ملخص
تتقلد إثيوبيا رئاسة مجلس السلم والأمن الأفريقي في خطوة تؤكد ما يمثله السلم والأمن من عبء أفريقي يوظف الاتحاد الأفريقي تجاهه قدرات الدول الأعضاء ضمن تجاربها ومرئياتها، فهل تفلح الرئاسة الإثيوبية في رسم برامج تسهل الحلول للمشكلات الأفريقية بخلفيات تجاربها وهمومها التي تعانيها هي الأخرى؟
تولت إثيوبيا مطلع الشهر الجاري رئاسة مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي، وهي المرة الأولى التي تترأس فيها المجلس منذ انضمامها إليه مجدداً في أبريل (نيسان) عام 2025. وبدأت مجريات رئاسة جدول أعمال المجلس في السابع من أبريل الجاري ضمن تدشين رسمي برفع العلم الإثيوبي، وهو البروتوكول ذاته المتبع في الترحيب الرسمي من الاتحاد بالأعضاء المنتخبين حديثاً في المجلس.
خلال فترة رئاستها، من المؤمل أن تقود إثيوبيا المداولات حول قضايا السلام والأمن في القارة، وترتيب المحادثات حول الأوضاع الخاصة بالدول والقضايا الأوسع المؤثرة في استقرار القارة الأفريقية. ويعد مجلس السلام والأمن الذي تأسس عام 2004 ضمن آليات الاتحاد الأفريقي، الهيئة المركزية للاتحاد المعنية بمنع النزاعات وإدارتها والعمل على حلها.
وانضمت إثيوبيا إلى المجلس منذ تأسيسه عام 2003، وشغلت عضوية المجلس لأربع دورات سابقة، وكانت استبعدت منه عام 2022 (عادت عضويتها له مجدداً في 2025) لأسباب مرتبطة بعوامل سياسية وقانونية داخل الاتحاد الأفريقي، من بينها حرب تيغراي (2020– 2022) وما أثارته من انتقادات واتهامات بانتهاك حقوق الإنسان، وبسبب ضغوط دولية وأفريقية والوضع الداخلي آنذاك رأت بعض الدول أن إثيوبيا لا تستوفي شروط عضوية مجلس السلم والأمن التي تخضع لمعايير، من بينها التزام السلم والاستقرار واحترام حقوق الإنسان، وكان إبعادها من المجلس، قبل عودتها أخيراً عام 2025، ورئاستها للمجلس حالياً لمدة شهر وفق قانونه.
وتأتي قيادة إثيوبيا في وقت لا تزال الجهود الإقليمية المنسقة ضرورية لمواجهة التحديات الأمنية الراهنة وتعزيز السلام المستدام في أنحاء أفريقيا. وإثيوبيا على رغم مواجهتها لظروف سياسية محلية ونزاع على المستوى الإقليمي، اكتسبت كثيراً من التجارب في مسار تصديها للأزمات المحلية التي تديرها بحكمة، ويتمثل ذلك في تبنيها نهج الحوار الوطني الإثيوبي منذ عام 2023. وكان رئيس لجنة الحوار مسفين أرايا صرح إلى وكالة الأنباء الإثيوبية بأن "بدء حوار وطني إثيوبي شامل يمتلك القدرة على ترسيخ ثقافة التشاور في البلاد يُعدّ بحد ذاته إنجازاً كبيراً لإثيوبيا وللجنة الحوار الوطني".
ركيزة أساسية
رئيس أمانة هيكل السلام والأمن في الاتحاد الأفريقي (APSA) وكبير مسؤولي حقوق الإنسان في إدارة الشؤون السياسية السفير صلاح حماد يقول إن مجلس السلم والأمن الأفريقي (PSC) هو الجهاز الدائم لصنع القرار داخل الاتحاد الأفريقي، والمسؤول الأول عن منع النزاعات وإدارتها وتسويتها في القارة السمراء. وتأسس عام 2003 كبديل لآلية منظمة الوحدة الأفريقية السابقة، ليكون ركيزة أساسية في ما يُعرف بـ"بنية السلام والأمن الأفريقية" (APSA).
ويوضح أن الدور المنوط بالمجلس الإنذار المبكر والدبلوماسية الوقائية، أي العمل على توقع النزاعات قبل وقوعها عبر "نظام الإنذار المبكر القاري"، وإدارة النزاعات وتسويتها وقيادة جهود الوساطة وبناء السلام في المناطق المشتعلة، وأيضاً عمليات دعم السلام وتفويض ونشر بعثات حفظ سلام عسكرية ومدنية لمواجهة الأزمات، والتصدي للتغييرات غير الدستورية، وتعليق عضوية الدول التي تشهد انقلاباً عسكرياً أو تغييراً غير شرعي للحكم، ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والتنسيق القاري لمواجهة التهديدات الأمنية العابرة للحدود.
وعن نجاحات التجربة الأفريقية، يشير حماد إلى البعثات الميدانية الفاعلة، موضحاً أن "المجلس نجح في نشر بعثات استقرار رائدة مثل بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (AMISOM/ATMIS) التي أسهمت في استعادة الدولة الصومالية، والبعثة الدولية لدعم أفريقيا الوسطى (MISCA)، وعمل أيضاً على تفعيل حلول أفريقية لمشكلات القارة، مما تمثل عبر الوساطة الناجحة في أزمات كبرى مثل كينيا (2008) ونزاع السودان وجنوب السودان واتفاقات السلام في مالي وبوركينا فاسو".
ويضيف "في ما يتعلق بتعزيز الديمقراطية، أثبت المجلس حزماً في تطبيق سياسة عدم التسامح مع الانقلابات العسكرية، إذ علق عضوية دول عدة مثل مالي وغينيا والسودان للضغط من أجل العودة للمسار الديمقراطي.
وحول استقلالية التمويل، يشير حماد إلى أن "هناك تفعيلاً لصندوق السلام، وتم الوصول إلى مراحل متقدمة في تمويل عمليات السلام ذاتياً للتقليل من الاعتماد على الشركاء الدوليين".
فرصة غير مسبوقة
الباحث والكاتب في شؤون القرن الأفريقي عمار العركي يصف تولي إثيوبيا رئاسة المجلس بقوله إن "هذه الخطوة تعكس موقعها الاستراتيجي وأهميتها كأحد الأعمدة التاريخية في القارة السمراء، ورسالة المجلس تمنح أديس أبابا فرصة غير مسبوقة لتوجيه السياسات الأفريقية في الملفات الحساسة، لكنها تأتي في وقت تواجه إثيوبيا هي الأخرى تحديات داخلية كبيرة من الممكن أن تؤثر في قدرتها على قيادة أجندة أمنية قارية شاملة".
ويرجح أن "تركز إثيوبيا، بصفتها دولة ذات خبرة طويلة في إدارة النزاعات الإقليمية، على ملفات ترتبط مباشرة بمصالحها مثل القرن الأفريقي والصراع في السودان وجيبوتي وأمن البحر الأحمر. وخبرتها في الوساطات والتعامل مع النزاعات الحدودية تمنحها ميزة في صياغة برامج عملية لحل الأزمات، لكن تطبيق هذه التجارب على مناطق بعيدة من سياقها المحلي قد يكون محدوداً".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويتابع "من الناحية الرمزية، تمثل رئاسة إثيوبيا للمجلس رسالة قوية للاتحاد الأفريقي برغبة الدول الأفريقية الكبرى المؤثرة في الانضمام الفاعل إلى قضايا السلم والأمن. لكنها تختبر صدقيتها وقدرتها على العمل بنزاهة، بعيداً من التوجهات الوطنية المباشرة، خصوصاً عندما تتعلق النزاعات بالدول المجاورة أو التي لها علاقة مباشرة بمصالح أديس أبابا".
ويوضح العركي أن "نجاح الرئاسة الإثيوبية لن يقاس فقط بالقدرة على إصدار بيانات رمزية، بل بقدرتها على وضع برامج واضحة وإطلاق آليات تنفيذية قابلة للتطبيق، تحقق حلولاً حقيقية للأزمات الأفريقية. والرهان الأكبر سيكون على أن توازن أديس أبابا بين مصالحها الوطنية والتزاماتها القارية، لتكون مثالاً حقيقياً لدور الدول الأفريقية في تعزيز السلم والأمن في القارة".
كثير من الأعباء
من جهته يقول المتخصص في الشؤون الأفريقية يوسف ريحان إن "مجلس السلم والأمن معني بفض النزاعات في القارة التي تشهد حروباً ضمن مناطق عدة أبرزها الحرب الدائرة في جنوب السودان، وكذلك حرب السودان منذ أبريل عام 2023 التي أدت إلى مقتل عشرات آلاف العسكريين والمدنيين ونزوح أكثر من 12 مليوناً داخل السودان وخارجه في ما اعتبر أسوأ أزمة إنسانية في العالم.
وليس السودان وحده الذي يشهد أزمات وإن تربع على قمتها، وفق ريحان، فـ"هنالك دول أخرى تشهد نزاعات متكررة تخف أحياناً لتعود أكثر حدة من سابقتها، كما في الكونغو أو في إثيوبيا، أو التي يخلقها نشاط الجماعات المتطرفة في غرب أفريقيا ووسطها جنوب الصحراء. ويمكن أن نعزو ذلك إلى أسباب عدة من أهمها عدم استقرار النظم الحاكمة وتعدد الانقلابات وضعف الإمكانات، مما يجعل الأرضية خصبة لإنتاج بيئة نزاع تكتسب ديمومتها من ديمومة الهشاشة السياسية والأمنية والاقتصادية".
ويضيف أن "رئاسة إثيوبيا للمجلس حالياً تلقي عليها كثيراً من الأعباء والمسؤوليات، وهي فرصة لتبذل مزيداً من الجهود لتسوية النزاعات في القارة الأفريقية وفي مقدمتها نزاع السودان الذي يؤثر فيها. ولتحقيق الوظيفة لا بد من الفهم الصحيح للنزاعات وتصنيفها كونها بين طرفين أحدهما يمثل شرعية الدولة والآخر متمرد عليها، وهذا التوصيف لا يعني غبن حق الطرف المتمرد على النظام الشرعي، مع ضرورة الوقوف على مطالبه الموضوعية ودراسة الدواعي التي قادته إلى ذلك، لإيجاد وصفة علاجية للأزمة الماثلة من الجذور بمساعدة الساحة الداخلية والنظام الحاكم، والوصول إلى سلام عادل من دون تدخل يبحث عن مصالح سياسية ومكاسب بوجهة استغلالية".
ويشير ريحان إلى أنه "في حيثيات تحقيق الشفافية تجاه القضايا والمصالح الأفريقية للدول، لا بد من تطوير آليات فض النزاعات في القارة وانتهاج الاتحاد سياسة المحافظة على مؤسسات الدول وأنظمتها القائمة، وعدم دعم التمرد عليها بأية صورة، وممارسة ضغوط جماعية على المتمردين وفق رؤية موضوعية مدروسة ومحيطة بكل عناصر الأزمة الماثلة، وإذا نجحت هذه الآليات في منطقة ما، فيمكن تعميمها في مناطق أخرى من القارة".
ويتابع أن "عظم المسؤولية يأتي من ضخامة الأعباء وتعددها وتعقيدها في قارة تمثل فيها النزاعات المسلحة نسبة تفوق 40 في المئة من نزاعات العالم. لذلك فعلى مؤسسات الاتحاد الأفريقي والآليات المنبثقة منه تحدي تغير الصورة النمطية عن القارة بأنها قارة النزاعات، ولن يتأتى ذلك بضربة لازب وإنما يحتاج الأمر إلى مزيد من الوقت، مع التدرج في معالجة الأزمات وصولاً إلى حلول شاملة تخلق الحد الأدنى من ظروف العيش الكريم لقارة عانت كثيراً".
الفقر هو المحرك
الأستاذ المتخصص في الشؤون الدولية علي حسين يمر يقول إن تولي إثيوبيا رئاسة مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي "يأتي في توقيت صعب ومناخ سياسي بالغ التعقيد، ولا يمثل فقط إجراء بروتوكولياً، بل إنه اختبار حقيقي لقدرة الدولة التي تستضيف مقر الاتحاد في الفصل بين أجندتها الوطنية والسلم القاري. فهل تنجح أديس أبابا في توظيف تجاربها الداخلية المريرة لرسم خريطة طريق تخفف من حدة النزاعات والأزمات القارية، لنحاول الإجابة عن هذا السؤال في أربعة محاور أولاً، الأهمية الاستراتيجية للرئاسة الإثيوبية، إذ تمتلك أديس أبابا رصيداً تاريخياً ودبلوماسياً يجعل لرئاستها المجلس أبعاداً خاصة. وثانياً، كونها دولة مقر الاتحاد يجعل لرئاستها دفعة معنوية لمفهوم الحلول الأفريقية للمشكلات القارية. وثالثاً، الخبرة الميدانية، إذ تُعد إثيوبيا من أكبر الدول المشاركة في قوات حفظ السلام في أفريقيا والعالم، مما يمنحها خبرة عسكرية وعملية. وأخيراً تُضاف إلى ذلك هموم الداخل في معاناتها من نزاعات أهلية وما تواجه من تحديات حدودية بما يجعلها أكثر تفهماً لجذور الأزمات الأفريقية وقضايا الهوية وتقاسم الموارد والتحول الديمقراطي".
ويشير إلى أن "من المنتظر أن تقوم إثيوبيا بدور تيسيري في ملفات مكافحة الإرهاب والتطرف بمنطقة القرن الأفريقي بامتلاكها خبرة طويلة في مواجهة الجماعات المتطرفة، ودورها في الرئاسة قد يركز على تعزيز التعاون الاستخباراتي بين الدول الأعضاء. ويضاف إلى ذلك ما تضطلع به الرئاسة الإثيوبية لجهة الدفع نحو تفعيل آليات الإنذار المبكر لمنع حدوث الانقلابات العسكرية التي باتت تهدد استقرار القارة، بخاصة في منطقة الساحل الأفريقي".
ويضيف يمر "ثم يأتي الملف الثالث في الربط بين التنمية والسلم بناء على نموذج التنمية الذي تتبناه إثيوبيا، حيث تسعى إلى إقناع المجلس بأن الفقر هو المحرك الأساس للنزاعات، بالتالي توجيه الجهود نحو المشاريع التنموية العابرة للحدود لإحلال الاستقرار وتحقيق السلام. وهذه نماذج لما يمكن أن تقوم به إثيوبيا في دورها المنتظر تجاه القارة الأفريقية خلال مدة رئاستها لمجلس السلم والأمن، وهو دور وظيفي يستجلي ويوظف خبرات الدول الأفريقية تجاه المشكل القاري".