ملخص
الولايات المتحدة أكبر منتج للهيليوم في العالم بـ 43 في المئة من الإنتاج العالمي، تليها قطر بـ33 في المئة ثم روسيا بـ 10 في المئة والجزائر بستة في المئة، وهناك دول منتجة أخرى مثل كندا والصين وأستراليا وبولندا، والسؤال من هي الدولة التي تستطيع زيادة إنتاج الهيليوم بسرعة للتعويض عن نقص الهيليوم القطري؟ والجواب الولايات المتحدة الأميركية.
نظراً إلى شهرة دول الخليج بالنفط والغاز فإن معظم الناس يظنون أن آثار إغلاق مضيق هرمز تتركز في النفط والغاز المسال، لكن الواقع أن أكبر أزمة عالمية جراء إغلاق المضيق لن تكون بسبب توقف مرور النفط والغاز المسال وإنما بسبب توقف تدفق الأسمدة تليها صادرات الهليوم.
والواقع أن إغلاق مضيق هرمز هو أكبر أزمة في حياتنا لأنها ضربت دول العالم كلها من جهة، وضربت القطاعات الصناعية والزراعية والسياحية والعقارات، وعلى رغم تضرر الولايات المتحدة لكنه ضرر على المدى القصير، بينما المنافع على المدى القصير والمتوسط والطويل، والمنافع على المدى الطويل لا تُقدر بثمن لأن إغلاق المضيق يجعل الولايات المتحدة تسطير على تجارة النفط والغاز والغازات السائلة والهيليوم والأسمدة والميثانول والوقود الحيوي، إضافة إلى كل ما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، ومن ثم يتحقق الهدف المذكور في إستراتيجية الأمن القومي التي نشرت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025.
ما سبق من أزمات نفطية لا يقارن بما حدث خلال الأسابيع الماضية لأن الأمر في الماضي اقتصر على النفط، أما الآن فقد امتد للغاز المسال والغازات السائلة والهيدروجين والأمونيا والغازات السائلة والأسمدة والهيليوم والميثانول وبعض المعادن مثل الألمنيوم، ونفطياً فالمشكلة ليست فقط بالكمية التي جرت خسارتها وإنما في النوعية أيضاً، فلا يمكن بأي شكل من الأشكال التعويض عن هذه الخسارة لأن معظم النفط المصدر من هرمز من النوع المتوسط الحامض، وحتى لو نظرنا إلى نفط مربان الإماراتي نجد أنه من النوع الخفيف الحامض، بينما أكثر الأنواع الخفيفة في العالم حلوة، وبالنسبة إلى الأسمدة فقد وصل الأمر الآن إلى أن المنظمات الدولية والخبراء بدأوا يحذرون من أزمة غذاء عالمية، ليس بسبب نقص الأسمدة فقط وإنما أيضاً بسبب الارتفاع الكبير في أسعارها، مما يمنع المزارعين حتى في دول زراعية ضخمة من الزراعة لهذا الموسم الصيفي أو الموسم الشتوي الذي يليه.
أزمة الهيليوم
المستقبل للذكاء الاصطناعي والمستقبل للدول التي تنتج رقائق الكمبيوتر وأشباه الموصلات للذكاء الإصطناعي، بخاصة تايوان وكوريا الجنوبية والصين، وكان الرئيس ترمب أعلن منذ بداية رئاسته الثانية أنه يريد جلب هذه الصناعات إلى الولايات المتحدة، وعلى رغم إنفاق المليارات فإن هذه الصناعات لم تأت إلى الولايات المتحدة.
بدأ الهجوم الإسرائيلي الأميركي على إيران آواخر فبراير (شباط) الماضي، وفجأة تلغي شركات التأمين الأوروبية تأمين الحرب على كل السفن وحاملات النفط والغاز المسال والهيليوم المُبرد في الخليج، وتتوقف الحركة في مضيق هرمز على رغم حروب عدة في المنطقة وآخرها في يونيو (حزيران) 2025، وخلال الهجوم المستمر على السفن في المنطقة الأعوام الماضية لم تقم شركات التأمين بإلغاء التأمين بالشكل الذي فعلته في الخليج، فلماذا؟
نتج من ذلك توقف تدفق الهيليوم إلى كوريا الجنوبية وتايوان اللتين تعتمدان على الهيليوم القطري بنسبة تصل إلى 75 في المئة من حاجتها، واللازم لتصنيع شرائح الكمبيوتر وأشباه الموصلات، وبدأ الهلع يصيب الصناعة، فليس هناك بديل للهيليوم القطري ومخزون الشركات الكبيرة يكفيها لنحو ستة أشهر، والشركات الأصغر لأسابيع والآن هذه الأسابيع تقترب من الانتهاء، ونتج من ذلك قيام الشركات المنتجة بإعادة توجيه الشحنات بحسب الحاجة أو لمن يدفع أكثر، بخاصة بعد الارتفاع الشديد في أسعار الهيليوم، والمشكلة الأكبر هي أن فتح المضيق أمام الملاحة لن يحل المشكلة لسببين، أولاً الهيليوم المبرد الموجود في السفن العالقة يتبخر بعد نحو ستة أسابيع، وجزء من المعامل القطرية جرى قصفها وتدميرها، وكل الأخبار الآن تشير إلى عدم توقف أي من خطوط إنتاج رقائق الكمبيوتر، ولكن هناك تباطؤ وبخاصة في بعض الشركات في الصين، والشركات الكبرى في كوريا الجنوبية وتايوان تركز على الشرائح المهمة ذات القيمة العالية، ولكن الخبراء يتوقعون أن يحدث تباطؤ قريباً، وهذا سيؤثر في صناعات عدة منها الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر والسيارات.
الهيليوم غاز خفيف عديم اللون والرائحة وغير سام، يعرفه عموم الناس باستخدامه بنفخ البالونات لخفته، وهو ثاني أكثر العناصر وفرة في الكون وأكثرها خفة بعد الهيدروجين، لكنه على الأرض نادر جداً ومصدر غير متجدد، يُستخرج كمنتج ثانوي من حقول الغاز الطبيعي الغنية به، وفي عام 2025 بلغ الإنتاج العالمي حوالى 190 مليون متر مكعب، ويُقدر بسوق تبلغ قيمتها مليارات الدولارات، ويُعد الهليوم أساساً للتقنيات المتقدمة بفضل نقطة غليانه المنخفضة جداً، مما يجعله الوحيد القادر على تبريد المغناطيسات الفائقة التوصيل إلى درجات حرارة قريبة من الصفر، ويُستخدم نحو ربع الهيليوم العالمي في صناعة أشباه الموصلات لتصنيع الرقائق الإلكترونية، كما يُستخدم نحو ربع آخر في تبريد أجهزة الرنين المغناطيسي التي تعتمد على مغناطيسات فائقة التوصيل لتشخيص الأمراض، وأيضاً في تبريد الصواريخ والأقمار الاصطناعية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الولايات المتحدة هي أكبر منتج للهيليوم في العالم، إذ تنتج 43 في المئة من الإنتاج العالمي، تليها قطر بـ 33 في المئة، ثم روسيا بـ 10 في المئة، والجزائر بستة في المئة، وهناك دول منتجة أخرى مثل كندا والصين وأستراليا وبولندا، والسؤال من هي الدولة التي تستطيع زيادة إنتاج الهيليوم بسرعة للتعويض عن نقص الهيليوم القطري؟ والجواب الولايات المتحدة الأميركية التي لها تاريخ طويل مع الهيليوم، تضمن إنشاء مخزون إستراتيجي مملوك للحكومة الأميركية مثل مخزون النفط الإستراتيجي، لكن الكونغرس قرر تخصيصه والتخلص منه.
خلاصة القول إن العجز في إمدادات الهيليوم سيؤدي إلى تباطؤ إنتاج رقائق الكمبيوتر مما سيؤدي إلى تباطؤ تصنيع أشياء كثيرة من الهواتف الذكية إلى السيارات والطائرات، وسيؤدي إلى توقف أجهزة الرنين المغناطيسي في المستشفيات ومن ثم معاناة عدد كبير من المرضى في شتى أنحاء العالم، وكذلك سيؤثر في كثير من الصناعات الدفاعية والفضائية، وبعبارة أخرى فإن عجز إمدادات الهيليوم يهدد سلاسل الإمداد العالمية لعدد كبير من الصناعات حول العالم، ولهذا فإن أزمة مضيق هرمز ليست أزمة طاقة فقط وإنما أزمة عالمية في المجالات كافة، وسينتج منها تغيرات اقتصادية وسياسية عدة ستتضح مع مرور الأيام، والسؤال للقارئ الكريم: بما أن إغلاق هرمز ضربة قاصمة لصناعة الرقائق الإلكترونية والدفاعية والفضائية الآسيوية، ولا يؤثر في الولايات المتحدة كونها أكبر منتج للهيليوم في العالم، وتستطيع زيادة الإنتاج بطرق أسرع من غيرها بكثير، وبما أن الولايات المتحدة أكبر مستفيد من إغلاق هرمز، إذ وصلت صادراتها من النفط الخام والمنتجات النفطية والغاز المسال إلى أعلى مستوى في التاريخ، وهي أكبر منتج للأسمدة ومن أكبر مصدري الميثانول، فهل تعتقد أن إيران أغلقت مضيق هرمز؟