Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

النزعة الإنسانية لدى 3 نهضويين أوروبيين: مونتاني يكتشف الآخر (3)

المفكر الفرنسي لم يزر البرازيل لكنه تعرف في مجاهلها على الإنسان ودعا إلى التعايش معه

ميشال دي مونتاني (الموسوعة البريطانية) 

ملخص

ما هو كتاب "المقالات" هذا، وهل ينطبق عليه التوصيف الفرنسي الذي غالباً ما يرد أنه النتاج الكبير لصاحبه، باعتباره الأكثر إنسانية بين المفكرين الفرنسيين؟ الحقيقة أن هذا التوصيف لا يفتقر إلى الصحة حتى وإن كان الأمر، في نظر المراقبين، يحتاج إلى قدر من التحفظ. فالإنسانية هنا لا تعني فقط التعاطف أو النزعة الأخلاقية، بل تشير كما الحال في حديثينا السابقين عن إيرازموس وتوماس مور، إلى موقف فكري متكامل يقوم على قبول ضعف الإنسان والاعتراف بتناقضاته والامتناع عن إصدار أحكام نهائية، وبهذا المعنى يبدو مونتاني بالفعل حالة فريدة.

نعرف أن المفكر الفرنسي ميشال دي مونتاني (1533 - 1592) لم يزر البرازيل، لكنه إذ قرأ عنها وعن سكانها البدائيين في نصوص مواطنه وسلفه المستكشف والرحالة الكبير جان دي ليري وانفتح من خلاله وخلالهم على مجال تفهم الكائن البشري، عرف كيف يجعل مكاناً حتى لمن سماهم "أكلة لحوم البشر" في الحياة الاجتماعية.

فبالنسبة إليه، وفي فكرة سبقت مواطنه الآخر كلود ليفي ستروس بمئات السنين، لا يكتمل وجودنا في هذه الحياة الدنيا، إلا بالانفتاح على ذلك الآخر، وتفهم كينونته واحتياجاته. وذلك هو على أية حال المعنى الأكثر وضوحاً للتعايش مع بقية الذين يشاركوننا العيش على وجه البسيطة. وهي الفكرة التي نجدها منتشرة في معظم فصول بل صفحات كتاب مونتاني الأساسي المعنون بكل بساطة "المقالات"، وهو السفر الذي بدأ المفكر تدوين صفحاته في عام 1570، ما أن تخلى عن عمله السياسي معتكفاً في قصره الكبير لينشره للمرة الأولى بعد ذلك بـ10 سنوات فيصبح واحداً من الكتب الأساسية في نشر الفكر الإنساني ليس في فرنسا وحدها بل في عموم أوروبا.

ولئن كان مونتاني قد أمضى بقية سنوات حياته وهو يعدل في الكتاب ويضيف إليه بحيث سيصدر منه في عام 1588 طبعة ثانية يزيد عدد صفحاتها كثيراً عن الأولى، كما أن طبعة لاحقة ستصدر تحت إشراف "ابنته" ماري دي كورناي، بعد موته بثلاث سنوات، أما النسخة التي اعتمدت لاحقاً فهي تلك التي انطلقت من طبعة عام 1588 لتضاف إليها تعديلات وتنقيحات ظل المفكر يشتغل عليها حتى الأيام التي سبقت موته وتولى بنفسه إرسالها لتحفظ في المكتبة البلدية في مدينته بوردو. ولعل ما ينبغي ملاحظته هو أن تلك الطبعة / الوصية الأخيرة تتضمن إضافات نهائية تتعلق بما دونه مونتاني خلال رحلات أوروبية قادته عند بدايات العقد الأخير من حياته إلى مناطق عدة من أوروبا وصولاً إلى روما.

حالة فريدة

ولكن ما هو كتاب "المقالات" هذا وهل ينطبق عليه التوصيف الفرنسي الذي غالباً ما يرد أنه النتاج الكبير لصاحبه باعتباره الأكثر إنسانية بين المفكرين الفرنسيين؟ الحقيقة أن هذا التوصيف لا يفتقر إلى الصحة حتى وإن كان الأمر، في نظر المراقبين، يحتاج إلى قدر من التحفظ. فالإنسانية هنا لا تعني فقط التعاطف أو النزعة الأخلاقية، بل تشير كما الحال في حديثينا السابقين عن إيرازموس وتوماس مور، إلى موقف فكري متكامل يقوم على قبول ضعف الإنسان والاعتراف بتناقضاته والامتناع عن إصدار أحكام نهائية، وبهذا المعنى يبدو مونتاني بالفعل حالة فريدة.

ففي كتابه الأساس "المقالات" لا يقدم كاتبنا هذا نسقاً فلسفياً مغلقاً كما سنجد لاحقاً عند ديكارت، أو رؤية أخلاقية صارمة على طريقة مواطنه الآخر، بليز باسكال. بل بدلاً من ذلك نجده يكتب عن نفسه، عن عاداته ومخاوفه وأمراضه وصداقاته وحتى عن تقلبات مزاجه، وللوهلة الأولى قد يبدو هذا ضرباً من النرجسية.

لكنه في الحقيقة رهان فلسفي عميق: فحواه أن معرفة الإنسان تبدأ من معرفة الذات، بوصفها نموذجاً إنسانياً لا استثناء متفرداً. إن إنسانية مونتاني تنطلق أولاً من شكه، هو لا يثق باليقينات الكبرى، ولا في الادعاءات التي تزعم امتلاك الحقيقة، بل أن شعاره المضمار ليس إلا: "ماذا تراني أعرف؟".

بيد أن هذا الشك ليس لدى مونتاني شكاً سلبياً بل هو يفتح الباب للتسامح، فأنت حين تدرك حدود معرفتك، تصبح أقل نزوعاً إلى إدانة الآخرين، لذلك نجد مونتاني يدافع عن الشعوب المعتبرة "بدائية" في نصه الشهير عن "أكلة لحوم البشر" لا بوصفهم مثالاً يحتذى، بل بوصفهم مرآة تكشف عن نسبية قيمنا نحن الخاصة.

 

الجسد والحياة اليومية

في المقام التالي تظهر إنسانية كاتب "المقالات" في مواقفه من الجسد والحياة اليومية، وذلك بخلاف تقاليد فكرية وممارسات فلسفية كثيرة تميل عادة إلى احتقار الجسد أو تجاوزه، إذ إن مونتاني يعيد الاعتبار للتجربة المعيشية: الأكل، والمرض، والنوم، والشيخوخة. هو لا يرى في هذه الأمور شيئاً دنيئاً أو مبتذلاً بل جزءاً من كرامة الإنسان، إنه يقبل الإنسان كما هو، لا كما ينبغي أن يكون.

وبعد ذلك ثمة بالنسبة إلى مونتاني بعد مهم يكمن في رفضه الحروب الدينية في فرنسا، وينتهي به الأمر إليه، وهو الذي عاش في زمن تلك الحروب الدينية في بلاده، إلى الدعوة للاعتدال والتسامح. صحيح أنه لم يكن بطلاً ثورياً، لكنه كان مفكراً يراهن على التهدئة وعلى الإصغاء وعلى فهم الآخر وتفهمه. إن هذه النزعة قد تبدو "أقل بطولية مما ينبغي"، لكنها في الواقع أكثر إنسانية لأنها تضع حياة البشر فوق انتصارات العقائد والأفكار التجريدية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

والحال أن هذه السطور الأخيرة تعيدنا هنا لسؤالنا الأول: هل كان مونتاني الأكثر إنسانية؟ إن ثمة في الفكر الفرنسي، وغير الفرنسي، ما من شأنه أن يجادل بأن مفكرين فرنسيين آخرين - جان جاك روسو على سبيل المثال - قدموا بدورهم رؤى إنسانية لا تقل عن إنسانية أفكار مونتاني ولكن بطريقة مختلفة. طريقة أكثر عاطفية واحتجاجاً على ما هو سائد، لكن الفرق يكمن في أن مونتاني لم يزعم أبداً أنه يسعى إلى تغيير العالم بقدر ما يسعى إلى فهمه والتعايش معه.

ومن هنا يمكننا أن نقول إن إنسانية مونتاني تتجلى في بساطتها المراوغة: أن تكون إنساناً يعني أنك تقبل نواقصك، وأن تظل في حالة بحث متواصل، وأن تنظر إلى الآخرين بعين الشك المتواضع، لا اليقين المتعالي. وهذا ما يجعل "المقالات" إلى جانب مديح إيرازموس للجنون و"يوتوبيا" توماس مور، عملاً حياً حتى اليوم وبخاصة لأنه لا يقدم أجوبة جاهزة، بل يعلمنا كيف نعيش مع الأسئلة ونتعامل معها.

وبقي أخيراً أن نذكر بأن ميشال دي مونتاني قد ولد في منطقة البيريغور، ولقد وفر له أبوه الذي كان رجل علم وسياسة، تعليماً إنسانياً وبخاصة من خلال تدريسه اللاتينية بطريقة حية. في بداية حياته العملية اشتغل الشاب في القضاء ثم انتخب نائباً عن منطقته، في برلمان مدينة بوردو حتى التقى عام 1558 بالمفكر الشاب دي لا بويسي، فارتبط معه بصداقة فكرية انتهت بموت هذا الأخير باكراً في عام 1563. وهو موت أحدث تأثيراً كبيراً في مونتاني، الذي كان منهمكاً حينها في التدخل لوضع حد للحروب الدينية المندلعة في بلاده، وهكذا كان اعتكافه وانصرافه خلال النصف الثاني من سنوات حياته لكتابة "المقالات".

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة