ملخص
في روايته "وكالة النجوم البيضاء" (دار الشروق – القاهرة)، والحائزة على جائزة معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ57، قرر الكاتب عمرو العادلي أن ينتهج الرمزية ليسائل نظاماً عالمياً جائراً، وإمبريالية ناعمة لا تتوانى -بمعاونة وكلائها المحليين- عن تحويل الدول التابعة لها إلى سوق يباع فيها الوهم، ويُسحق الفقراء والمهمشون، وتُنتزع أبسط حقوقهم في الحلم والحياة.
يحمل عنوان النص وعتبته الأولى؛ "وكالة النجوم البيضاء"، دلالات رمزية مخاتلة، قرر الكاتب إرجاء الكشف عنها، مثيراً استفهام القارئ حول ماهية هذه الوكالة، وصلتها بالأحداث، على نحو يدفعه للتخلي عن التلقي السلبي والمشاركة في لعبة السرد. ومع تطور البنية الدرامية للنص، يتكشف الفخ الدلالي، إذ تتحول الوكالة التي تمتلك 22 دار عرض سينمائي، من الإطار المؤسسي إلى معادل لقوة تحكم العالم. وتعزز نجومها البيضاء التي تستدعي صورة العَلم الأميركي هذه الإحالة، وتدعم ما يرتبط بها من سمات السطوة والهيمنة.
ينطلق السرد من النقطة ذاتها التي ينتهي عندها، في زمن مستقبلي "2029". ثم يستعيد الراوي أزمنة تتراوح بين ماض قريب وبعيد؛ تدور خلالها الأحداث التي تتمحور حول بطل مركزي "سعيد السيد عبدالظاهر" يعيش حياة الفقر والبؤس، ويعمل عارضاً للأفلام في إحدى دور السينما المملوكة للوكالة. يتعرض للإذلال من قبل مديره المحلي فينزع عنه ثيابه وينزل إلى الشارع عاريًا. يصادف موكب الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، لتكون هذه المصادفة الحلقة الأولى في مسلسل من الكوارث المتعاقبة.
تدوير القهر
في هذا البناء الدائري الذي يحيل إلى تكرار الألم، وتدوير القهر، واستحالة الخلاص، انتهج العادلي أسلوب السرد الذاتي عبر ضمير الأنا، مستثمراً صوت الضحية ليمنح سرده مزيداً من الصدقية والحميمية. كما استطاع عبر الأسلوب ذاته تمرير رؤاه السياسية المبطنة من دون الوقوع في فخ الخطابة أو المباشرة. أما اعتماده نسقاً زمنياً غير منتظم فأحال إلى تشظي المهمش واضطراب واقعه. كذلك اختار غالب شخوصه من المهمشين فالبطل "سعيد السيد عبدالظاهر" ليس سوى عارض أفلام، أبوه صانع أفيشات أفلام، وأخوه حرفي، والفتاة التي يقرر الزواج منها "زينب" عاملة نظافة، وصديقه "عراقي" الممثل الهاوي كان قبل دخوله السجن عامل بوفيه. وفي خلفية السرد يتجلى ظهور عابر للمتسولين وبائعي المناديل لا بوصفهم تفاصيل عارضة، بل كعلامات دالة على اتساع رقعة البؤس. ولم يعبر الكاتب عبر هذه الشخوص عن انحيازه للمهمشين وحسب، وإنما مرر شهادة ضمنية على البؤس كنظام لا كحالات فردية. كما أنه أبرز عبر بلوغه أقصى الهامش وأقصى المركز؛ التباين الصارخ بينهما، والمعركة غير المتكافئة التي ينسحق فيها المهمشون. وحتى ذلك التحول الذي أصاب كلاً من "سعيد" و"زينب" باستكمال تعليمهما الجامعي؛ وظفه الكاتب لتحطيم أسطورة الحراك الاجتماعي، إذ لم يغير الترقي العلمي سوى من وعي الشخوص. ولم يكن الوعي سوى مرادف لمزيد من الشقاء.
قضايا ورؤى
تتشابك خيوط السرد لتنسج مرثية موجعة يطرح الكاتب عبرها قضايا الفقر والفساد والقمع والقهر واستلاب الإرادة، لكنه لا يقف عند حدود الرصد، بل يغوص في تشريح الآثار المترتبة على تلك المشكلات، فيتتبع ما يسفر عنه الفقر من قهر ومذلة واستباحة للكرامة الإنسانية وكسر للطموح، على نحو يحول الحياة إلى محاولة تسول أحلام ضائعة أو مسروقة؛ "لكن أمي لم تعطه فرصة أخرى للكذب، ألقت الحقيقة عارية في وجهي كالحجر: لا تصدق ما يقوله أبوك فقد استخرج لكل منكما أنت وأخيك شهادة فقر، لأننا لا نستطيع دفع المصاريف المدرسية.
شهادة فقر، بناء على تلك المفردة المخجلة أكملت دراستي كما يفعل الفقراء" ص92. ويربط الكاتب بين هذا الواقع الكابوسي والنظام العالمي الجديد، باعتباره مسؤولاً عن إنتاجه وضامناً لاستمراره وتوارثه. كما يرصد تشوه النفس البشرية تحت وطأة السلطة، حين تتخلى عن إنسانيتها لمصلحة قسوة يفرضها زي؛ "خُيّل إليّ أن ملابسه الميري الثقيلة لا تجعل منه شخصاً واضحاً، بل هي تدبير وقائي لمنعه من التفكير في نفسه الحقيقية، ينتظر أن يخطئ أحدنا حتى يعاقبه الزي الميري وحده، أما تورا بورا فطيب مثل أي إنسان" ص 119
مساحات الرمز
تتجلى عبر السرد شبكة متداخلة من الرموز، تتسع لتشمل العالم الروائي بأسره، فتظهر السينما كمعادل لآلة الهيمنة، ومخدر وقوة ناعمة يستخدمها الخارج بهدف استلاب العقول. ويحيل هوس الولدين بها إلى نجاح النظام العالمي عبر تلك القوة الناعمة، في تحقيق مآربه في السيطرة وإنتاج وعي زائف. وقد ألغى الكاتب المسافة بين الضرر المعنوي للسينما، والتأثير العضوي لها على "طه" باعتبارها المسؤولة عن مرضه، ليعمق غاياته الرمزية في إبراز خطورة صناعة الوهم والآمال الكاذبة؛ "قال لها الطبيب: ابنك مصاب بابيضاض الدم والإسراف في دخول السينما هو السبب.
أعطته الأفلام وعداً زائفاً بأنه حر، وحين صدَّق ما يراه اكتشف خدعته، فقد حمرة دمه وحرارته وأسباب تدفقه" ص 37. أما دور العرض التي تمتلكها الوكالة، فأحالت إلى إحكام السيطرة على جماهير اعتادت الصمت، وتحددت مهمتها في استقبال واتباع ما يقرره المالك. وتؤكد رسالة "سعيد" من السجن الدلالة ذاتها حول هوية صاحب القرار الفعلي ومدى سطوته؛ "عزيزي السيد أوباما. تحية طيبة وبعد. أنا سعيد ذلك الشخص الذي كان يمر في شوارع القاهرة أثناء زيارتك. هل تذكرني؟ حين أضحكتك هيئتي، كل ما أود قوله إنني أحاسب الآن على ضحكتك، أما كنت تستطيع أن تتمالك نفسك وتنظر إليَّ مثلما ينظر الناس إلى كلب ضال يركض في الشارع" ص 83.
كذلك تحول الجسد إلى وثيقة إدانة، ومساحة للصراع، وأداة رمزية لتمرير الرؤى، فكان جسد الحسناوات المستباح من قبل المدير المحلي رمزاً لتسليع النساء، وسطوة المال. بينما أحال جسد "طه" الذي انتهكه الفقر والمرض إلى إحكام البؤس قبضته على رقاب المهمشين. وأحال عري "سعيد" إلى الرفض والتمرد، فكان بمثابة صرخة احتجاج في وجه الهيمنة.
كذلك كانت الكوميديا السوداء وسيلة رمزية أخرى بدت في اعتبار الإخلال بالبروتوكول جريمة تستوجب السجن والوصم بالجنون، في حين يُغَض البصر عن الجوع، والفقر، والإهانة، والابتذال. كذلك وظف الكاتب الوصف الجسماني لتمرير مزيد من الدلالات الرمزية، فأحالت الهيئة المنفرة لكل من المدير والمحامي، إلى قبحهما الداخلي، وانتهازيتهما، وفسادهما الأخلاقي، بينما أحال وصف الأب إلى الشقاء المحفور في ملامح المهمشين، والذي لا يغادرهم حتى وهم جثث. أسماء الشخوص حملت أيضاً دلالات رمزية، فبينما حمل اسم البطل "سعيد" واسم أبيه "السيد" دلالات عكسية تناقض حقيقة واقعهما، أحال اسم الصديق "عراقي" إلى بلد صار رمزاً للتدخل والهيمنة الأميركية.
فنون ومعارف
لم يقتصر حضور السينما داخل النص على تحقيق الغايات السياسية والرمزية للكاتب، بل برز حضورها في صور متنوعة داخل النسيج الروائي، مما أسفر عن تعزيز واقعية وجمالية السرد، لا سيما عبر استدعاء أسماء بعض مشاهير الفن السينمائي، مثل فريد شوقي، نجلاء فتحي، حسين فهمي، عادل إمام، فاروق الفيشاوي، ليلى علوي، وعبدالحليم حافظ، ومن السينما العالمية بروسلي، وجاكي شان وغيرهما.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كما استدعى الكاتب بعض الأغاني والمواويل، وبعض الأفلام السينمائية، مثل فيلم "كينج كونج"، وفيلم "صوت الموسيقى". وعلى مستوى التقنية لجأ العادلي إلى التكنيك السينمائي، لا سيما عين الكاميرا، فنقل عبرها الأحداث من صيغة الكلمة المروية إلى صيغة الفعل المشهدي، كما في لحظة اكتشاف البطل موت أبيه، إذ رصدت عدسة السرد أدق التفاصيل الجسدية للأب الميت في لقطة كبيرة الحجم، مما منح المشهد كثافة حسية وواقعية مؤلمة؛ "كان نائماً ويده تحت رأسه، أصابعه قابضة على الفرشاة وملونة بالألوان، في البداية اعتقدت أن البوية دم، لكنني حين تتبعت اليد توصلت إلى باقي جسده، كائن وديع وسمين، منكمش على الأرض على شكل حرف إس" ص 96.
ولم يقف الشغف السينمائي للكاتب عند حدود الاستدعاء الفني أو التوظيف السردي، بل تجاوزه لتشكيل بنية معرفية عن هذه الصناعة، فاستدعى حمولات معرفية تتصل بأدق تفاصيلها، بدءاً من ماكينة العرض ومقاسات الأفلام، ومروراً بفنيات رسم الأفيش، ووصولاً إلى تقنيات الفوتو مونتاج وأنظمة الصوت مثل "دولبي ديجيتال". وأكد هذا الخطاب المعرفي الانغماس الكلي للبطل، في تلك العوالم التي تتصل بصناعة السينما؛ "كنت أرتب له دلاء البويات وأغسل فرشات الرسم قبل لفها في قماش الفانلة، أشتري علب السلاقون وشكائر الزنك، كثيراً ما رأيته وهو يتسلم من عمال الاستوديوهات الصور على فيلم مقاس 36. يشف التصميم بخيوط رفيعة على لوح زجاجي، يسلط مصباحاً قوياً خلف اللوح لتسقط الصورة على الورق" ص40.
تماثلات وتقابلات
لجأ الكاتب لتقنيات التماثل والتقابل لتمرير رؤاه الفلسفية، فكان التماثل بين محبس البطل في المصحة النفسية ومحبس أبيه في صومعته، وبين رؤية "سعيد" المتطابقة للعالم وللأفلام، وبين معاناته ومعاناة صديقه "عراقي" الناتجة عن عدم استيعاب محيطهما لهما؛ وسيلة للتأكيد على حتمية المصير واستحالة الخلاص. أما التقابل الذي برز بين الخيال والواقع، وبين الأم الصلبة والأب الشاعري، وبين خدام السينما ونجومها، وكذا بين الماضي والحاضر، فكان وسيلة لفضح الكذب، وإبراز استحالة التوازن في عالم يمنح الأفضلية للقسوة، وكذا رصد الهوة العميقة والبون الشاسع بين المركز والهامش. وفي خضم هذا التقابل تسللت النوستالجيا لماض لم تزهق فيه الكرامة، في مقابل نفور من واقع سوداوي تُستباح به إنسانية الإنسان؛ ما يضع الرواية في فئة الديستوبيا، لا سيما في ظل النهاية العدمية التي استشرفها الكاتب للمستقبل المنظور.