ملخص
كثف الجيش السوداني غاراته الجوية والمسيرة ضد تجمعات "الدعم السريع" في مناطق الكرمك وجنوب الإقليم، وسط أنباء عن تحرك التعزيزات نحو المدينة التي تضم مقر الفرقة الرابعة مشاة.
يشهد إقليم النيل الأزرق شرق السودان تصعيداً أمنياً غير مسبوق هو الأعنف والأخطر منذ أشهر، وذلك عقب سقوط مدينة الكرمك في يد قوات "الدعم السريع" وحليفتها الحركة الشعبية/ شمال (فصيل جوزيف توكا)، وسط مخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية على الشريط الحدودي الفاصل مع دولتي إثيوبيا وجنوب السودان المشتعل بالمواجهات، في وقت ما زالت فيه المعارك محتدمة بين الجانبين في محوري كردفان ودارفور.
وتحول الإقليم الملتهب إلى ساحة حرب جديدة في مواقع شديدة الحساسية تقترب من خزان الروصيرص المورد المائي والكهربائي الاستراتيجي قد تفرض على السودان، بحسب مراقبين، إعادة النظر في خياراته العسكرية والسياسية، بخاصة عقب تورط أطراف إقليمية في الصراع قد تدفع به إلى طاولة التوازنات الإقليمية.
عدوان عابر للحدود
في وقت تواصل فيه أديس أبابا نفي أي ضلوع لها في الهجمات، جدد بيان للجيش السوداني اتهامه لإثيوبيا التواطؤ بالسماح لانطلاق هجمات "الدعم السريع" والحركة الشعبية على الكرمك من داخل أراضيها، ومن منطقة أصوصا بإقليم بني شنقول الإثيوبي على وجه التحديد.
وجدد مسؤولون سودانيون اتهاماتهم لإثيوبيا بتبني ما وصفوه بـ"عدوان منظم عابر للحدود"، لافتين إلى "رصد جوي عبر الأقمار الاصطناعية يؤكد وجود معسكرات تدريب لقوات (الدعم السريع) قرب مدينة أصوصا في ذات الإقليم الإثيوبي، حيث جرى نقل أعداد كبيرة من عناصر الميليشيات ومقاتلي الحركة الشعبية لتدريبهم هناك".
توسع وتقدم
وبغرض توسيع عملياته العسكرية جنوب وشرق وغرب الدمازين عاصمة الإقليم، يحشد تحالف "الدعم السريع" والحركة الشعبية/ شمال، قواته في اتجاه محافظة قيسان الحدودية مع إثيوبيا، بعد سيطرته على مدينة الكرمك، كما شنت هجمات مسيرة على منطقة سالي القريبة من مدينة الدمازين.
وأعلنت تلك القوات مواصلة الزحف نحو مدينة الدمازين عاصمة الإقليم بعدما تقدمت نحو ثلاث مناطق أخرى هي مقجة ومدو وبالدقو بمحافظة باو، عقب إكمال سيطرتها على مدينة الكرمك الاستراتيجية الحدودية مع إثيوبيا.
وفيما نفت سلطات محافظة باو التي تتوسط المنطقة بين الكرمك والدمازين، الأنباء التي تحدثت عن سقوط المدينة، أكدت استقرار الأوضاع الأمنية داخل حدود المحافظة حتى الآن.
غارات وتصدٍّ
في المقابل كثف الجيش السوداني غاراته الجوية والمسيرة ضد تجمعات "الدعم السريع" في مناطق الكرمك وجنوب الإقليم، وسط أنباء عن تحرك التعزيزات نحو المدينة التي تضم مقر الفرقة الرابعة مشاة.
وأعلن الناطق الرسمي باسم قوات العمل الخاص بالجيش السوداني محمد ديدان بدء استعادة الجيش لزمام المبادرة في عدد من المحاور، وتنفيذ عمليات نوعية أسفرت عن تراجع قوات "الدعم السريع" من مواقع استراتيجية، بينما ما زالت العمليات العسكرية مستمرة بوتيرة متصاعدة، تكبد خلالها العدو خسائر كبيرة بالقوات المعادية، سواء على مستوى الأفراد أو العتاد.
تهديد الدمازين
وتكمن أهمية مدينة الكرمك 136 كيلومتراً من العاصمة الإقليمية الدمازين، كونها بوابة تجارية وعسكرية حيوية تربط السودان بإثيوبيا، وتمثل صمام أمان متقدم لخزان الروصيرص ذي الأهمية الاقتصادية القصوى في مجالي توليد الكهرباء وضبط تخرين وتصريف مياه النيل الأزرق، مما يوفر ورقة ضغط كبيرة في مواجهة الحكومة السودانية حال السيطرة عليه.
إزاء سقوط مدينة الكرمك وإعلان الدعم السريع سيطرتها على منطقة (مقجة) وتقدمها نحو العاصمة الدمازين، عقدت لجنة الأمن بالإقليم اجتماعاً برئاسة الحاكم الفريق أحمد العمدة بادي، حاكم الإقليم، أكدت فيه استقرار الأوضاع بجميع المناطق الحدودية المجاورة لدولتي جنوب السودان وإثيوبيا، وأعلن حاكم الإقليم عن مساعٍ متصلة لبسط السيطرة على كافة المناطق الحدودية حتى يتمكن المواطنون من العودة والاستقرار ومباشرة أنشطتهم الطبيعية.
تدابير أمنية
وأصدر حاكم إقليم النيل الأزرق الفريق أحمد العمدة قراراً بتعديل ساعات حظر التجوال ليبدأ من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحاً بالتوقيت، وحظر القرار استخدام الدراجات النارية (المواتر) داخل حدود الإقليم.
وقال العمدة إن الأوضاع الأمنية في الإقليم مطمئنة، والجيش لا يزال ممسكاً بزمام المبادرة في مواجهة أي تهديدات، وإن الأجهزة الأمنية والعسكرية تواصل انتشارها في المناطق الحيوية، مع اتخاذ تدابير احترازية لتعزيز الاستقرار وحماية المواطنين.
نزوح واسع
تسببت المواجهات الأخيرة في موجة نزوح واسعة، حيث فرت أسر يقدر عددهم بنحو 433 أسرة تضم أكثر من 73 ألف شخص من قرى بكاملها ومناطق محافظة الكرمك وجنوب الإقليم باتجاه مدينة الدمازين في ظروف إنسانية صعبة.
وفق محافظ الكرمك عبدالعاطي الفكي، فإن معظم الأسر الفارة تمكنت من الوصول إلى منطقتي دندرو وسالي الواقعتين شمال المحافظة، في ظل أوضاع إنسانية صعبة تتطلب تدخلات عاجلة، بينما عبر بعض المواطنين الحدود إلى داخل الأراضي الإثيوبية.
وبحسب مصادر إنسانية، فقد تأثرت حركة التجارة والأنشطة الزراعية في بعض المناطق نتيجة المخاوف الأمنية وإغلاق الطرق، وتحولت عشرات القرى المستهدفة إلى مناطق غير آمنة للعيش في الوقت الراهن، مشيرة إلى أن عشرات الأسر الفارة من الكرمك تهيم على وجهها سيراً على الأقدام وعلى ظهور الدواب بغرض الوصول إلى مدينة الدمازين. وأكدت أنها تعمل مع الجهات المتخصصة لتقديم الدعم اللازم للنازحين، وتأمين حاجاتهم الأساسية من الغذاء والمأوى والرعاية الصحية.
عزل الإقليم
على نحو متصل رأى الباحث والمراقب العسكري ضوالبيت الدسوقي، أن أي تقدم لقوات "الدعم السريع" في جبهة النيل الأزرق في هذا التوقيت، ليس مجرد توسيع للنطاق الجغرافي للحرب، بل هو يحقق لها مكاسب عسكرية استراتيجية، أبرزها عزل إقليم النيل الأزرق عن ولايتي سنار والقضارف، مما يضيق الخناق على الجيش في شرق السودان ويقطع عنه طرق الإمداد الحيوية.
لفت الدسوقي إلى أن السيطرة على مدينة الكرمك الحدودية لها بعدها العسكري المهم بوصف المدينة حلقة وصل مهمة للإمدادات في شأنها أن تمنح قوات "الدعم السريع" وحليفتها الحركة الشعبية (فصيل جوزيف توكا) ميزة لوجيستية كبيرة، وتوفر لها عمقاً استراتيجياً ومنفذاً للإمدادات مع تأمين ظهرها بالحدود الدولية، بل ربما يجبر الجيش كذلك على سحب بعض قواته من جبهات أخرى مشتعلة في كردفان ودارفور بغرض تأمين مدينة الدمازين وسد الروصيرص، حيث تحشد الآن في محاولة للتحرك صوبهما.
عدوان صريح
يرى المراقب العسكري أن "السودان مقتنع بتورط إثيوبيا بفتح أراضيها لإيواء وإسناد معسكرات "الدعم السريع" وتقديم الدعم والتسهيلات اللوجيستية، مما يمثل عدواناً صريحاً"، لافتاً الانتباه إلى أن التحركات الإثيوبية الحالية في النيل الأزرق تمس جوهر الأمن القومي السوداني.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لذلك بحسب الدسوقي، "قد لا يكتفي السودان بالردود السياسية أو الدبلوماسية في مثل هذا الوضع الحساس بكل ما له من ارتدادات خطرة قد تهدد استقرار المنطقة بأكملها على الصعيد الإقليمي بدفع العلاقات السودانية الإثيوبية إلى منعطف المواجهة المباشرة، بخاصة أن مسيرات الجيش قادرة على ملاحقة معسكرات وإمدادات (الدعم السريع) داخل الأراضي الإثيوبية".
تدخل الأصدقاء
وأشار إلى أن "الجيش السوداني سبق له أن اتخذ رد فعل عنيفاً حيال التدخل الإثيوبي إبان حرب إقليم تيغراي، فضلاً عن جبهة النيل الأزرق تزيد من احتمال التدخل المباشر لأصدقاء السودان ضد إثيوبيا، بخاصة مصر، التي تخشى أيضاً من وصول "الدعم السريع" إلى خزان الروصيرص بالإقليم النيل الأزرق، والذي يعد بدوره مساساً بالأمن القومي لها، إضافة إلى أن لها علاقات وطيدة مع الحكومة الإرتيرية وبصورة أو آخر مع جبهة تحرير تيغراي المناوئة لنظام آبي أحمد".
التورط الثاني
في السياق نوه اللواء أمين إسماعيل مجذوب، المتخصص في إدارة الأزمات بمركز الدراسات الاستراتيجية، إلى أن "هذه هي المرة الثانية التي تتورط فيها دولة إثيوبيا في فتح جبهة قتال شرق السودان خلال السنوات الـ10 الماضية".
وأشار مجذوب إلى أنه "وبالنظر إلى بعد المسافة بين إقليمي النيل الأزرق وكردفان، حيث تدور معارك مفصلية هناك، يبدو إشعال هذه الجبهة الجديدة محاولة تهدف إلى إشغال الجيش وتشتيت جهوده لمنعه من تحقيق مزيد من التقدم وتحقيق أي انتصاراًت أخرى في محوري كردفان ودارفور".
لكن إثيوبيا وفق المتخصص في الأزمات، لديها أيضاً مصالح تعتمد على دخول قوات موالية لها لتضمن وجود أراضٍ زراعية في منطقة الفشقة الخصبة أسفل سد النهضة، فضلاً عن أنها تفعل ذلك وهي محمولة أيضاً بأحلامها التوسعية ضمن محاولاتها الوصول إلى شواطئ البحر الأحمر.
وكلاء الاستعمار
على ذات الصعيد أوضح المتحدث باسم الحركة الشعبية/ شمال جناح مالك عقار، التي آل إليها حكم الإقليم حالياً، سعد محمد عبدالله أن "ما حدث هو هجوم مسلح قادته حركة جوزيف توكا وقوات (الدعم السريع) الإرهابية مسنودة بدعم من وصفهم بوكلاء الاستعمار في المنطقة، واستهدفوا محافظة الكرمك، مما أدى إلى ترويع المدنيين وتخريب الأعيان المدنية".
وأوضح عبدالله أن "حكومة الإقليم بكل مؤسساتها وطاقاتها تعمل من أجل تحرير كل شبر من أرضها وحماية شعبها، وبالطبع تقف الحركة الشعبية - شمال قيادة وعضوية مع الحكومة من خلال نضالاتها بهدف حشد الدعم السياسي والشعبي وللقوات المسلحة والمقاتلين معها، وكذلك تقديم الدعم للنازحين في كل المواقع، وتكامل هذه الأدوار سيؤدي إلى صلابة الجبهة الداخلية ومواجهة الأعداء بقوة وانتصار دولة السلام والمواطنة من دون تمييز".
تغطية الفشل
عقار قال أيضاً إنه "بعد الهزائم المتتالية التي منيت بها قوات ’الدعم السريع‘ في كل المحاور منذ تمردها على رغم الدعم والتمويل الذي تتلقاه من حكومات العدوان تسعى الآن لتغطية فشلها الذريع عبر ارتكاب مزيد من الفظائع ضد الشعب السوداني من خلال تحركات عسكرية غير محسوبة العواقب، مشيراً إلى أن الجيش والقوات المساندة له تعاملت مع الموقف باحترافية كبيرة ووفق خطط وترتيبات عسكرية دقيقة بمختلف الجبهات بغرض تقليل الخسائر في الأرواح والممتلكات وحماية الإنسان قبل كل شيء، غير أن هناك حاجة كبيرة لتقديم الدعم للنازحين".
وفي آخر عام 2020، عقب اندلاع الصراع في إقليم تيغراي الإثيوبي، خاض الجيش السوداني، معارك عديدة استعاد خلالها أكثر من 90 في المئة من أراضي الفشقة الخصبة بولاية القضارف على الحدود مع إثيوبيا تقدر بنحو مليون فدان، منهياً بذلك توغلاً إثيوبياً استمر 25 عاماً.