ملخص
دفعت التعليقات الواعية للمدرب الإسباني بيب غوارديولا أزمة السودان المنسية إلى واجهة المناقشات الرياضية العالمية، لكنها أيضاً كشفت النقاب عن التناقض الصارخ المحتمل أن يواجهه أي شخص عام في مؤسسة ذات خلفية سياسية معقدة، بينما يصر مدرب سيتي على حقه في "التحدث" من أجل "مجتمع أفضل".
يبدو أن جرأة المدرب الإسباني بيب غوارديولا المدير الفني لفريق مانشستر سيتي الإنجليزي تخطت حدود ملاعب كرة القدم التي صال وجال فيها مع السيتي ومن قبله برشلونة الإسباني وبايرن ميونيخ الألماني، إذ وضع نفسه في مأزق مع ملاك النادي الإماراتيين، وتحديداً الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس دولة الإمارات ونائب رئيس مجلس الوزراء، بعدما تعرض في حديثه إلى الأزمة الإنسانية التي تعيشها السودان، التي تتورط فيها أبو ظبي.
ربما يمكن قبول الأخطاء الفنية في إدارة فرق كرة القدم، لكن ما لا تقبله الأندية هو التعرض المباشر لملاك أو إدارات الأندية سواء بالإشارة أم التلميح أم توجيه كلمات تحمل إسقاطات، لا سيما وإن كان الأمر يتعلق بالسياسة، وهو ما فعله غوارديولا أخيراً في إشارة إلى الأوضاع في السودان ضمن قائمة الكوارث الإنسانية التي تحدث عنها.
على رغم أن غوارديولا تجنب اتهام أي طرف بصورة صريحة، إلا أن مجرد ذكر السودان في هذا السياق يعتبر ذا دلالة، فهو ليس موظفاً عادياً، بل هو الوجه الأبرز والأكثر تبجيلاً في إمبراطورية "مجموعة سيتي لكرة القدم" المملوكة من أبوظبي، كما يأتي هذا الموقف بعد أشهر فقط من تطرقه للأزمة السودانية أثناء قبوله درجة فخرية من جامعة مانشستر، مما يشير إلى اهتمام متكرر بالقضية.
دفعت التعليقات الواعية لغوارديولا أزمة السودان المنسية إلى واجهة المناقشات الرياضية العالمية، لكنها أيضاً كشفت النقاب عن التناقض الصارخ المحتمل أن يواجهه أي شخص عام في مؤسسة ذات خلفية سياسية معقدة، بينما يصر مدرب سيتي على حقه في "التحدث" من أجل "مجتمع أفضل".
وأمس الأحد، نشرت صحيفة "تليغراف" البريطانية تقريراً تناول تصريحات المدرب الإسباني حول الإبادة الجماعية في حرب أهلية ترتبط حكومة أبو ظبي بتأجيجها، وفق تقارير أممية وتصريحات الحكومة السودانية، بينما تنفي الإمارات أي دور لها في تسليح قوات "الدعم السريع".
أدلة "موثوقة"
الحرب التي اقتربت من عامها الثالث بعدما اندلعت في الـ15 من أبريل (نيسان) 2023 أسفرت عن نحو 400 ألف قتيل و30 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات و13 مليون نازح، وفق تقديرات إعلامية، وتواجه فيها الإمارات اتهامات الضلوع المباشر في دعم أحد أطرافها، وهو محمد حمدان دقلو "حميدتي" قائد قوات "الدعم السريع" ضد الجيش السوداني، الذي يقوده رئيس مجلس السيادة السوداني عبدالفتاح البرهان.
بصرف النظر عن الأرقام التي رصدتها التقارير والمنظمات الأممية والحقوقية وما طاول البلاد من نزوح وعنف جنسي ومجاعة وتردي أوضاع النازحين الذين يعيشون في مخيمات موبوءة بالأمراض، تشير غالب التقارير الدولية إلى تورط قوات "الدعم السريع" في ارتكاب مجازر، خصوصاً في الحصار الذي فرضته على الفاشر خلال الأشهر القليلة الماضية، الذي انتهى في ديسمبر (كانون الأول) الماضي بعد 500 يوم.
مجزرة الفاشر هي الأصعب في السودان منذ اندلاع حرب الجنرالين، ومن الوارد أن يكون غوارديولا أراد أن يشير إليها واستدعاها في تصريحاته، وفي الوقت نفسه هي المجزرة التي يزعم أن قوات "الدعم السريع" ارتكبتها باستخدام أسلحة زودتها بها الإمارات، ونقلتها مجموعة "فاغنر" الروسية سيئة السمعة، وفق "تليغراف".
وعلى رغم أن أبو ظبي نفت أي تورط لها في دعم قوات "الدعم السريع"، إلا أن منتقديها ردوا على ذلك بتقرير للأمم المتحدة صدر في يناير (كانون الثاني) 2024، ذكر وجود أدلة "موثوقة" على وصول أسلحة من الإمارات إلى قوات "الدعم السريع"، ونهاية العام الماضي تحدث مندوب السودان علانية في مجلس الأمن، موجهاً الاتهام المباشر إلى الإمارات في ارتكاب المجازر و"دعم الميليشيات المسلحة".
وأفاد بيان صدر أخيراً عن سفارة الإمارات في واشنطن العاصمة بأن موقفها لا يزال قائماً على فرض حظر كامل على توريد الأسلحة إلى السودان، واستشهد بتقرير صادر عن لجنة خبراء تابعة للأمم المتحدة في أبريل 2025، يؤكد عدم وجود أي دليل على تورط الإمارات في النزاع، وذكرت أبو ظبي في البيان أن "الادعاءات التي تشير إلى خلاف ذلك ما هي إلا محاولة لتشويه الحقائق، وصرف الانتباه عن الحاجة الملحة إلى وقف إطلاق النار ومحاسبة مرتكبي العنف على أرض الواقع".
صراحة غوارديولا تلتقي مع تأكيد الإمارات بأن السودان يمثل "أكبر أزمة نزوح في العالم"، لكن التقارير الأممية التي تلامس ثوب الحكومة الإماراتية، التي يعد الشيخ منصور أحد أهم خيوطها، تجر إمبراطوريته الكروية في مانشستر على ساحة السياسة، لاسيما وأن هناك مزاعم بأن للشيخ منصور صلة وثيقة بالسياسة السودانية.
كرة القدم
الشيخ منصور سياسياً هو شقيق رئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ورياضياً هو مالك نادي مانشستر سيتي، ومن له أمر بقاء أو رحيل غوارديولا، وهو ما يعني أن الحديث داخل النادي عن السياسة الإماراتية من المحظورات، خصوصاً وإن كان من يتولى القيادة الفنية للفريق، انطلاقاً من أن الإدارة الرياضية ليست بمعزل عن الهوية السياسية لمالك النادي، لا سيما وأن صحيفة "نيويورك تايمز" ذكرت في يونيو (حزيران) الماضي أن الاستخبارات الأميركية توصلت إلى أن قائد قوات "الدعم السريع" محمد حمدان دقلو على اتصال مباشر بمنصور، وهو ما نقلته "تليغراف".
غوارديولا الذي عرف بمواقفه السياسية الداعمة للإنسانية ورفض الحروب والنزاعات التي تتسبب في قتل الأبرياء وعمليات نزوح ومجاعات، وأشار إلى ذلك مرات عدة في حديثه عن حرب غزة والحرب الروسية - الأوكرانية، يعد تناول السودان ذا دلالة بالغة، وهو بحسب "تليغراف" أمر "لفت انتباه مجموعة ’سيتي‘ لكرة القدم في أبوظبي، وبالتأكيد تم تناوله على نطاق واسع خارجها".
جرأة غوارديولا في أنه لم يستعن باستعارات أو إسقاطات أو تلميحات، وهو يتحدث عن أزمة مالك النادي تحوم حوله شبهات التورط فيها، بل في أنه أجاب إجابة مباشرة بقوله "لم يسبق لنا في تاريخ البشرية أن رأينا هذه المعلومات أمام أعيننا بوضوح كما نراها الآن"، بل ووجه الشكر إلى الصحافي على طرحه السؤال، على رغم أن المؤتمر الصحافي كروياً في المقام الأول، مضيفاً "أقدر ذلك لأنها المرة الأولى منذ 10 سنوات التي يسألني فيها صحافي عن هذا الأمر، يبدو أن العمل لا يسمح بذلك، لا أدري، ولكن هل يوجد من يرى الصور من جميع أنحاء العالم ولا يتأثر؟".
كلمات غوارديولا لم تنحز للجيش أو "الدعم السريع"، وهو ما حرص على تأكيد انحيازه للإنسانية، إذ قال "بإمكاننا الوصول إلى القمر، بإمكاننا فعل كل شيء، ولكن ما زلنا نقتل بعضنا بعضاً لماذا؟ عندما أرى تلك الصور أشعر بالأسف، إنها تؤلمني، ولهذا السبب سأبذل قصارى جهدي، وسأكون حاضراً، في كل منصب أستطيع فيه المساهمة في بناء مجتمع أفضل"، إلا أن المؤكد أن ما تطرق إليه يثير غضب حكومة أبوظبي ومالك النادي، لا سيما وأنه سلط الأضواء على أمر سياسي، مستخدماً الشعبوية التي يتمتع بها خطاب كرة القدم في المباريات والمؤتمرات.
وترى صحيفة "تليغراف" أن مجرد ذكره للسودان أمراً ذا دلالة، لاسيما وأنه أبرز موظفي النادي المملوك لأبوظبي، كما تطرق إلى حرب السودان في يونيو (حزيران) من العام الماضي عندما قبل شهادة دكتوراه فخرية من جامعة مانشستر، بما يؤكد أنه يتجه الآن إلى القضايا السياسية.