستئناف في تكساس، تحدث خلال المحاكمة عن عمله مستشاراً لمسلسل "Law & Order"، وقال إن المسلسل عرض قبل الجريمة حلقة عن امرأة مصابة باكتئاب ما بعد الولادة أغرقت أطفالها في حوض الاستحمام ثم وجدت غير مذنبة بسبب الجنون، وهي معلومة اكتسبت أهمية، لأن ييتس كانت من مشاهدي المسلسل.
استخدم الادعاء المعلومة في مرافعته، ثم اتضح بعد إدانة ييتس أن الحلقة التي تحدث عنها ديتز لم تكن موجودة. وتظهر أوراق محكمة الاستئناف أنه أقر بخطئه، فيما أخذت المحكمة في الاعتبار أهمية شهادته بوصفه خبير الصحة النفسية الوحيد الذي رأى أن ييتس، على رغم ذهانها، كانت تعرف أن قتل أطفالها خطأ.
وخلصت المحكمة إلى وجود احتمال معقول بأن المعلومة الخاطئة أثرت في المحلفين، فألغت إدانة ييتس عام 2005 وأعادت القضية للمحاكمة، وفي العام التالي انتهت المحاكمة الثانية إلى اعتبارها غير مذنبة بسبب الجنون، وأودعت منشأة حكومية للصحة النفسية.
حيث يفترق الطريقان
على رغم الخيوط الكثيرة التي تجمع القضيتين، يظهر فارق طبي وقانوني يمكن أن يقود إلى نهايتين مختلفتين.
ففي قضية ييتس، أقر ديتز نفسه بأنها كانت ذهانية عندما قتلت أطفالها، وتركز النزاع على قدرتها في تلك الحالة على معرفة أن فعلها خطأ. وشهد عدد من خبراء الصحة النفسية بأنها لم تكن تعرف الصواب من الخطأ أو كانت تعتقد أن ما فعلته صحيح، فيما قدم ديتز الرأي المقابل.
وفي قضية كلانسي، يبدأ الخلاف من طبيعة المرض نفسه، يرى ريزنيك أنها كانت ذهانية لحظة قتل أطفالها، فيما يقول أفرام ماك وخبراء آخرون استعان بهم الادعاء إن الاكتئاب الذي عانت منه، على رغم شدته، لم يقطع صلتها بالواقع أو يسلبها القدرة على معرفة أن قتل الأطفال خطأ.
ولهذا اكتسبت تفاصيل يوم الجريمة أهمية كبيرة أمام المحلفين، يستند الادعاء إلى قدرة كلانسي على استخدام الهاتف والتواصل مع زوجها وأداء مهمات يومية، وإلى وقوع الجريمة خلال الفترة التي خرج فيها باتريك من المنزل، باعتبار تلك التصرفات مؤشرات إلى التنظيم والاختيار.
ويضع الدفاع تلك اللحظات في سياق أشهر من الأرق والاكتئاب والأفكار الانتحارية والأدوية ودخول المستشفى وطلب المساعدة، ويتمسك بأن المصاب بالذهان يمكن أن يظل قادراً على أداء كثير من تفاصيل حياته اليومية.
ويضاف إلى الفارق الطبي اختلاف قانوني بين تكساس وماساتشوستس، ففي قضية ييتس تركز الاختبار على ما إذا كان المرض العقلي قد منعها من معرفة أن فعلها خطأ، فيما ينظر قانون ماساتشوستس أيضاً إلى ما إذا كان المرض قد أفقد المتهم قدرة جوهرية على تقدير خطأ سلوكه أو التحكم فيه.
السؤال الذي سبق الجريمة
وسط الخيوط التي تصل أندريا بليندسي، يبقى أكثرها غرابة ذلك الذي بدأ قبل سنوات من مقتل أطفال كلانسي، عندما كانت ييتس بالنسبة إليها مجرد اسم في قصة سمعتها من زميلة أثناء عملها في التمريض.
وبحسب شهادة مارغريت هامب أمام المحكمة، كانت تتحدث مع كلانسي عن الصحة النفسية أثناء الحمل وما بعد الولادة عندما سألتها إن كانت تعرف قصة أندريا ييتس. لم تكن قد سمعت بها، فروت لها هامب قصة الأم التي أغرقت أطفالها الخمسة في حوض الاستحمام عام 2001.
بكت كلانسي وهي تسمع ما حدث، ثم سألت "كيف يمكن لأم أن تؤذي أطفالها؟"، وبعد أكثر من عقدين على جريمة أندريا، عاد سؤال ليندسي ليتردد على ألسنة كل من شاهد أو سمع بقصتها حول العالم، بعدما أصبح اسم المرأة التي طرحته يوماً عنواناً لمأساة شبيهة.