Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قائد الجيش اللبناني في أميركا: ما بعد الليطاني وما قبل القرار الكبير

أشارت مصادر عسكرية إلى أن عدم الكشف المسبق عن برنامج الزيارات قد يكون لمنع التشويش عليها

تأتي زيارة قائد الجيش اللبناني لأميركا عشية الاستعداد لتنفيذ خطة حصر السلاح في باقي الأراضي اللبنانية (صورة مصممة عبر الذكاء الاصطناعي)

ملخص

وزارة الدفاع الأميركية تنتظر من قائد الجيش خريطة عسكرية واضحة لما تم تنفيذه وما لم ينفذ بعد، علماً أن المشكلة الأساس تكمن في أن المسح الذي أجراه الجيش جنوب الليطاني لا يشمل المباني السكنية أو الممتلكات الخاصة التي يصر الجانبان الأميركي والإسرائيلي على تفتيشها. والكونغرس الأميركي طلب من وزارة الدفاع تقريراً في شأن المساعدات التي قدمت في الأشهر الماضية للجيش اللبناني وكيف تم استخدامها بما يخدم السياسة الأميركية؟

بدأ قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل زيارة رسمية إلى الولايات المتحدة الأميركية على رأس وفد عسكري رفيع المستوى، في توقيت بالغ الحساسية. تأتي هذه الزيارة بعد تأجيل استمر ثلاثة أشهر منذ موعدها الأصلي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 حين ألغى الجانب الأميركي المواعيد الأساسية المحددة لقائد الجيش، مما أدى تلقائياً إلى إلغاء الزيارة قبل انطلاقها. وقد فسر ذلك التأجيل حينها على أنه رسالة أميركية موجهة إلى السلطة السياسية اللبنانية، بسبب ما اعتبرته الإدارة الأميركية تردداً وتباطؤاً في تنفيذ قرار حصر السلاح بيد المؤسسة العسكرية الشرعية.

أما اليوم، فتأتي الزيارة بعد إعلان الجيش انتهاء المرحلة الأولى من الانتشار جنوب نهر الليطاني، وعشية الاستعداد لتنفيذ خطة حصر السلاح في باقي الأراضي اللبنانية، كما تتزامن مع الجهود الدبلوماسية الفرنسية لعقد مؤتمر دعم الجيش المقرر في مارس (آذار) المقبل، وإعادة تفعيل اجتماعات لجنة "الميكانيزم" على المستوى العسكري لمراقبة تطبيق وقف الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل وتنفيذ القرار الدولي 1701. وتكتسب الزيارة أهمية إضافية في ظل سياق إقليمي معقد يشهد حشداً عسكرياً أميركياً في المنطقة على وقع التوتر المتصاعد بين واشنطن وطهران، وإمكان نشوب حرب لن يكون لبنان بمنأى عنها، بخاصة بعد إعلان الأمين العام لـ"حزب الله" نعيم قاسم عدم الحياد ومساندة إيران.

 

لقاءات عسكرية وسياسية

استهل العماد هيكل الزيارة من فلوريدا وتحديداً مقر القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) حيث التقى قائدها الجنرال مايكل كوريلا، وأجرى محادثات تناولت التعاون العسكري والأمني بين البلدين، إضافة إلى آلية عمل "الميكانيزم" ومتابعة تنفيذ وقف الأعمال العدائية. ومن المتوقع أن ينتقل، غداً الثلاثاء إلى واشنطن لعقد سلسلة لقاءات أمنية ودبلوماسية وسياسية لم تحدد تفاصيلها بصورة رسمية، في وقت أشارت مصادر عسكرية إلى أن عدم الكشف المسبق عن برنامج الزيارات قد يكون لمنع التشويش عليها.

ينتظر أن تتركز المحادثات على تعزيز الدعم العسكري الأميركي للجيش اللبناني من خلال توفير المعدات والتدريب والتمويل اللازم لتمكينه من القيام بمهامه، بخاصة تنفيذ القرار 1701 الذي ينص على بسط سيطرة الدولة عبر الجيش على كامل الأراضي اللبنانية. وأكدت مصادر مقربة من قيادة الجيش أن العماد هيكل يحمل معه لائحة مفصلة بحاجات الجيش اللوجيستية والعملياتية والتكنولوجية، بما يتلاءم مع عمليات الانتشار الواسعة ورصد محاولات تهريب السلاح، إضافة إلى التجهيزات العسكرية والقدرات التكنولوجية للرقابة وحماية الحدود.

في السياق أكد العميد المتقاعد زياد الهاشم أن الولايات المتحدة الأميركية تسهم بنسبة 90 في المئة من المساعدات الأجنبية التي يعتمد عليها الجيش اللبناني في بناء قدراته العسكرية والأمنية والتدريبية، وكشف عن أن العماد هيكل سيشرح خلال الزيارة وجهة النظر العسكرية لقيادة الجيش في مقاربة موضوع حصر السلاح "وسيضمن شرحه المعوقات التي تعترض عمله إن من ناحية عدم تنفيذ إسرائيل لما التزمت به، بخاصة لجهة الانسحاب من المناطق التي لا تزال تحتلها، أو لناحية استمرار عملياتها الحربية في الداخل اللبناني، على أن يقدم عرضاً لحاجات الجيش من القدرات المطلوب بناؤها ليتمكن من القيام بما كلفه به مجلس الوزراء في جلستي أغسطس (آب) وسبتمبر (أيلول) من السنة الماضية".

التحدي الأكبر

تعول السلطة اللبنانية وقيادة الجيش على نجاح الزيارة، لكن التحدي الأكبر سيكون في إقناع الجانب الأميركي بجدية الخطة الأمنية، المخصصة لاحتكار السلاح والانتشار على كامل الأراضي اللبنانية، وقابليتها للتنفيذ الفعلي، بخاصة في ظل تقارير أميركية تفيد بأن الجزء الأكبر من "تنظيف" منطقة جنوب الليطاني نفذته إسرائيل. وتؤكد مصادر دبلوماسية في واشنطن أن وزارة الدفاع الأميركية تنتظر من قائد الجيش خريطة عسكرية واضحة لما تم تنفيذه وما لم ينفذ بعد، علماً أن المشكلة الأساس تكمن في أن المسح الذي أجراه الجيش جنوب الليطاني لا يشمل المباني السكنية أو الممتلكات الخاصة التي يصر الجانبان الأميركي والإسرائيلي على تفتيشها.

وستستند وزارة الدفاع إلى ما ستتلقاه من العماد هيكل لإعداد تقريرها الذي سيقدم إلى الكونغرس في يونيو (حزيران) المقبل بناءً على طلب تقدم به الكونغرس في نوفمبر الماضي لمناقشة المساعدات المقدمة للجيش اللبناني. وطلب الكونغرس أن يحدد التقرير لائحة بالمساعدات التي قدمت في الأشهر الماضية وكيف تم استخدامها بما يخدم السياسة الأميركية. وتؤكد المصادر أن المساعدات لن تكون مفتوحة لكنها لن تتوقف، بل ستكون محددة بحسب حاجات الخطة التي سينفذها الجيش بالأرقام والخرائط. وفيما لا يزال الجانب الأميركي يطالب باستكمال حصر السلاح على كامل الأراضي اللبنانية، تشير المصادر إلى أن المهلة الزمنية لتنفيذ ذلك شمال الليطاني لم تعد شرطاً ملحاً، ما دام "حزب الله" بات ضعيفاً وإسرائيل قادرة على مراقبته جوياً. وتؤكد المصادر أن الأولوية الأميركية الآن هي للسلام ولبلورة مسار تفاوضي سياسي من خلال "ميكانيزم" سياسي ثلاثي بتمثيل مدني، تعمل واشنطن على إقناع لبنان به.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تشكيك في جدوى الزيارة

يشكك كثر، ومن بينهم الكاتب والمحلل السياسي سام منسى، في إمكان أن تحدث الزيارة تغييراً جدياً في السياسة الأميركية تجاه لبنان. واعتبر "أن التعويل عليها لإحداث نقلة نوعية هو في غير محله"، مشيراً إلى أن هناك "فترة سماح" معطاة للسلطة اللبنانية شبيهة بتلك الممنوحة في العلاقات الأميركية والإسرائيلية مع إيران. ورأى منسى أن الزيارة اكتسبت أهمية بسبب إلغائها السابق، "لكن العلاقة بين واشنطن والمؤسسة العسكرية اللبنانية ليست جديدة، كما أن المساعدات الأميركية للجيش مستمرة منذ سنوات، وتكاد المؤسسة العسكرية تكون القناة الوحيدة الثابتة الآن في العلاقة بين البلدين"، وشرح أن أميركا ما زالت على موقفها بضرورة إنهاء ملف سلاح "حزب الله"، بخاصة السلاح الذي يهدد إسرائيل، داعياً إلى التمييز بين حصر كل سلاح على الأراضي اللبنانية ونزع السلاح الموجه ضد إسرائيل تحديداً، ولفت إلى أن قائد الجيش لا يمكن أن يتصرف من دون غطاء من السلطة السياسية، وأن الأميركيين يعملون على تدعيم موقفه لكن ضمن حدود معينة، مضيفاً "الزيارة لا يمكن أن تأتي بتغيير جدي في المساعدات التي ستبقى محدودة ما دام الجيش لم يحصل على الضوء الأخضر النهائي لمعالجة مشكلة السلاح".

المشكلة بالنسبة إلى الأميركيين والإسرائيليين، بحسب رأيه، "أن السلطة السياسية في لبنان لم تتخذ موقفاً واضحاً من (حزب الله)، وأن هيمنة الحزب على القرارات السياسية الرئيسة لا تزال قائمة، وهذا واضح في المفاوضات التي لا تتقدم، وعدم إعلان إنهاء النزاع مع إسرائيل صراحة، وعدم القدرة على اتخاذ قرارات سياسية تمهد لإلغاء دور (حزب الله) قبل نزع سلاحه"، وفي ظل هذا الواقع، رأى منسى أن قائد الجيش لا يمكن أن "يقوم بالعجائب"، ولا يمكنه الخروج عن قرار السلطة التي لم تقرر بعد بالمعنى الحقيقي إنهاء السلاح ودوره، ليس عبر المواقف والشعارات فحسب، بل عبر خطوات جدية لم تترجم بعد على أرض الواقع.

هل كان من المستحسن تأجيل الزيارة؟

استناداً إلى القراءة نفسها تحدث العميد المتقاعد خالد حمادة معتبراً أنه كان من المستحسن استمهال أميركا لإتمام الزيارة ريثما تجتمع الحكومة وتتخذ قرارها في شأن خطة حصر السلاح شمال الليطاني، حتى تتمكن القيادة العسكرية من البناء على أساس واضح، وبحسب رأيه "الاجتماع في واشنطن لا يقتصر على استطلاع حاجات الجيش فحسب، بل من المتوقع أن توجه إلى العماد هيكل أسئلة تتعلق بالسلوك المعتمد في شمال الليطاني ومناطق أخرى في حال استمرار (حزب الله) برفض تسليم السلاح. وقد تطرح هذه الأسئلة خلال لقاءات متوقعة مع شخصيات مرتبطة بمجلس الأمن القومي والكونغرس، وربما مع لبنانيين ذوي وزن وتأثير في القرار الأميركي، لكن هذه الأجوبة ليست من صلاحية قيادة الجيش وحدها، بل تحتاج إلى أوامر واضحة من الحكومة اللبنانية. أمام هذه الاعتبارات كلها، سيكون قائد الجيش في موقف معقد، إذ لا يمكنه تبني مواقف تتجاوز حدود المستوى العسكري، فضلاً عن أنه لا يمكنه الإجابة عن مقترحات قد تضعها القيادة الأميركية أمامه، ما سيضعف الموقف اللبناني، خصوصاً أن هذا اللقاء قد يبنى عليه موقف أميركي متصل بمؤتمر دعم الجيش".

ومن التعقيدات أيضاً التي سترخي بنتائجها على زيارة العماد هيكل إلى واشنطن، أن الجيش طلب مهلة شهر لوضع خطة استكمال حصرية السلاح في شمال الليطاني، مما أتاح لإسرائيل هامشاً واسعاً لشن هجمات يومية متعددة على مناطق مختلفة شمال الليطاني، من دون أن تتمكن لجنة "الميكانيزم" من التدخل بسبب غياب خطة الجيش للمنطقة، بالتالي، تلجأ إسرائيل إلى معالجة الأهداف التي تقول إنها تابعة للحزب من دون الحاجة إلى مراجعة "الميكانيزم"، وما يزيد المسألة تعقيداً أن قوات "اليونيفيل" الممثلة في لجنة المراقبة غير منتشرة في منطقة شمال الليطاني بموجب القرار الدولي 1701، ما يعني أن الآلية تفتقد عنصراً أساساً من عناصرها، وهو وجود "يونيفيل"، إلى جانب غياب خطة الجيش.

قراءة إيجابية

في المقابل رأى العميد المتقاعد زياد الهاشم أن هذه الزيارة لم تكن لتحصل، بعد إلغائها سابقاً "لولا الرضا الأميركي على ما قام به الجيش اللبناني في المرحلة السابقة من حصر للسلاح جنوب الليطاني ومنع استخدامه أو نقله في الداخل أو عبر الحدود"، وربط الهاشم بين الزيارة والإعلان عن إعادة عمل "الميكانيزم" معتبراً أن تأكيد الجانب الأميركي دعم عمل لجنة المراقبة يأتي تسهيلاً لزيارة قائد الجيش ومؤشراً إلى الدعم الأميركي للمستوى السياسي في لبنان المتمسك بعملها.

وتوقع الهاشم أن تظهر نتائج الزيارة تباعاً من خلال استمرار الإدارة الأميركية في إرسال المساعدات العسكرية للجيش اللبناني واستمرار موافقة الكونغرس على تقديم هذه المساعدات، أيضاً من خلال مستوى المشاركة الأميركية في مؤتمر دعم الجيش الذي سيعقد في باريس الشهر المقبل، لكنه لم يستبعد، في المقابل، أن تعمد الإدارة الأميركية إلى تقديم دعم مشروط بالقدرات للجيش، إن جغرافياً في منطقة جنوب الليطاني أو شماله وتباعاً إلى المناطق المختلفة وفقاً لمراحل تنفيذ خطط الجيش.

المزيد من تقارير