Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لبنان ولجنة "الميكانيزم": تسوية على الطريقة السورية أم التصعيد؟

معلومات عن أن تل أبيب لم تعد ترغب باستمرار انعقادها وواشنطن تسعى إلى استبدالها بأخرى ذات طابع سياسي

رئيس الجمهورية جوزاف عون (يسار) والسفير السابق سيمون كرم (المكتب الإعلامي في رئاسة الجمهورية)

ملخص

تحدثت مصادر دبلوماسية في واشنطن عن تقييم سلبي لمرحلة التفاوض عبر "الميكانيزم"، والأسباب لا تمت بصلة إلى غياب الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس لأسباب شخصية، ولا تختصر برغبة التخلص من الدور الفرنسي في المفاوضات، إنما تعود إلى مقاربة إسرائيلية وأميركية لهذه المفاوضات التي يراد لها أن تتغير، إطاراً وشكلاً ومضموناً، وأن تقتدي بالنموذج السوري العملي بعدما أظهر نجاحه.

كثر الحديث في الفترة الماضية عن تلقي لبنان معلومات تفيد بأن إسرائيل لم تعد ترغب في استمرار انعقاد لجنة "الميكانيزم" التي أنشئت لمراقبة إعلان وقف الأعمال العدائية، وأن أميركا تسعى إلى استبدالها بلجنة جديدة ذات طابع سياسي، وتكون ثلاثية يترأسها مسؤول سياسي أميركي رفيع المستوى، مع تمثيل لبنان وإسرائيل عبر وزراء أو مسؤولين حكوميين. وبرزت إلى العلن أفكار يتم التداول بها في الكواليس والغرف المغلقة عن ضغط أميركي على لبنان للقبول باعتماد النموذج التفاوضي السوري - الإسرائيلي الحاصل برعاية أميركية. وتعززت فرضية إنهاء دور "الميكانيزم" بعد تعطل اجتماعاتها لأكثر من أربعة أسابيع، وهي إن عادت إلى الاجتماع في فبراير (شباط)، والموعد الافتراضي في الـ25 من فبراير، فلن تكون إلا على المستوى العسكري. وإلى ذلك جاء كلام رئيس الوفد اللبناني السفير السابق سيمون كرم في لقاء إعلامي وكأنه ينعى فيه عمل اللجنة عندما كشف عن أن الشروط الإسرائيلية "شديدة القسوة" وأن هناك تطابقاً في وجهات النظر بين الأميركيين والإسرائيليين، وأن الضغط مستمر، بما في ذلك من خلال تعطيل عمل اللجنة، معبراً عن مخاوفه من انتقال هذا الضغط إلى مرحلة جديدة.

لكن على رغم اعتراف المسؤولين في لبنان بتعثر عمل "الميكانيزم" فإنهم نفوا تلقيهم حتى الآن أي طلب باستبدالها. وسارعت مصادر مقربة من رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى الجزم بأن أي صيغة جديدة سياسية للتفاوض ستكون مرفوضة قطعاً من قبل لبنان. في المقابل كان لافتاً تصريح رئيس الحكومة نواف سلام الأخير من باريس رداً على سؤال عن تطور عمل "الميكانيزم" قائلاً "الأمر يتوقف على التطورات. لا مانع لدينا أبداً من إشراك مدنيين آخرين، ويمكن إشراك رجال قانون، إذا اقتضى الأمر، أو طوبوغرافيين، وسبق أن شارك مدنيون في مفاوضات الحدود البحرية. نحن منفتحون على ذلك بلا تردد".

 

الجولات الأخيرة عكست هوة كبيرة

وتحدثت مصادر دبلوماسية في واشنطن عن تقييم سلبي لمرحلة التفاوض عبر "الميكانيزم"، والأسباب لا تمت بصلة إلى غياب الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس لأسباب شخصية، كما لا تختصر برغبة التخلص من الدور الفرنسي في المفاوضات، إنما تعود إلى مقاربة إسرائيلية وأميركية لهذه المفاوضات التي يراد لها أن تتغير، إطاراً وشكلاً ومضموناً، وأن تقتدي بالنموذج السوري العملي بعدما أظهر نجاحه. وتحدثت المصادر عن أن المفاوضات في شكلها المدني كشفت عن تناقض في الأولويات بين المفاوضين الإسرائيلي واللبناني، فالجانب اللبناني يريد الانسحاب ووقف الغارات وعودة الأسرى وإعادة الإعمار، بينما أولويات الجانب الإسرائيلي هي سلاح الحزب والأمن والاقتصاد.

ونقل عن السفير السابق سيمون كرم أنه أصر في آخر جولة تفاوضية في الناقورة (جنوب) على حصر النقاش في بندي عودة الأهالي إلى القرى الحدودية واعتبار إعادة الإعمار مفتاحاً لأي نقاش حول الملف الاقتصادي في المنطقة الحدودية. وتمسك لبنان بالتركيز على تطبيق القرار 1701 وحصر التفاهمات الأمنية ضمن إطار اتفاقية الهدنة الموقعة عام 1949 مع استعداد للنقاش حول تعديلات محدودة فيها. ولكن تبين للمفاوض اللبناني أن لدى إسرائيل مطالب وشروطاً قاسية، أمنية واقتصادية، لا يمكن للبنان القبول والسير بها، وأن إسرائيل تعتبر أن الأحداث والوقائع الجديدة تجاوزت اتفاقية الهدنة، وحتى اتفاق وقف إطلاق النار، وتريد اتفاقاً جديداً يكرس الواقع الجديد على الأرض، وإنشاء منطقة عازلة مع لبنان، مع إغراءات بتحويلها إلى منطقة اقتصادية.

لبنان يرفض الصيغة الأميركية الجديدة

في السياق اعترف مصدر في القصر الجمهوري (مقر رئاسة الجمهورية اللبنانية) بوجود أزمة حقيقية في موضوع لجنة "الميكانيزم"، ووصف وضعها بأنها "لم تمت بعد لكنها تترنح"، وجزم، في المقابل، برفض لبنان القاطع للبديل المطروح. الاجتماع المقبل للجنة المراقبة حدد موعده في النصف الأول من فبراير من دون تاريخ محدد، وسيقتصر، بحسب مصدر مقرب من رئيس الجمهورية، على الصيغة العسكرية مع استبعاد الممثلين المدنيين. ويتضح أن واشنطن وتل أبيب لا تريدان أي مشاركة سياسية فرنسية في لجنة المراقبة، وقد قبلتا الوجود العسكري الفرنسي في "الميكانيزم" على مضض، بعدما اعترض "حزب الله" آنذاك على ألمانيا وبريطانيا. وتتفق واشنطن وتل أبيب على أن مهمة اللجنة تقتصر على مراقبة وقف إطلاق النار فحسب، وتقترحان، وفق المصدر ذاته، تشكيل فريق ثلاثي منفصل (أميركي - إسرائيلي - لبناني) للبحث في الملفات السياسية.

ويرفض الجانب اللبناني هذا الطرح بصورة قاطعة، ويصر على حصر التفاوض غير المباشر مع إسرائيل من خلال "الميكانيزم". وكشف المصدر عن أن إسرائيل لن تقدم أي تنازلات ميدانية للبنان قبل الحصول على مقابل سياسي، وأنها تسعى إلى تفريغ "الميكانيزم" من دورها التفاوضي الأمني -السياسي، وحصره في الجانب الأمني فحسب، ثم تعطيله تدريجاً عبر الامتناع عن عقد الاجتماعات كما يحصل حالياً، لمصلحة اللجنة الثانية التي يصرون على تشكيلها ويرفضها لبنان، وحتى مشاركة الموفدة الأميركية في اللجنة أورتاغوس لم تحسم بعد، كما لم يتم تعيين بديل عنها وسط معلومات عن مساع لإبقائها ممثلة مدنية عن الجانب الأميركي.

التوازي مع المسار السوري

في هذا الوقت، أكد الصحافي والكاتب السياسي طوني عيسى أن التوجه الأميركي - الإسرائيلي المشترك يرمي بالدرجة الأولى إلى تصعيد الضغوط على لبنان إلى مستويات يصعب على الدولة اللبنانية و"حزب الله" تحملها، وأشار "إلى أن هذا الضغط يأخذ مسارين متوازيين: الضغط العسكري الإسرائيلي عبر ضربات متصاعدة الحدة، والضغط الدبلوماسي والاقتصادي الذي تقوده الولايات المتحدة. الهدف من هذه الضغوط هو إيصال رسالة واضحة للدولة اللبنانية وحزب الله مفادها بأن المرحلة الحاسمة من تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار باتت حتمية، بخاصة في ما يتعلق بالمنطقة الواقعة شمال نهر الليطاني، التي تمثل التحدي الأكبر. ويتجلى هذا الضغط المزدوج في التعديلات الجارية على آلية عمل لجنة الميكانيزم، إذ يراد الانتقال من طبيعتها الحالية إلى إطار تفاوضي جديد شبيه بالمعتمد في سوريا، قائم على التمثيل الدبلوماسي والسياسي"، ولم يستبعد عيسى ارتفاع مستوى الاتصالات السورية - الإسرائيلية إلى مستوى القيادة، "بما في ذلك احتمال لقاء بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس السوري أحمد الشرع"، ولفت أيضاً "إلى احتمال وجود صفقة خفية وراء التطورات السورية المتعلقة بقوات سوريا الديمقراطية (قسد)"، معتبراً أن الصمت الإسرائيلي يتجاوز مجرد المراقبة، وقد تتوقع تل أبيب ثمناً لتغاضيها عما جرى في المنطقة الكردية.

أما في السياق اللبناني، فيسعى الطرفان الإسرائيلي والأميركي، بحسب رأيه، للانتقال إلى المسار نفسه المعتمد في سوريا، "مع رفع مستوى التمثيل التفاوضي، مما يفسر تجميد عمل الميكانيزم بصيغته الحالية. ومع أن الآلية قد تستمر في مهامها الأساسية المتعلقة بمراقبة وقف إطلاق النار وتلقي الشكاوى بين الضباط، إلا أن المفاوضات ستنتقل بالتوازي إلى مستوى جديد ذي طابع مدني أكثر"، متوقعاً أن تتبلور معالم هذا المسار الجديد خلال الأسابيع القليلة المقبلة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"حزب الله" لن يقبل

من ناحيته، أكد الكاتب السياسي قاسم قصير "أن حزب الله يرفض رفضاً قاطعاً أي تفاوض سياسي أو اقتصادي مع إسرائيل"، مستبعداً إمكان تطبيق النموذج السوري التفاوضي على الحالة اللبنانية، "بخاصة في ظل رفض المسؤولين اللبنانيين هذا التوجه"، وأشار قصير إلى أن لجنة "الميكانيزم" ستعقد اجتماعها المقبل في الـ25 من فبراير المقبل، مؤكداً أن المشهد اللبناني لا يزال ضبابياً، "إذ يتوقف توضيحه على عوامل عدة: التطورات في إيران، قرار الجيش اللبناني وخطته الجديدة لحصر السلاح شمال نهر الليطاني"، وخلص إلى أنه لا يمكن تحديد موقف نهائي قبل تبلور هذه المستجدات.

من جهته، استبعد مهند الحاج علي، نائب رئيس مركز "كارنيغي للشرق الأوسط" والمتخصص في شؤون "حزب الله" "قبول لبنان بالشروط الإسرائيلية التي تتضمن تحويل منطقة حدودية من جنوب لبنان إلى منطقة اقتصادية حرة خالية من السكان، على رغم عدم وجود أي استعداد للاستثمار فيها حتى الآن، مما يعني تهجير عشرات الآلاف من سكانها، وثانياً إقامة ترتيبات أمنية مشتركة تمنح إسرائيل دوراً أمنياً على الجانب اللبناني من الحدود، على غرار ما حدث في اتفاق 17 مايو (أيار) المرفوض"، ورأى الحاج علي أن من الصعب على الطبقة السياسية اللبنانية القبول بهذين الشرطين، وإسرائيل تدرك ذلك جيداً، "لذلك، فإن المفاوضات الحالية ليست سوى مناورة إسرائيلية تهدف إلى كسب الوقت لفرض هذا الواقع الجديد وتبريره من خلال استمرار العمليات العسكرية".

لماذا لن ينجح النموذج السوري في لبنان؟

ورأى الكاتب والباحث السياسي بلال اللقيس أن الإدارة الأميركية تحاول الربط بين المسارين السوري واللبناني، متغافلة عن الفروق الجوهرية بين الساحتين، وعدد اللقيس تسعة أسباب تحول دون نجاح هذه المقاربة: "الاختلاف الجذري بين النظامين السياسيين والسلطتين في البلدين، والخصوصية اللبنانية القائمة على دستور توافقي لا يسمح بإمضاء أي قرار من دون توافق وطني، فلبنان بلد حساس جداً في بنيته، ودستوره يقوم على التوافقية، والتوازنات الداخلية والمعادلات المعقدة التي لا يزال يلتزم بها لبنان، وحزب الله لا يزال الجهة الأكثر شعبية وتأثيراً في لبنان على رغم كل الحملات ضده، ويملك أوراق قوة شعبية وسياسية ودستورية قابلة للتفعيل، وإدراك السلطة السياسية، لا سيما الرئيس عون، أخطار هذه الخطوة، بخاصة في ظل تجربة اتفاقية الـ17 من مايو (أيار) التي فشلت على رغم أن ظروف الرئيس الجميل (الرئيس السابق للجمهورية أمين الجميل) آنذاك كانت أفضل، وموقف السلطة الضعيف بعد تقديم تنازلات مجانية لم تحصل مقابلها من الأميركي على أي مطلب، وتلاشي الرهان على أوروبا بسبب حالة العجز والضعف والترهل التي تمر بها واستخفاف واشنطن بها، وأي خطوة من هذا النوع ستفهم كمواجهة لجبهة المقاومة وانحياز للرؤية الأميركية، وهو ما لا يتحمله لبنان في واقع إقليمي متفجر، والالتزام ببيان القسم والتفاهم بين حزب الله وحركة أمل والرئيس عون، والتزام لبنان بقرارات القمة العربية في بيروت التي تؤكد الإجماع العربي ما يجعل أي خطوة منفردة إضعافاً للموقف العربي".

المزيد من تقارير