Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عندما يعلن "حزب الله" أنه سيقاتل إلى جانب إيران

انتهاء تاريخ من "تقية الأذرع" في لحظة انكشاف الأمن القومي لطهران

قال الأمين العام لـ"حزب الله" نعيم قاسم إنه لن يكون حيادياً وسيتصدى لأي هجوم على إيران (أ ف ب)

ملخص

لم يعد "حزب الله" قادراً كما في الزمن الغابر على ممارسة "تقية" الاستقلال عن الحاجات الملحّة لأمن نظام الملالي، فالمعركة انتقلت الآن إلى رأس المحور ولم تعد قائمة في النواحي البعيدة، وفي هذه اللحظة سيتم تجنيد البنية التي نظمّها الحرس الثوري بكاملها للدفاع عن النظام، إنه يوم طهران الآن وليس يوم القدس.

تمسّك وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لدى زيارته أنقرة بإجراء حوارٍ وطني في لبنان بعدما كان نعيم قاسم أمين عام الحزب الموالي لطهران قد أعلن قبل أربعة أيام فقط أنه وحزبه جزء لا يتجزأ من إيران نفسها، مما يستوجب جعل الدعوة الإيرانية إلى إجراء حوار لبناني إيراني وليس حواراً داخلياً لبنانياً، هذا إذا تجاهلنا الحاجة الملحّة إلى تنظيم حوارٍ إيراني داخلي تمنعه السلطات بالقمع الشديد.

ما حسمه وقرّره قاسم مع اشتداد التوتر الأميركي- الإيراني، من استعداد للقتال في صفوف جند الولي الفقيه، لا علاقة له بالداخل اللبناني، أو بأي حوار مزعوم، بقدر ما هو تلبية لقرار إيراني تنفذه فرقة أعدتها طهران ووظفتها في مهمات عدة جوهرها حماية نظام الملالي.

والواقع أن السلطات اللبنانية الجديدة انتبهت إلى حقيقة أن "حزب الله" إنما قام من أجل هذه الغايات الإيرانية، وهي في سعيها إلى استعادة سلطة الدولة وحصر السلاح في يد أجهزتها، دعت طوال العام الماضي، إيران إلى وقف تدخلها في الشؤون اللبنانية. ولم يبخل رموزها، أمام ممثلي المرشد علي خامنئي الذين توافدوا إلى بيروت، في إبلاغ الإيرانيين بسوء تدخلاتهم وضرورة وقفها، فقامت في وجه هؤلاء المسؤولين، بدءاً من رئيس الدولة، حملات ممنهجة استهدفتهم سياسياً وشخصياً ، نظمها الحزب الإيراني ومناصروه، وجعلت منهم أعداء وعملاء.

قفز "حزب الله" طوال تاريخه فوق موجبات الحوار الوطني الذي يعني إشراك المواطنين في تقرير مصيرهم ومستقبل وطنهم. فعل ذلك ضمن استراتيجية إيرانية صريحة وبرعاية سورية مديدة إبّان سيطرة النظام السوري البائد على لبنان.

لم يلتزم وثيقة الوفاق الوطني التي أقرّت حلّ الميليشيات ابتداء من عام 1990، وانخرط باكراً في حروبه الخاصة لمصلحة إيران، بدءاً من البوسنة مطلع التسعينيات، ولاحقاً في العراق وسوريا واليمن، وعندما شن حربه ضد إسرائيل تضامناً مع حركة "حماس"، لم يسأل اللبنانيين عن رأيهم ولا استشار الدولة اللبنانية أو جيشها، وإنما كرر تجربة حرب 2006 التي توّجت حواراً وعد خلاله أمين عام الحزب الراحل حسن نصرالله بهدوء شامل قبل أن يشن حرباً مفاجئة، على وقع التفاوض الأميركي - الإيراني، أدت إلى دمار سيتكرر في أسوأ صوره في 2024، وليعود الاحتلال إلى الجنوب اللبناني، مترافقاً مع استباحة إسرائيلية غير مسبوقة للأراضي اللبنانية منذ ربع قرن .

لا معنى لعودة إيران إلى الحديث عن حوار بين اللبنانيين إلا في أنهم يرفضون رفع اليد عن لبنان بعدما اجتمعت مختلف الأسباب، إثر حرب غزة، على رفض تحكمهم بالقرار اللبناني، وهم في سلوكهم هذا إنما يكررون تجربة نظام الأسد السوري عندما كان يواجه الانتقادات اللبنانية لسياساته في لبنان، فيحوّل تلك الانتقادات إلى مشكلة لبنانية داخلية يتحكم بأطرافها، ويواجهها بالدعوة إلى حوار لبناني مستحيل ليخلص إلى الادعاء أن سوريا تدعم كل ما يتفق عليه اللبنانيون، وهم لا يتفقون.

"حزب الله" ورث التسلط السوري الأسدي في صيغته الإيرانية منذ خروج الجيش السوري من لبنان إثر اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري قبل 20 عاماً، وطوال عقدين تحكّم بمفاصل الحياة اللبنانية وسياسة لبنان الخارجية وعندما كانت القوى السياسية الأخرى تبدي اعتراضاً تتم مواجهتها بالترهيب وصولاً إلى القتل.

وطوال أعوام اعتاد حسن نصرالله الزعيم التاريخي لـ"حزب الله" الذي قتلته إسرائيل في الـ27 من سبتمبر 2024 أن يواجه منتقديه من اللبنانيين بسؤالهم "من أنتم لتنتقدوننا" ثم يردِف أنه "مع الحوار" ، كان نصرالله في الوقت نفسه أكثر ذكاءً أو تقيةً من وريثه نعيم قاسم، أو ربما كان مرتاحاً إلى موازين قوى جعلته "محور المحور" كما سماه يوماً رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

فعلى رغم أن نصرالله أعلن مراراً تبعيته الكاملة لإيران ووليّها، وتبنى كل حرف أو موقف يصدر من طهران ضد دول المنطقة متلقفاً إياه ومنظّراً له، لكنه مع ذلك كان حريصاً على رفض القول بتحويل لبنان ساحة حرب في حال تعرضت إيران للهجوم.

صحيح أن العمليات التي نفذها حزبه كانت بطلب وقرارٍ إيرانيين، إن كانت ضد إسرائيل أو في سوريا واليمن والعراق، إلا أن نصرالله كان يتهرب من الجواب عن سؤال أساس: ماذا ستفعل إذا هوجمت إيران مباشرة؟ كانت أجوبته ملتبسة دائماً. ربما لاعتقاده أن إيران قوية وليست كـ"بيت العنكبوت" الإسرائيلي، وربما لأن القادة الإيرانيين أوحوا له، في حينه، أن التوترات القائمة، بما في ذلك دوره التنفيذي فيها، ليست أكثر من تعزيزٍ لموقع الوليّ الفقيه في التفاوض.

كان نصرالله دعا مقاتليه باكراً سبتمبر 2012 للاستعداد إلى يوم "قد ندخل فيه إلى الجليل"، بدت تلك الدعوة بعيدة عن الجاهزية الإيرانية المباشرة، وقُدمت بوصفها تعبيراً عن مناعة وقوة موقف "لبناني" بحت في مواجهة "دولة الاحتلال"، والتزاماً من التنظيم بموجبات القضية القومية الكبرى.

بدا نصرالله في حينه مستقلاً عن إيران ومناضلاً قومياً ووطنياً لا هاجس له سوى أرضه ومناعة شعبه، لكن هذا التحذير بالذات من اجتياح الجليل، هو ما سيستعمل في مفاوضات الاتفاق النووي الذي سيُنجَز بعد قليل.

لم يدخل "حزب الله" الجليل عندما أتيحت له الفرصة يوم اندلاع حرب غزة، كانت إيران لا تريد ذلك، مهمة الحزب أن يشعل ناراً هادئة فقط، وإبقاء اشتعالها بعيداً من عباءة الملالي.

هكذا، وحتى وقت متأخر بقي نصرالله يميّز نفسه عن بلاد فارس، في حديث إلى قناة "العالم" الإيرانية مطلع فبراير (شباط) 2022 قال إن حزبه لن يكون "متورطاً" في الرد على إسرائيل إن هي هاجمت إيران، ومضى في هذه السردية حتى إلى ما بعد اندلاع حربي غزة والإسناد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

حرص خلال لقائه إسماعيل قاآني، قائد فيلق القدس في مارس (آذار) 2024، والحرب قائمة على قدم وساق، على إبلاغه، أنه لا يريد جرّ إيران إلى الحرب "فهذه معركتنا نحن"، وبعد قصف القنصلية الإيرانية في دمشق أبريل (نيسان) 2024 بدا وكأنه يقترب من احتمال الدخول في رد إيراني محتمل، فاعتبر أن الهجوم "حدث مفصلي" ونحن "لسنا معنيين بالسؤال"، فالسؤال والجواب مصدرهما واحد... لدى الوليّ الفقيه.

حاولت إيران طوال عقود إبقاء نظامها بعيداً من الأخطار المباشرة، فحمته بجدار من التنظيمات التي شكلت الدرع الخارجي لأمنها القومي، وجعلت لهذه التنظيمات "هدفاً سامياً" هو فلسطين ورمزها القدس، وفي لحظة استقواء وحسابات خاصة، شجعت قيام "وحدة الساحات" لإكمال "حلقة النار" حول إسرائيل، و"طرد الأميركيين من غرب آسيا".

وفي هذا المناخ اندفعت "حماس" و"الجهاد الإسلامي" إلى "طوفان الأقصى"، ولحقهما "حزب الله" إشغالاً وإسناداً، لم يكن للبنانيين علاقةً بكل ذلك، وفي فلسطين أيضاً كان الانقسام التاريخي قائماً ومتفاقماً.

فعلت إيران ذلك لجعل المعركة تدور على بعد آلاف الكيلومترات عن حدودها معتقدة أن بإمكانها النجاة من المحرقة، لكن النتائج جاءت كارثية.

دمرت إسرائيل غزة ثم "حزب الله" وانهار نظام الأسد "درة تاج" منظومة التوسع الإيراني الإقليمي.

ولم يعد "حزب الله" قادراً كما في الزمن الغابر على ممارسة "تقية" الاستقلال عن الحاجات الملحّة لأمن نظام الملالي، فالمعركة انتقلت الآن إلى رأس المحور ولم تعد قائمة في النواحي البعيدة، وفي هذه اللحظة سيتم تجنيد البنية التي نظمّها الحرس الثوري بكاملها للدفاع عن النظام، إنه يوم طهران الآن وليس يوم القدس.

في العراق تعلن الميليشيات عزمها على القتال ويؤتى بنوري المالكي الإيراني الارتباط والهوى مرشحاً لرئاسة الحكومة. وفي لبنان يختفي خطاب "حزب الله" عن الوحدة الوطنية والمقاومة دفاعاً عن لبنان، ليحل محله خطاب نصرة الولي الفقيه والقتال من أجله.

في الـ26 من يناير (كانون الثاني) 2025 يخرج وريث نصرالله، الشيخ نعيم قاسم ليقول "بعد الإمام الخميني... الخامنئي هو قائدنا... دماؤنا لا نستطيع أن نصرفها، ومقاومتنا لا نستطيع أن نقوم بها من دون إذن شرعي... الولي هو الذي يحدد مسار الأمة."

قال قاسم إنه لن يكون حيادياً وسيتصدى لأي هجوم على إيران، هو لم يكشف جديداً عن طبيعة تنظيمه والمهمة التي قام من أجلها، لكنه كشف حقيقة دجل المسؤولين الإيرانيين في لغوهم عن لبنان الشقيق، ووضع هذا الشقيق مرة أخرى أمام الحقائق الصعبة التي يواجهها.

اقرأ المزيد

المزيد من آراء