ملخص
تنقل أسماء الرفاعي في رواية "وصال" نموذج المرأة القوية في صعيد مصر التي تتحمل عبء الأسرة وحدها في ظل غياب الأب، وتقدم صورة واقعية لهذا العالم، مركزة على الأبعاد النفسية للشخصيات بلغة شاعرية مكثفة.
لا تنشغل رواية "وِصال" (المجلس الأعلى للثقافة – القاهرة) للروائية المصرية أسماء الرفاعي بتقديم أحداث بالمعنى الروائي التقليدي، بقدر ما تهتم برصد الحال النفسية لأبطالها، وما يخلفه الفقد من تشوهات في أرواحهم. وتنقل الرواية هذه الأبعاد عبر لغة مكثفة، تتخللها روح شعرية تشف عن الألم العميق الذي يعتري شخوص الرواية. ويتبدى ذلك من المفتتح "هناك على الأرض التي كان يغمرها الفيضان كل عام مرة، وكانت تغرق في الأحزان طوال أيام العام، علموني كيف أحزن كأني اصطفيت للحزن دون العالمين".
يتتبع السرد المونولوغي مراحل نمو الطفل الذي لا يعرف عن نفسه سوى أنه "حامد ابن وصال"، المولود في العام الثاني بعد عام النكبة. يحاول استكشاف عالم أمه الغامض وسر حزنها المزمن وسر غياب أبيه الذي لا يبعث إليهم برسائل أو أموال من غربته في السويس كما يفعل الآخرون. وكلما سأل عنه، لاحظ أن السؤال يربكها ويدخلها في نوبة من الانسحاب الصامت، "كانت تتحرك بآلية شديدة، غير منتبهة، شاردة البال، وكانت تصيبها هذه الأعراض في ما بعد كلما ذُكر أبي وسألتُ عنه" (صفحة 39).
يشكل غياب الأب المحرك الأساس لعالم الرواية، من خلال رصد أثر هذا الغياب في سلوك الأم والابن معاً. الأب الذي لم يزُر القرية إلا مرتين، في الأولى عاشر زوجته فأنجبت "حامد"، وبعد نحو خمسة أعوام عاد فحملت بأخته "تمر". حضور عابر ترك شرخاً عظيماً في نفس الطفل الذي نشأ شديد الذكاء وافر الموهبة، حفظ القرآن وتعلم القراءة قبل السابعة، وأرسل إلى المدرسة الابتدائية، حيث عانى فيها تنمّر زملائه الذين ينادونه بـ"اليتيم" معايرة له على غياب أبيه. ويمتد أثر هذا الغياب إلى الأم التي تغرق في أحزانها، وتقرر حرمان الابن من مواصلة تعليمه على رغم نبوغه، خشية أن يعيد سيرة أبيه في السفر والرحيل.
وتجعل الرواية من الشعور بالفقد المحرك لتصرفات الابن، فيذهب إلى الكتّاب صدفة لأنه تابع طفلين مع أبيهما يذهبان إلى مكان ما، فتبعهم مسحوراً بحضور الأب. وتعلم القراءة والكتابة ليتمكن من إرسال خطابات إلى أبيه الذي لا يعرف له عنواناً. ويصاحب أصدقاء أبيه ليعرف منهم سبب عزوف الأب عن القدوم إلى القرية. ويتكرر الوضع مع الأم "وصال" التي تكتم حزنها. وتدفع ابنها إلى العمل في الأراضي الزراعية خشية أن يصبح مثل أبيه، "من الطيور الشاردة التي لا تتقن بناء أعشاش أبداً". وترفض أن تفتح قلبها لابنها مخافة أن تستهويه الغربة من دون أن تعرف أنها بترك أسئلته حائرة من دون إجابة تدفعه دفعاً إلى البحث عن أبيه. ومن عمله في مواسم حصاد القطن يجمع أجرة القطار الذي سيوصله إلى السويس ليبحث عن أبيه. وكان في الـ10 من عمره عندما أقدم على ذلك، ولكن الرواية تنتهي من دون أن تكشف عن مصيره.
مواقف الخذلان
وإلى الابن والابنة والأم، هناك الجدة وحزنها على ابنها، "كان موته طعنة في قلبها، وسبباً في انطفاء نور عينيها"، ومن قبله على شقيقها الذي أرضعته مع ابنتها "وصال" عندما ماتت أمه وهو دون الفطام، لكنه عندما بلغ سن الشباب، انصرف عن الأسرة وتركها تكابد كل صنوف الحزن. أما زوج ابنتها "وصال" الذي كانت تشم فيه رائحة ابنها إبراهيم الميت، فقد رفض الاستقرار في القرية، مفضلاً العمل أجيراً في مصانع الفوسفات في سفاجا، وحين أغلقت توجه للعمل في السويس. ولم يكُن أعمام الصبي أفضل حالاً، إذ لم يهتموا سوى بالاستيلاء على أرض شقيقهم بالحيلة. والخالات حين يزرن الجدة يعاملن الأم معاملة الخادمة ولا يفردون لها مساحة لتشاركهم الطعام الذي أعدته، "كم عشاءات لم تذُق منها أمي شيئاً بعد تعبها أمام الموقد ولولا أن جدتي كانت تضعني على حجرها عند الأكل، ربما كنت سأنسى مثلها" (صفحة 70).
ويستعيد السارد مواقف الخذلان من أهل أبيه التي تركت جراحاً عميقة في نفسه، من بينها عندما ذهب إليهم يوم جني النخل الذي يوزعونه على أقاربهم ونسائبهم والأعمام لم يفتحوا له الباب حين علموا بهويته، فكان ذلك دافعاً له لأن يسمي أخته الوليدة "تمر".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ترسم الرواية نموذجاً للمرأة الصعيدية القوية "وصال" التي تحمل عبء الأسرة في ظل غياب الرجل، فبخلاف الأعمال المنزلية التي تقوم بها النساء في هذه المنطقة من جلب المياه من الآبار وإعداد الطعام على الكانون، وبناء أبراج الحمام الصغيرة داخل المنزل، واستعمال الرحى والعجن والخبز، تشيّد في أقل من شهر ما يستغرق من الأخريات أشهراً بهمتها العالية التي لا تفتر.
ويمتد عملها إلى خارج المنزل، فتذهب مع ابنها الصغير لري الأرض، "تعاند الزمن الذي أفردها فتستقوي على ذاتها، لا يتوقف ساعداها إلا حينما ألح عليها وأضع يدي على الترس فتنسحب يدها" (صفحة 103). في الصباح حين يجد المزارعون الأرض قد سقيت يقولون "والله ما في حد يعلمها إلا وصال"، فهي مثال للاعتداد بالذات وعدم الاعتراف بالضعف أو تسول المساعدة من أحد.
مصدر المأساة
اكتسبت "وصال" هذه القوة من مجتمع لا يرحم الضعفاء، فمصدر المأساة التي دفعت الأب إلى الهرب كما اكتشفها الابن من صديق لأبيه أن أحد الأشخاص ذوي النفوذ استولى على أرض استصلحها بنفسه، وبنى عليها بيتاً، استقوى على الأب بالشرطة التي هدمت البيت المصنوع من البوص. وذلك الأب فارع الطول موفور الصحة لم يكُن أحد يجاريه في لعبة العصا. سعيد في عالم اللعب، لكنه خاسر في الحياة، "لكن الحقيقة التي عرفتها في ما بعد أن الرجال المهزومين على يديه كانوا منتصرين في دائرة الصراع الأكبر".
تنقل الرواية صورة صادقة لطبيعة الحياة في جنوب مصر في أواخر النصف الأول من القرن الـ20 وبدايات النصف الثاني منه، كاشفة عن تفاصيل الحياة اليومية التي ترسم وجدان المكان، ومن بينها مشاهد جلب الماء، فتحمل النساء الجرار على رؤوسهن قاصدات البئر العذبة البعيدة، يمضين في جماعات، ينادين بعضهن بعضاً عبر الحوائط القصيرة أو من خلال منافذ فتحت في الجدران المشتركة بين البيوت، تيسيراً لقضاء الحوائج واختصاراً للوقت. ويسير خلفهن الأطفال حاملين جراراً صغيرة، في مشهد جماعي نسوي خالص لا يقترب منه الرجال، تتخفف فيه النساء من أعبائهن وملابسهن الثقيلة، ويسترحن تحت ظلال النخيل، ويحولن المكان إلى ساحة للسمر والحكي، وتبادل الأسرار والهموم بعيداً من أية رقابة ذكورية.
ولا يغيب عن الرواية رسم الجو الاحتفالي للموالد الشعبية خلال تلك الفترة، فيحضر الخيالة متمايلين على صهوات جيادهم على وقع المزمار، فيما يلعب الرجال لعبة العصا، وتتجمع النساء في البيوت القريبة من الساحة، يعتلين الأسطح لمشاهدة مراسم الاحتفال، ويشاركن في تحفيز الخيّالة ولاعبي التحطيب بالزغاريد. فرحة تحضر في وعي الطفل "حامد"، مقترنة بقدوم أبيه العابر إلى القرية للمرة الأولى. وسرعان ما تسيطر حال من الشجن على أجواء الرواية برحيل الأب مرة أخرى، فيخطط الابن في تؤدة وأناة للرحيل هو الآخر بحثاً عن أبيه.