Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

معسكرات النزوح في تيغراي تخلط الأوراق السياسية لإثيوبيا

أحزاب الإقليم تعول على المساعدات الإنسانية والحكومة الفيدرالية تمنع جمع تبرعات الإغاثة

أحد أكثر المخيمات تضرراً يأوي نحو 150 ألف شخص، مع وجود عدد من الأشخاص الآخرين المعرضين للخطر (أ ف ب)

ملخص

يحذر عمال الإغاثة ومنظمات طبية أن محدودية الوصول إلى الغذاء والرعاية الصحية والمأوى، إلى جانب التأخير في عودة النازحون لمناطقهم، تؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية الحادة بالفعل في إقليم تيغراي.

أفاد مسؤول محلي في إقليم تيغراي الإثيوبي بأن أكثر من 1300 نازح داخلياً لقوا حتفهم جوعاً ونقصاً في الرعاية الطبية في مخيمات النازحين بإقليم تيغراي، بحسب ما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية. 

وصرح جبريسيلاسي تاريكي، مدير مكتب الشؤون الاجتماعية في الإقليم، للوكالة الفرنسية، أن 1309 أشخاص في الأقل لقوا حتفهم في مخيمات النازحين، محذراً من تدهور الأوضاع وسط تراجع المساعدات الإنسانية

وقال تاريكي "الوضع يزداد سوءاً"، مشيراً إلى انخفاض الدعم المقدم من الحكومة الفيدرالية ومنظمات الإغاثة الدولية، نتيجة الصراعات السياسية بين قيادة الإقليم والحكومة في أديس أبابا.

وأضاف أن أحد أكثر المخيمات تضرراً يأوي نحو 150 ألف شخص، مع وجود عدد من الأشخاص الآخرين المعرضين للخطر.

يأتي ذلك في ظل تصاعد التوترات في شمال إثيوبيا، فقد وردت أنباء عن اشتباكات بين القوات الفيدرالية ومقاتلي تيغراي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) ويناير (كانون الثاني) الماضيين، وفي حين اتهمت السلطات الفيدرالية جبهة تحرير شعب تيغراي بالحفاظ على علاقات مع إريتريا، تزايدت المخاوف أيضاً في شأن احتمال تصعيد التوتر بين إثيوبيا وإريتريا، حيث وردت أنباء عن حشد القوات على طول حدودهما المشتركة.

ويأتي هذا التحذير عقب دعوة فولكر تورك المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، إلى خفض التصعيد بصورة عاجلة، وحث جميع الأطراف على التحرك "قبل فوات الأوان".

وفيات يومية 

وتشير تقارير حديثة نشرتها صحف إثيوبية إلى ظروف مماثلة على أرض الواقع، ففي الـ19 من مارس (آذار) 2026، أفاد تقرير نشرته صحيفة "أديس" بوفاة ما لا يقل عن 333 نازحاً داخلياً في مخيم هيتساتس منذ مايو (أيار) 2025 بسبب الجوع ونقص الأدوية، بينما سجلت 125 حالة وفاة في مدينة عدوا منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

ووصف النازحون ومنسقو المخيمات تقلص المساعدات وتفاقم النقص واستمرار تدفق النازحين بأنها عوامل رئيسة في الأزمة، وقال أبرها مبرهتوم، منسق مركز "هيتساتس" للنازحين "الناس يموتون، بصورة مؤلمة نتيجة نقص الغذاء والدواء في حين لا يتحرك أحد". 

ويحذر عمال الإغاثة ومنظمات طبية أن محدودية الوصول إلى الغذاء والرعاية الصحية والمأوى، إلى جانب التأخير في عودة النازحون لمناطقهم، يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية الحادة بالفعل.

وتؤكد التقارير الجديدة ما ورد في تقارير سابقة لـ"اندبندنت عربية"، عن تدهور الأوضاع في مراكز النازحين في عدد من مناطق إقليم تيغراي، بما في ذلك مركز عبي عدي، إذ أفاد العائدون من السودان بانقطاع المساعدات عنهم لأشهر، إلى جانب تحذيرات دولية من وفيات ناجمة عن الجوع في معسكرات هيتساتس.

ويقول النازحون والمنسقون في هيتساتس إن الوضع ازداد سوءاً، مع تفشي الأمراض، وتراجع الدعم الإنساني، بخاصة المقدم من الولايات المتحدة الأميركية التي خفضت الموازنات المخصصة للإغاثة. 

الناس يذبلون 

من جهته دعا أبرها مبرهتوم، منسق مركز "هيتساتس" للنازحين، المنظمات الدولية إلى زيارة معسكرات النازحين، مضيفاً في حوار إذاعي أنه على رغم البدايات الجيدة التي شهدناها سابقاً، إلا أنها توقفت الآن "الناس يذبلون بأعداد كبيرة".

وأشار إلى النقص الحاد في الغذاء، وانعدام المياه النظيفة، والتعرض للحرارة الشديدة كعوامل رئيسة في انتشار الأمراض، وقال "منذ انتقالنا إلى هذا الموقع، توفي عشرات الأشخاص، والوضع العام مزر"، مضيفاً أن السكان يعيشون تحت أغطية بلاستيكية ممزقة منذ ثلاث سنوات من دون مأوى مناسب أو كهرباء.

ووفقاً لأبرها، يستضيف المركز 4856 أسرة، أي ما يقارب 16650 شخصاً، وهو رقم في ازدياد مستمر مع وصول وافدين جدد من السودان وغرب تيغراي، وقال "يصل خمسة أو ستة أشخاص يومياً"، مشيراً إلى أن معظمهم يأتون من منطقتي أديباى وفرسلام، ولا أحد يغادر".

 

 

وأضاف المتحدث أن تراجع المساعدات وعدم تهيئة العودة الطوعية يؤججان الوضع، كاشفاً عن أن حصص الإعاشة انخفضت من 15 كيلوغراماً إلى 12 كيلوغراماً، ومع عدم الاستقرار السياسي، يعيش الناس في قلق بالغ من حرب وشيكة قد تقع في أي وقت، لا سيما وأن الحملات الاعلامية مستمرة بين الأطراف. 

وربط المتحدث استمرار النزوح بتأخير تنفيذ اتفاق بريتوريا، الموقع في نوفمبر 2020 بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير تيغراي، التي كان من المفترض أن تسهل عودة النازحين لقراهم، مشيراً إلى أن وعود الاتفاق لا تزال في مهب الريح.

وأضاف أن خدمات الرعاية الصحية المجانية قد توقفت، تاركة الفئات الضعيفة من دون علاج، "لا يستطيع كبار السن ومن يعانون مشكلات نفسية الحصول على الدواء، من المحزن رؤية الناس يموتون بسبب أمراض يمكن علاجها".

وقال "لا نعلم إن كانت المساعدات ستستمر الشهر المقبل"، محذراً من أن استمرار المعاناة قد يدفع الشباب إلى الهجرة عبر طرق خطرة، كما قد يدفع بهم الى الانضمام لميليشيات مسلحة تحارب الحكومة المركزية. 

تدخل إنساني عاجل 

من جهة أخرى يرى منسقو الإغاثة إن حجم النزوح في مدينة عدوا يرهق الأنظمة الهشة أصلاً، وقال أبرها جبريسيلاما، منسق مراكز النازحين في عدوا، "يوجد في عدوا ما يقارب 115 ألف نازح موزعين على ستة مراكز، والأوضاع الغذائية متردية للغاية"، وكشف عن وجود تأخيرات في إيصال المساعدات وارتفاع معدلات الوفيات، لا سيما بين المصابين بأمراض مزمنة.

وأضاف جبريسيلاما "لا توجد مساعدات في مجال الملابس أو النظافة الشخصية، الغذاء والمأوى والرعاية الصحية هي أكبر أزماتنا".

وتعكس هذه الشهادات الأخيرة نمطاً موثقاً عن تقلص المساعدات، وتضاعف العوائق التي تحول دون العودة الآمنة للنازحين الذين يطالبون بتدخل إنساني عاجل، واستعادة الخدمات الأساسية، وإحراز تقدم نحو حلول مستدامة، بما في ذلك العودة الطوعية لديارهم.

الأحزاب والمنظمات تحذر 

وعقب هذه التقارير، أصدرت أحزاب سياسية عدة ومنظمات مجتمع مدني وجماعات مناصرة نداءات عاجلة، محذرة من تفاقم الأزمة الإنسانية في هيتساتس ومواقع النزوح الأخرى في تيغراي. 

وأعرب حزب "سالساي وياني" التيغراوي المعارض، عن استنكاره من صمت الحكومتين في أديس أبابا وتيغراي جراء الأزمة الإنسانية التي تضرب معسكرات النازحين، مشيراً إلى أن الصراعات السياسية بين قيادة الإقليم والحكومة الفيدرالية تعزز من تجاهل المجتمع الدولي للوضع الانساني في تيغراي، مؤكداً أن الطبقات الأكثر بؤساً تدفع أثمان الخلافات السياسية.

وأعرب الحزب عن معارضته لمصادرة أموال ومساعدات إغاثية جمعت من الناشطين عبر إحدى المنصات على شبكة الإنترنت لصالح النازحين داخلياً في مركز "هيتساس" بإقليم تيغراي، محذراً من أن ذلك قد يسهم في تفاقم النقص الغذائي بين النازحين.

وذلك إثر صدور قرار من اللجنة الإثيوبية لإدارة أخطار الكوارث، الذي يجرم أي نشاط لجمع التبرعات خارج النظام الحكومي المعتمد، وأن ذلك يعد غير مقبولاً ويخضع للمساءلة القانونية، مما أدى إلى مصادرة بعض التبرعات للإثيوبيين المقيمين بالخارج. 

فيما حذر حزب "بايتونا" من أن استمرار الأزمة الإنسانية في معسكرات النازحين قد تقود إلى "ثورة الجياع " بإقليم تيغراي، مما يسهم في عودة الفوضى ونذر الحرب مجدداً إلى الإقليم الذي لم يتعاف بعد تداعيات حرب (2020/2022). 

وحمل الحزب حكومة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد مسؤولية استمرار الأزمة في تيغراي كنتيجة مباشرة لعدم الالتزام بمقررات اتفاق بريتوريا للسلام، التي تضع مساراً واضحاً لعودة النازحين وطي صفحات الحرب وتداعياتها الإنسانية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقال الحزب إن التنصل من مقررات بريتوريا، واتخاذ قرارات أحادية في شأن خفض الموازنة المقررة للإقليم، يعدان أسباباً مباشرة لاستمرار المأساة الإنسانية في الإقليم المنكوب أصلاً. 

من جهتها أصدرت الجمعية العالمية لعلماء ومهنيي تيغراي (GSTS) نداء مشترك موجه إلى كبار مسؤولي الأمم المتحدة، والوكالات الإنسانية الرئيسية، والحكومات المانحة، بأن النازحين داخلياً في هيتساتس ومخيمات أخرى "يموتون بالفعل من الجوع وسوء التغذية والأمراض التي يمكن الوقاية منها".

ودعت الجمعية إلى زيادة فورية في المساعدات الغذائية والطبية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية من دون عوائق، وتعزيز التنسيق الدولي لتجنب ما وصفته بخسائر فادحة في الأرواح.

أديس تندر 

وفي السياق قال مفوض اللجنة الإثيوبية لإدارة أخطار الكوارث، شيفيراو تيكليماريام، إن جميع أشكال الدعم يجب أن توجه عبر إطار إدارة الكوارث الحكومي، المنصوص عليه في إعلان إدارة أخطار الكوارث، وأكد المفوض أن "الإجراءات التي تتم خارج النظام الحكومي المعتمد، سواء أكانت فردية أم جماعية، غير مقبولة ويعاقب عليها القانون"، وأضاف أن المساعدات الإنسانية لا تقدم إلا من خلال المفوضية نيابة عن الحكومة.

وتابع المتحدث "مزاعم حرمان النازحين داخلياً في مخيم هيتساتس من المساعدات، عار من الصحة"، مؤكداً أن لجنته تقدم المساعدات الغذائية بالقدر المتاح ومن دون انقطاع"، وشدد على أن السلطات الفيدرالية أولت الأولوية للنازحين في الملاجئ الموقتة، بما في ذلك هيتساتس، واصفاً التقارير المخالفة بأنها "غير صحيحة" ولا تعكس الأوضاع في المخيم.

وأظهرت السجلات استمرار عمليات التوزيع من دون انقطاع، مشيراً إلى أن انخفاض الدعم الانساني المقدم من المنظمات الدولية أثر بصورة كبيرة في جهود الحكومة في إيصال المساعدات. 

وأوضح المتحدث أن الأزمات التي يشهدها العالم تنعكس بصورة سلبية على إثيوبيا عموماً وإقليم تيغراي بصورة خاصة، مشيراً إلى أن نقص الوقود فاقم بصورة كبيرة الاستجابة للاحتياجات الإنسانية في تيغراي، مما حد من توزيع المساعدات المتاحة، وأضاف "لا نستطيع توزيع حتى الموارد المحدودة المتوفرة لدينا بسبب نقص الوقود"، مشيراً إلى أن حصة تيغراي من الوقود انخفضت إلى 1.2 مليون لتر بعد أن كانت 15 مليون لتر. 

وأكد أنه في ظل تغير الأولويات الإنسانية على المستوى العالمي، يظل الحل الأمثل والأكثر استدامة هو عودة النازحين داخلياً لديارهم.

كرت للضغط السياسي 

بدوره يرى المتخصص في الشأن التيغراوي محاري سلمون أن القرارات الأخيرة التي اتخذتها اللجنة الإثيوبية لإدارة أخطار الكوارث في شأن تجريم جمع التبرعات للنازحين الذين يواجهون الموت الناجز في المعسكرات، تشير بصورة واضحة لواقع 

التوترات القائمة بين الإقليم والحكومة المركزية، موضحاً أن أديس أبابا تسعى إلى توظيف الاحتياجات الإنسانية الواسعة النطاق التي لم تلب في تيغراي كجزء من أدوات الضغط على الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي التي تدير الإقليم. 

ويرجح المتحدث أن حكومة آبي أحمد تقدر أن تفاقم الأزمات الإنسانية في الإقليم سيعجل من ثورة التيغراويين ضد الجبهة الحاكمة، مما سيوفر على الجيش الإثيوبي المنهك في حربه بإقليم الأمهرة، مشاق فتح جبهة جديدة في تيغراي بغرض إسقاط الجبهة الحاكمة.

ويرى سلمون أن هذه السياسات ليست سلوكاً جديداً على حكومة آبي أحمد، إذ سبق واستخدم ذات الحيلة، مستشهداً بتقرير اللجنة الدولية للتحقيق في الإبادة الجماعية بتيغراي (CITG) الصادر في أغسطس (آب) 2025، الذي أشار إلى أن الحكومة المركزية تعمدت استخدام الاحتياجات الإنسانية لـ92 مركزاً لإيواء النازحين، كوسيلة ضغط سياسي ضد خصومها، وذلك بحرمان النازحين من الحصول على الأغذية والدواء من خلال إتاحة ممرات آمنة.

وأضاف سلمون أن تقرير اللجنة الدولية تضمن أدلة دامغة لتعرض المعسكرات بما في ذلك مركز هيتساتس إلى الحرمان من الغداء مما أدى إلى وفاة 325 حالة خلال فترة التقييم، كما وثق التقرير حالات إصابات جسدية واختفاء قسري، وحرمان ممنهج من الاحتياجات الأساسية، فضلاً عن مساعدات غذائية غير منتظمة وغير كافية، وانعدام شبه تام لخدمات الرعاية الصحية في عدد من مواقع إيواء النازحين، بحسب ذات التقرير الدولي. 

جريمة بحق الإثيوبيين 

ويرى سلمون ان هذا السلوك المتبع من أديس أبابا يعد جريمة بحق جزء من الشعب الإثيوبي، ولا ينبغي السكوت عليه، بخاصة وأن المنظمات الدولية شاهدة عليه، مشيراً إلى أن ثمة حملة شعبية كبرى قادها الإثيوبيون والإريتريون في دول الغرب، تمكنت من جمع مبالغ كبيرة لنجدة النازحين في تيغراي، إلا أن هذه الأموال أضحت مهدده الآن بالمصادرة من حكومة أديس أبابا بخاصة بعد صدور القرارات الأخيرة من لجنة إدارة الأخطار، مما يؤكد أن أديس أبابا تتعاطى مع الأزمة الإنسانية في تيغراي باعتبارها محطة لتصفية الحسابات السياسية الضيقة مع خصومها في مقلي.

كان التفاعل الشعبي مع أزمة هيتساتس واسعاً، لا سيما بين مجموعات الشباب الداعمة للنازحين في جميع أنحاء إثيوبيا، وقال الفريق تأديسي ووريدا، رئيس إدارة تيغراي الموقتة (TIA)، إن هذا التضامن يعكس انتعاش النسيج الاجتماعي المتداعي في البلاد، في حين لا يزال مئات الآلاف يعانون ظروفاً مزرية في مخيمات النزوح.

وفي إحاطة إعلامية، أعرب تأديسي ووريدا عن تقديره للإثيوبيين والإريتريين في الداخل والخارج لدعمهم، مشيراً إلى أن جهود المتطوعين تظهر صموداً على رغم سنوات الحرب.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير